الرَّقْصُ على وجوهِ الزنوج!! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الرَّقْصُ على وجوهِ الزنوج!!

  نشر في 27 شتنبر 2017 .

"الزنجي الذي استورد البيض أسلافه للولايات المتحدة الأمريكية وباعوه كعبد لا يمكن أن يكون مواطنًا حرًا" هذا حُكم المحكمة الأمريكية العليا عام 1857 .. هذا بإيجاز ما كابده السود على مدار عقود خلّت في العالم الجديد.

كان ملف الرِّق الباعث غير المباشر لنشوب الحرب الأهلية الأمريكية، حارب السود للمساواة والحقوق المدنية. وكان دريد سكوت قد كافح لينال حريته إلا أنه قضى قبل أن ينالها بعد سجالٍ طويل دار في أروقة المحكمة العليا، والتي وُصِمَ قرارها في حق سكوت بأنه "أسوأ قرار في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية". فمن هو دريد سكوت؟ وما بواعث إدانة قرار المحكمة العليا ووصمها بالعار الذي لا يُمحى؟ التفاصيل في ثنايا هذا المقال.

كان دريد سكوت Dred Scot الفتى اليافع الذي قضت الأقدار أن يولد لعائلة زنجية تقطن فرجينيا عام 1795 وكان كأقرانه يسرق البسمة بين الحين والآخر بعيدًا عن عيون البيض؛ فالضحك والابتسام والمزاح والبهجة لا تليقُ إلا بالبيض!! كان قدر السود أن يكونوا طوع أمر البيض ورهن إشارتهم ليس إلا. انتقل سكوت مع صديق له يدعى "بيتر بلو" إلى ألاباما عام 1818 وبرفقتهم ستة من العبيد للعمل في مزرعة بالقرب من هانتسفيل. في عام 1830 عدل، بلو، عن الزراعة وقرر الاستقرار في سانت لويس بولاية ميسوري؛ فباع سكوت لطبيب اسمه "جون إيمرسون" يعمل جراحًا بالجيش الأمريكي.

كان سكوت دائم التنقُّل مع سيده وفقًا لطبيعة عمل الأخير؛ فعمل في إلينوى وكانت ولاية حرة وحظرت الرِّق في دستورها عام 1819 ثم سافر إلى ميسوري. تزوج سكوت من "هاربيت روبنسون" عام 1836 في حين تزوج سيده إيمرسون عام 1836 الآنسة "إليزا إيرين سانفورد"، وظلت الأحداث تتوالى وسكوت يسير في ظل سيده، حتى انتقلوا إلى جنوب سانت لويس عام 1857 وكان استئجار روبنسون يعد انتهاكًا مباشرًا لتسوية ميسوري؛ وعليه كان سكوت يعامل معاملة العبيد في حين زوجته تعامل معاملة الأحرار.

قبل نهاية عام 1857 أعاد الجيش الأمريكي تعيين إيمرسون للخدمة في لويزيانا، أرسل إيمرسوت لسكوت وزوجته لخدمته في لويزيانا؛ فلم يتردد سكوت في تنفيذ أمر سيده، ولكن أبى القدر إلا أن يحمل لسكوت بصيصًا من الأمل في تنشُّقِ نسائم الحرية. في طريق رحلتهما إلى لويزيانا، وعلى متن باخرة تمخر عباب نهر ميسيسبي، أنجبت هاربيت ابنتها التي أطلقوا عليها اسم "إليزا" تيمُّنًا باسم سيدتهما زوجة الطبيب إيمرسون. كان الخبر السار الذي حملته الأقدار لسكوت وزوجته أن ابنتهما حرة؛ لأنها قد ولدت في بلادٍ حرة لا تعترف بالرِّق. اغرورقت عينا سكوت وهو يطالع ابنته التي أوقدت في صدره جمرة الحرية، وفي هذه اللحظة راودته الأحلام الوردية بالحياة في كنف تلك الحرية التي لم يحظَ بالتفكير فيها من قبل خشية أن تُسلّبَ حياته، ولكنه الآن مستعد للقتال من أجلها.

كان سكوت يتردد في طلب حريته من سيده إيمرسون، ولكن بعد وفاته لم يعد هناك ما يعكر عليه خطته للعيش حرًا ولو لأيامٍ معدودة قبل أن يلقى مصيره المحتوم. كانت إليزا سانفورد قد استولت على جميع ممتلكات إيمرسون بعد وفاته ومن بينهم عائلة سكوت!! حاول سكوت شراء حريته في عام 1846 إلا أن سانفورد تعنتت وطالبته بالتوبة عن هذا الحلم من الأساس؛ فهو قد خُلِقَ عبدًا وسيموت ميتة العبيد!! لاذ سكوت بالقضاء لينصفه من سيدته المتصلِّفة، ولكنه كان كالمستجير من الرمضاء بالنار، فرفض القضاء غير مرة قبول قضية سكوت، ومع إصراره على تقديم شكايته ورفع قضيته؛ قوبل باستهجانٍ قاسٍ من المحكمة الدستورية العليا التي أقرت بقاء سكوت على قائمة العبيد طوال حياته. عاش سكوت ومات دون أن يرى لنفسه الحق في تقرير مصيره؛ فكان البيض يقررون عنه ويتلذذون بإذلاله ومن على شاكلته دون أن يطرف لهم جفن. قضى سكوت آلاف المرات قبل أن يموت، كانت معاملة البيض له وللسود بشكلٍ عام كارثة بكل المقاييس، وقد طويت صفحة عمره قبل أن يلمح بارقة الأمل التي تؤذن بحرية العبيد وخلاصهم من قبضة البيض.

عُرِفت قضية سكوت في المحاكم الأمريكية باسم قضية "سكوت-سانفورد" في إشارة لطرفي النزاع الذي لم يكن بأي حال يمثل قضية شخصية ولكنها قضية أمة بأسرها، وقد غض القضاء الطرف عن القضية لفترة طويلة من الزمن حتى اندلعت الحرب الأهلية الأمريكية بين ولايات الشمال والجنوب، وقد تمكَّن إبراهام لينكولن من إلغاء الرِّق بعد أن كسر شوكة الكونفيدراليين في الحرب الأهلية. ظلت توابع التفرقة العنصرية تتأرجح بين إذكاء روح العنصرية وبين التهدئة والتسوية على مدار السنوات، فقد رفض أسطورة العالم في الملاكمة محمد علي كلاي الانضمام للجيش الأمريكي في حرب فيتنام قائلًا: "تطلبون مني الانضمام للحرب ضد أناسٍ لا أعرفهم ولا يعرفونني، لم يؤذيني أحد هؤلاء في الوقت الذي تمطرون السود بالشتائم والعنصرية المقيتة، ثم تطلبون مني أن أدافع عنكم؛ هذا لن يحدث مطلقًا"

يدندن الكثيرون على وتر التمييز العنصري بين الحين الآخر؛ فجورج بوش الابن استخدم قضية سكوت خلال حملته الانتخابية عام 2004 لانتقاد قرار المحكمة العليا الذي نطقت به المحكمة عام 1857 والذي مثّل وصمةً في تاريخ القضاء الأمريكي، قد يتوهم القارئ العزيز أن جورج بوش الابن كان يريد نبذ العنصرية! ولكن يرى "ويليام سافير" في قاموس سافير السياسي أن بوش وظّفَ هذه القضية بما يخدم غرضه هو؛ إذ أراد بوش إيصال رسالة ضمنية مفادها: "أن أحكام المحكمة العليا قد تتغير"، وبهذا كان بوش يرقص على وجوه الزنوج. إن الميلانين -المادة الصبغية المسئولة عن لون البشرة- قد أشعل الحرب الأهلية الأمريكية، ومن قبلها أضرم نيران الرِّق لأول مرة على يد البرتغاليين؛ لتستمر معاناة الكثيرين ممن لا ذنب لهم إلا أن الميلانين أكثر نشاطًا منه في أجساد أقرانهم البيض. لعلَّ البعض لا يدرك خطورة تأثير الميلانين على الأمريكيين من أصول إفريقية، ويكفي لذلك أن نضرب مثالَا سريعًا بالفتى الذهبي، جيسي أوينز، الذي حصل على أربع ميداليات ذهبية في أوليمبياد برلين 1936 وأرادت أمريكا أن تكرِّمه؛ فأقيم حفل ضخم بأحد الفنادق الأمريكية، ولحظة دخول البطل -صاحب التكريم- رفضت إدارة الفندق دخول أوينز من الباب الرئيس للفندق، وأصرَّت إدارة الفندق أن يدخل من باب الملّونين!! وفي 19 مايو 1947 رفضت إدارة فندق "بين فرانكلين" بولاية فيلادلفيا دخول فريق مونتريال رويال للفندق لا لشيء إلا أن أحد لاعبي الفريق زنجي!! ليصبح هذا الزنجي المنبوذ أشهر لاعبي البيسبول الأمريكي، إنه جاكي روبنسون.

إن من ينادون بالحرية والعدالة والمساواة هم أول من ينتهكون هذه المبادئ إذا ما اتسق ذلك مع أطماعهم؛ فلا ينبغي علينا أن ننخدع بما يتغنون به من مُثُل ومبادئ، بل علينا أن نرجع إلى أخلاق ديننا وننهل من معينها العذب، وعلينا ألا نصنِّف الناس وفق أهوائنا وقناعاتنا الشخصية ونظرتنا المحدودة. قيمة كلُّ امرئٍ ما يحسنه، وعلينا أن نؤمن بذلك وننقاد له بكل جوارحنا؛ لنعيش معًا في سلامٍ وسعادة.


  • 2

   نشر في 27 شتنبر 2017 .

التعليقات

Asmaa Sabry منذ 2 شهر
فعلا " قيمة كل إمرئ ما يحسنه " فإذا اتخذها الإنسان شعارا له فغالبا ما يصل إلى مراتب الكمال العليا فى جميع مناحى الحياة.
2
محمد الشبراوي
بالتأكيد، هذه حقيقة.

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا