بسكوتة ... لم يختفي ! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

بسكوتة ... لم يختفي !

  نشر في 29 نونبر 2016  وآخر تعديل بتاريخ 30 نونبر 2016 .

عندما كنتُ صغيراً كان معروفٌ بيننا كصغار المنطقة وأطفالها أن هناك صبيُ صغيرُ زائع صيته لكن من منطقة شعبية مجاورة ، وكان هذا الصبي معروف بجبروته كنا إن لقيناه خشيناه علي الفور، كان له حضوره الخاص وكان يُلقب علي الرغم من كل هذا ب "بسكوتة" ، فهنا نستطيع القول بفمٍ ملآن أن الطيور غالباً لا تقع علي أشكالها ، ونستطيع القول أيضاً أن ليس كل باب يُستدل عليه من عنوانه .كان الصبية يتداولون أخباره وكيف كانت ردود أفعاله وتصرفاته في المعارك التي كان يقودها، وهو في الأصل طفل ليس بمقدوره فعل الكثير وكنتُ قد رأيته ذات يوم عندما صرخ بوجهه رجل كهل لشغبٍ قد فعله ، ففر "بسكوتة " خوفاً منه وقلت لنفسي حينها أهذا هو بسكوتة الذي يتحدثون عنه ؟ إنه مثلنا تماما يخاف جداً ويهاب الكبار مثلنا ! ثم رددتُ متعجباً ثلاث مرات " بسكووتة! ..... بسسكوووتة! .... بسكووووتة !" .

وحينها آثرتُ أن لا أحكي لأصدقائي ما رأيته وأحتفظتُ به لنفسي ، لا لشئ سوي أنني أردتُ أن أكون أنا الوحيد بينهم الذي لا يخشي "بسكوتة " علي الإطلاق، فأنا أعرف جيداَ انه مثلنا تماماً ويهاب الكبار مثلنا ، وحينها شعرتُ أني قوي جداً وإن كان هذا الشعور خفي ،فلا يعلم أحد أني أقوي من "بسكوتة " سوي نفسي . لكن ظل "بسكوتة" رغم هذا ،الطفل الذي يخشاه أطفال منطقتنا ، بل كان حين يأمر أحدهم كنتَ تراه يهرول مسرعاً لتنفيذ أوامره كمن صعقته الكهرباء. وأنا لا أساند أياً منهم علي الإطلاق علي الرغم من قدرتي علي مواجهة بسكوتة بعدما تملكني نوعاً من الجرأة تجاهه وشعوره بنوع من الإنكسار كلما رآني لأنه لاحظني واقفاً عندما قام بالفرار لمّا صرخ الرجل الكهل بوجهه.

وفي يوم من الأيام تداول الأطفال أن بسكوته قد إصطدمته سيارة ، وكُسرت قدماه ،فعمّت الفرحة بينهم ، لا سبب لهذه الفرحة سوي شماتةٍ وأنه عوقب بشكلٍ من الأشكال حتي لو كان هذا العقاب ليس عن طريقهم . وكان هناك أحد أطفال المنطقة قد ضربه بسكوتة من قبل وحين علم بما ألمَّ ببسكوتة ، فرح فرحاً شديدا وكان قد أوشك أن يقول الله أكبر ، لكنه كان طفلا لا يعي ماذا كان عليه أن يقول ؟ ....

إستعاد بسكوتة عافيته وإلتئمت قدماه , وقد وصلته أخبار تُفيد بأن الأطفال قد فرحوا لمرضه ، وتمنوا أن لا يعود مجدداً سليماً مُعافاً، وتلك الاخبار سببت له ضيقاً شديداً ،كأن لسان حاله كان يقول: كيف لهؤلاء أن يقولوا هذا وكيف لهم أن يأتي بمخيلتهم أني لن أعود؟ ، ألم يدركوا كم هم ضعافُ أمامي؟ ، وكيف انا بسكوتة أستطيعُ ان أجعلهم يفرون كالفئران من أمامي! .

وهنا في تلك اللحظة قرر بسكوتة الإنتقام ، لذا حين نزل للمنطقة واستعاد كامل صحته ، أصبح أكثر شراسةً وصوته إزداد حدة ولسانه صار سليطاً لحد البذاءة ، فإن كان قد إعتاد أن يضرب طفلاً في الإسبوع الواحد صار يضرب ثلاثة أو أربعة ،حتي صار الأطفال حين يعلمون بمجيئه يفرون فبل أن يلمحوا طلته.

عُذراً إن كنت إستفضتُ في قصتي الطفولية التي لاشأن للقارئ بها ولا يهمه أيضاً إن كنا نحن أطفال منطقتنا نخشي بسكوتة أم لا! . لكن لا أدري لِمَ أقصها أو أكتبها للقارئ ؟ لكنه دافع بداخلي هو من جعل ذاكرتي تُحضر تلك القصة أمام عيني بعدما قرأت أنباءاً تقولُ أن إسرائيل تحترق، فبعد تذكري تلك القصة وجدتني أقول "بسكوتة لم يختفي من منطقتنا لأننا كنا أطفالها الجبناء".


  • 1

   نشر في 29 نونبر 2016  وآخر تعديل بتاريخ 30 نونبر 2016 .

التعليقات

بسمة منذ 5 يوم
جميل ان يكون لك موقف تستمتع في مشاركةالآخرين بها ،
"بسكوته" هذا الطفل الذي استمد قوته من ضعفكم ،
فرؤيته لردة فعلكم ساعده شيئا فشيئا على اثبات ذاته وقوته ،
اول سؤال بادر إلى ذهني بعد قرأتي للقصة ،
هل يتذكر بسكوتة طفولته الشرسة والشقية؟؟
لابد انه يحدث ابناءه الآن عن نفسه ضاحكا وساخرا !!
هذا اذا كان حيا ولم تصبه دعوة من دعوات الاطفال في زمنكم ،
... " دام قلمك وإلى الأمام "

1
عبدالرحمن الكحلاوي
بالطبع سيحدّث أبناءه ساخراً ضاحكاً ، بل عن هؤلاء الضعفاء ، فالضعفاء دوماً يجلبون لأنفسهم السخرية ، ولا مجال للتعاطف مع عاجز ضعيف إذا كان في الأصل مُتخاذل ، هكذا نحن الأن مدعاة للسخرية ، لضعفنا وعجزنا بعدما تمكّن الكيان الصهيوني منّا .
وشكراً علي المتابعة والتحفيز ...

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا