الأغاني - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الأغاني

قصة قصيرة - الجزء الأول

  نشر في 30 غشت 2017 .

  - ١ -

الدُف يزُف و لحنٌ حنون يبعثه القانون، طبلٌ باليمين، طبلٌ باليسار، و الناس تستثار، تنكمش شفتاه ترققاً يقول :

”نجم عالي وسط العجم

و رغم كحل العيون كحل القلوب حُرُم

شاف عز و ذل و ملكوه أرض البجم“

قبل إستدراكه للقصيدة إحتضن وجهه بسلطة منوعات من سبِ و قذف و طماطم و ورد و قشر لب، أُسدل الستار و وقف هو معتزاً ثابتاً كما أيوب يحتمل و يتحمل و يتحامل.

ركض نحوه صاحب الصالة :

- كلمات مين الزفت دي، عايز تخربلي الصالة؟ إحمد ربك إنهم مدغدغوش الكراسي علي دماغك

قال بهدوء :

- كلمات لقيتها

- أيوة مفهوم، لقيتها فين؟

- جرنال

- جرنال؟ جرنال يا أعمي القلب و البصر، جايب الناس تسمع شعر سياسي و معارض كمان

- هو معارض؟

أمسكه من البدلة المرقعة و شده قائلاً :

- بقولك إيه، أنا مأخر أحسن نِمَر عندي عشان تتنيل تطلع، مش عشان سواد عيونك، لولا الحج الله يرحمه وصاني مكونتش خليتك تهوب نحية عماد الدين تماً.

تركه و نظر له مستنفراً يقول :

- إسمع، أسبوع و نمرتك هترجع، لو ملقيتش الصالة دي مقلوبة من التسقيف، عليا الحرام من ديني لأقلب التياترو كله علي راسك

و خرج.

- ٢ -

قال له أنور الطبال :

- يا مسعود أنا و الرجالة خلاص، جبنا الأخر، زي ما عباس قالك إنها أخر فرصة لك معاه دي أخر فرصة لك معانا، صرف حالك عشان إنت واقف حالنا

- حاضر يا بكبيشي حاضر

- ٣ -

وقف عاري الجيوب، لا يستر عورته سوي قرش ساغ، نظر نحو الكباب المشوي في حرج و ضيق و إبتسامة فخر لا عوز لها.

خرجت فتحية من باب العمارة تتجه نحوه، خبطته في كتفه تقطع عليه نشوة الكباب قائلة :

- أبويا صبره نفذ و هيجوزني يا هباب

قال في إمتعاض :

- خليه يصبر عليا أسبوع، و ربنا يفرجها

- و الجهاز

- جهاز إيه؟

- إللي هتنيل أتجوز بيه

- آه، يا فتحية و الله ما معايا غير ده (و مد القرش نحوها)

- حلو، يا مسعود يا حبيبي أنا عاملة عليك و الله

- عاملة عليا إيه؟

طقطقت و قالت كابتة الغضب :

- يعني عشانك

- ماشي يا فتحية يلا إطلعي

- لا ده أنا نازلة أجيب كباب

- مفيش عزومة من الحج لعريس بنته؟

- جتك نيلة ليك عين

كانت حركاتها تنُم عن خيانة، عن إنتظار لأي عريس يسد فم الوالد لا أكثر.

إتجهت نحو الكبابجي و طلبت، إقتربت منه تتغزل و هو يراقبها، فقد شعوره تجاها حتي تسأل هل كان هناك شعور تجاهها من البداية؟

إستلمت اللفة و أدارت ظهرها تبتسم، مرت من أمام مسعود و هو قاب قوسين أن يصفعها علي قفاها أمام كل الحارة، حتي هتف الكبابجي يضحك :

- يا طالب القرب رضايا كباب

إنتفضت عروقه ليضربها، حتي تمعن الكلمات، سوقية لكن موزونة، دارجة لكن مباشرة، غبية لكنها تنول القبول.

إبتسم.

- ٤ -

قال له مستهتراً :

- كلام إيه إللي بتقوله ده يا مسعود، التفاهة إللي بتقولها دي مش هتعجب حد، بقي يسيبوا عبد الوهاب في الراديو ببلاش و ييجوا يدفعوا عشان يسمعوا ده

قال له كالذي أنزل عليه وحيٌ بأن يثق حتي الموت :

- إسمع مني بس هتاكل مع الناس

- و لو مكالتش و أكلنا إحنا علقة تمام، هتدفع فلوس الإسبتالية بجنابك؟

- هدفع القبض المتأخر يا حنفي

نظر له مستنفراً فإستدرك الأخر :

- أهم حاجة اللحن يبقي مدندش، ولا إيه بكبيشي، إنجدي يا أخي

زفر الأخير و قال :

- أمرنا لله، خِفو النهاوند، جيبوها ع الهادي، يلا

و دق علي الطبلة.

- ٥ -

الصالة ممتلئة كأنه يوم الحشد، كأنما السماء قد إختارت اليوم ليشهد عليه جمهور، ليكون عبرة لسوء أتٍ أو لنجاح غير أكيد.

قال عبود الفراش :

- شهل يا مسعود أفندي، النمرة كمان دقيقة

أخذ في التنفس الهادئ، شريط حياة تخيلها ينجلي أمامه و ما مضي ينطوي علي نفسه إما كذكري أليمة أو كفاح و عصامية.

أمسك عباس الميكرفون و قال بصوتٍ جهير :

- و نقدم لحضراتكم المغني الشاب مسعود أسعد و فرقة ع الأصل دوَّر في أغنيتهم الجديدة

تسفيق لابد منه، فُتح الستار، يقف مسعود و الفرقة وراءه، سعل بخفة، ثم أشار فبدأت الموسيقي.

و من الطبقة الهادئة الرصينة تغني يقول :

”يا طالب القرب رضايا كباب

سوا سوا ع الشط و ع السحاب

يا طالب القرب رضايا كباب“

تبادل الجالسين النظرات، حتي إنطلقت الضحكات بتأثير الكحول، و بطعم المزّة و الليمون، و رائحة السبرتو المغشوش

إنشرح مسعود و أكمل مبتسماً :

”سواك ما طلبت

و طالب كباب من غير حساب

جعان و طالب حبيب

يحلي عيشة هباب

و يا طالب القرب رضايا كباب“

تعالت القهقهات مع نهاية الأغنية، فإنهالوا بالتسقيف الحار، ثم صاحوا : ”كمان كمان“

- ٦ -

الرزق سال علي التياترو، الفرقة قبضت الراتب و زيادة، تمسك عباس بمسعود صاحب الإسم المثالي، تحاكت الناس بعبقريته الغنائية الفذة، بقدرته الرائعة علي كتابة أشعار عامية تلمس وجدان الشارع، توقع له الجميع منافسة عبد الوهاب و تهديد منزلته و انه لا يوجد منافس يستحق مواجهته من الاطرش لأم كلثوم.

”الجميل رمشه قتال

أنا دوبت بين هوايا

و هزت الخلخال

و لو جاني ما جاني

أحضرله أنا في الحال“

تغني و الجمهور لا يتمالك نفسه، يرقص و يتهاوي بين الكراسي، يضحك بصوت واضح و يندمج مع الألحان.

- ٧ -

القاهرة ١٨٨٨ م - السادسة صباحاً.

دخل فرغل السفرجي علي دويدار باشا الشواف ليجده غارق في كرسيه الخشبي المبطن العملاق، يبحلق في السقف، يزرف دموع فرحة و حزن يجتاح وجهه في آنٍ واحد.

قال له : - القهوة المظبوط يا باشا

تمتم الآخر : - أقعد يا فرغل أقعد

جلس في ريبة و إتزان فقال الأخر :

- أخبار ولادك و مراتك ايه؟

- زي الفل يا باشا كله من خيرك

- لا العفو، انت راجل طيب، تشرب حاجة يا فرغل

- ربنا يعلي مقامك يا باشا شكراً

- لو مبتحبش الويسكي ممكن بيرة خفيفة، إنجليزي

- مليش فيه و الله

- لا يا راجل ازاي، متتكسفش بس

و قام من مكانه إلي طاولة صغيرة عليها كئوس و زجاجة فخمة كبيرة، صب له و لفرغل و حملهما نحوه يقول :

- الكحول زينة الحياة، رمز حياة اي باشا، و سيدك بقي اكتر من باشا متستخسرش في نفسك تبقي باشا

- ربنا يزيدك من نعيمه يا باشا

وضع الكأسين و جلس فإستدرك :

- إيه فاكرني بجاملك، لا أبداً، فعلاً مبقاش بعيد عليك تبقي باشا، ولا مش مصدق إني بقيت أكتر من باشا؟

- لا، لا سامح الله، بس يعني إزاي بس

نظر له وهلة و زفر طويلاً ثم قال :

- تسمع عند اللورد كرومر يا فرغل؟

- الإنجليزي؟ معرفش يمكن لمحت إسمه في جرنال

- تمام هو ده، المندوب السامي

- ربنا يزيده هو كمان يا باشا

ضحك عالياً و قال له منشكحاً :

- إنت طيب يا فرغل

حيا فرغل الباشا فأكمل الأخر :

- بقي شوف يا فرغل، أنا ورثت حاجة كبيرة أوي، أكبر من خيالك

- يكرمك و يزيدك ربنا يا باشا

ضحك يقول :

- لا و الله يا فرغل ما في أزيد من كده، تفتكر بقي، أنا ورثت إيه

- و إشعرفني حضرتك

- إتخيل خَمِّن

قلب الأخر في رأسه فقال بعفوية :

- ألف جنية مثلاً

صرخ الأخر ضاحكاً و قال :

- بقي يا راجل باشا مش هيبقي معاه ألف جنية، لا لا علِّي طموحاتك شوية

- مبني؟

- أكتر

- وقف؟

- لأ

- قصر؟

- لأ

- أرض؟

- قربت، أكتر

- مية فدان؟

- لا مية إيه، زوِّد كتير

- ألف؟

- أكتر بكتير

- حيرتني يا باشا

أخرج من جيبه ورقة طاعنةٌ في السن و التخزين، فاحت رائحتها في الغرفة قبل أن تنزلق من جيب الباشا

قال فرغل :

- إيه ده يا باشا؟

- ده الورث

- جنابك ورثت ورقة؟

- الورقة دي، أغلي مني و منك

- ليه لا سامح الله؟

- دي ورقة ملكية مهمة جداً

- ملكية أراضي؟

- أراضي كتير أوي يا فرغل

- ربنا يزيدك يا باشا، و يا تري بحري ولا قبلي

- بحري و قبلي و الجبال و النيل و غيره

نظر له فرغل في قلق، ربما كان لذلك المشروب النَجس الذي شربه الإثنين تأثيره علي أحدهما، ربما فرغل قد سكر و يُهيأ له الباشا يقول العَجَب، أو ربما أن عقل الباشا قد ساح و أنه يُفرغ في ساعة سكر كل ما لديه من أماني

قال له بهدوء غلفه التردد :

- قصدك إيه يا باشا؟

- أنا كسبت مصر يا فرغل

- مصر؟

- اللوتاري، مع سكرتير اللورد كرومر بنفسه، كان فاقد الأمل و حزين، خلص أكتر من ربع برميل النبيت في سان ستيفانو، لوحده، و لما فلِّس، و بدأ يهرتل بكلام مش مفهوم و يزعق، كنت ناوي أرد له شيء من فلوسه يمكن يهدي، لكن لقيته رمي الورقة دي ع الترابيزة و قالي يا باشا هلعب علي مستقبلي و مستقبلكم، ضحكت، مكونتش فاهم، و لما مسكت الورقة و قريتها مصدقتش، قولتله الورقة دي أكيد مزورة، بعد ما أقسم و حلف مية يمين إنها أصلية طلب مني إني لو كسبتها أتحقق منها من اللورد كرومر نفسه، و طبعاً لأني واثق إني مش هقدر أقابله، وعدني إنه هيقدر يثبتلي

- و كسبته يا باشا؟

- لاعبته بكل ما عندي من طاقة، و لما خسر و السُكر نال منه قوّمني و خدني علي فندق في الرمل كان للمندوب السامي أوضة فيه.

دخل السكرتير علي اللورد كرومر و قد أنهكه الدوار يقول :

- سيدي، أسف، ذاكرتي أصابها خلل علي ما أظن، هل يمكن لسيادتك أن تعيد عليّ ما قولته بشأن ذلك المستند

نظر له كرومر بعين يملأها حذر و قال :

- مستند الملكية؟

- نعم

- قولت لك إنه وثيقة إثبات ملكية الأرض موقعة مني و من الباب العالي و من الخديو إسماعيل طبقاً لفرمان..

قاطعه الأخر كالمخبول :

- نعم نعم لا اريد أرقاماً أريد معلومات

إنتفض الأخر من مكانه و أمسك السكرتير يوبخه بصوته الأجش :

- ماذا بك! أجننت يا شارلز لتحدثني هكذا، ما هذا؟ رائحتك القذرة كشفتك يا سيد، أتدخل عليّ سكيراً خسيس و تتلاعب معي!

- سيدي أنا..

- لا تتفوه بكلمة و أين الوثيقة، أعطني إياها

- ليست معي

- ليست ماذا؟ أين هي يا..

و في غضون ثوانٍ سمع الباشا الذي تسحب ليستمع لكل ذلك خبطٌ و كلمات غير مفهومة و شتائم، حتي خيل إليه أنه ربما سمع كسر زجاج و طلقات رصاص، فهرب إلي خارج الفندق و قاد سيارته بعيداً، جداً

قال فرغل :

- مش معقول يا باشا

- طبعاً مش معقول يا فرغل، و لو كان معقول كنت حكيتلك، اللي حصل معجزة و قعدتنا دي بقيتها

إختلجت أعين فرغل أرضاً حتي قال :

- و ناوي علي إيه يا باشا

- النيّة و المُني إنتهوا يا فرغل، من هنا و رايح عايزك تتطمن، أنا عليت و هعليكوا معايا، مش بعيد ينصبوني خديوي بدل مولانا توفيق، و لا عارف، يكون أحسن لو أقنعنا الناس بكده، لمينا جيش كبير، طردنا أحفاد محمد علي باشا و نحارب الإنجليز و الفرنسيس و السلطان لو حكمت

إستشعر فرغل منه طفلاً يتمني أن يكون و يكون و عليه مهاودته حتي و إن كان علي حق، لكن وصلت للسلطان؟ أمير المؤمنين؟ أم حقاً صار الباشا بحكم الوثيقة أمير مصر؟

قال : - بالهداوة بس يا باشا، مش جايز لامؤخذة متزورة

ضحك عالياً الأخر و قال :

- هو الإنجليز بيغلطوا يا فرغل؟

و لما استشعر انه قد فرغ من تراهات الباشا قال :

- علي اي حال ربنا يعينك يا باشا

نظر الباشا نظرة طويلة لفرغل، تلك التي يستحضر فيها عراف الماضي و يحلل الحاضر و يري المستقبل، ثم زفر من أنفه كما لو نفخ غبار الترحال في صحاري البلاد و قال :

- تلاعبني دور يا فرغل؟

و هنا كان نصف زجاجة الكونياك قد نال منه تماماً و شعر فرغل بذلك فقال :

- مليش فيه يا باشا و الله

فشده من يده كالمجنون إلي الطاولة، كالبرق جهَّز الورق و كل ما يلزم، و قال في هدوء :

- إسمي جلالة الملك

ود فرغل يا لقبه بـ”جلالة الخُلَلَ“ و لكنه هاوده، فإستدرك الأخر :

- كسبت أنا، أكسبك و أكسب نسلك كله من بعدك، يشتغلوا شغلانتك ليوم الدين

- ما أكيد كسبان يا باشا

- خسرت، أخسر الورقة دي

إقشعر بدن الأخر، في ثوانٍ سمع شرح مفصل للقواعد، عرف ما يلزم في كبسولة ثم بدأ اللعب، في خلال دقائق خسر الباشا الكثير من خلايا عقله إثر شربه المفرط و خسر فرغل أرطالاً من الوزن إثر عرقه و قلقه، و حين إشتد اللعب و تدافرت الأوراق و تبادلت في عبرة من الزمن فاز فرغل بالدور.

نظر له و قال :

- إنت بتعمل إيه؟ بتمد إيدك علي إيه؟

- الإتفاق يا باشا

- إتفاق إيه! أنا هتفق معاك أنت يا حثالة يا جربوع، يا عتمان! يا شندويلي!

- إستهدي بالله بس يا باشا، خدها خلاص ده لعب

- إوعي إيدك، يا طباخ يا جنايني

ركض نحو الباب صارخاً ليلقي رجلان ملثمان في يديهم بنادق معمرة، أفرغوها في صدره ثم فتشوه، صرخ فرغل : - يا باشا!

فركضا.

وضع فرغل الورقة في جيبه، خرج فوجد الباشا، خرج و لم يعد.

- ٨ -

أدرك فرغل قيمة ما بين يديه، أدرك أن ثمنه لن يدفعه سوي الدم و أن دم الباشا ليس إلا عربون إختلاف و أن الخلاف لم يشتد بعد.

لم يسعه العمر ولا مرض القلب أن يشرح و يستفيض، فلم يستطع سوي أن يخبر زوجته و ولده بفحوي الوثيقة التي ورثها لهم، لم يكن بقرائ و أدركه الموت قبل ان يعلم ولده ما يؤهله لقراءة تلك الوثيقة.

و قد أضطر فرغل الي الهروب فوراً من الحي الذي وقعت فيه الواقعة، و وجد ان خيراً من ان يترك القاهرة كلها ان يختبئ في المقابر، حيث لا باشا يستحب له الهبوط اليها، ولا حتي كجثة هامدة.

- ٩ -

مقابر البساتين - ١٨٩٩ م

في هدوء الليل قال لزوجته التي جاورته في صمت :

- هو أسعد نايم من إمتي؟

- يجي ساعة و نص ساعتين

- صحيه

- ما تسيبه ده لـ..

- صحيه

أيقظت الفتي، جلسوا في حلقة متباعدة حتي قال :

- قوموا بينا

و خرجوا متجهين خلفه نحو قبر بلا رخام، ميّزه بالترمس و ورق الشجر و النمل الكثيف حول قُرص بلغ عمرها أكثر من عشر سنوات.

جلسوا فقال :

-إسمك يا أسعد، أسعد الشحات فرغل، إسمك الوحيد إللي فيه فرح في نسلنا كله، و ده مش من فراغ، ربنا شايلك و شايل لولادك من بعدك حاجة متحلمش بيها طول عمرك، مقدرتش أنا علي نولها بس قدّرتك تستلمها.

- خير يابويا كلامك كله عال؟

- تعرف تستقري؟

- ده أنا حافظ يجي تُلت القُرآن

- عال.

ضرب بيده القرصُ، أبعد اوراق الشجر، و بكلتا اليدين حفر بين النمل و الدود في القبر الذي صرح دفينه بنبشه، بعد ثوانٍ تعري الهيكل القريب لفرغل يحتضن صندوقاً من الخشب رصع الصُلب جوانبه و أثقلها، حُفرت في ثناياه أصابعه كما لو آمن بأنه سيبعث معها.

- ده جدك، في إيده ورث مات متخفي و هموت أبوك متخفي عشان يوصلك، إقرا إللي مكتوب بشويش

تعلثم و سعل حتي قال :

- ده عقد بيع يا بويا؟

- متقولش بيع، قول ترخيص

- ترخيص لإيه ولا إيه

- لكل شيء يابني

- و أنا إزاي هتملكها، هروح للقصر أطرد أهله بالورقة دي؟

- و تطرد السلطان نفسه! دي ممضيه من الإنجليز و منه، ممضيه بإنها ملك حاملها!

- لأ يابويا

- لأ؟ يعني إيه لأ

- مش مكتوب كده

- مكتوب إيه؟

- الورقة ممضية و مختومة بأختام كتير و خطوط و غيره، حتي لغات معرفهاش، بس في الأخر بعد إسم الخديوي توفيق في نقط

- نقط مش إسم؟

- إيوة نقط، يعني إللي يكتب إسمه يستلم مهما كان

- يعني خير! ممكن تكتب إسمك يابني

- و إسم إبني، المكان يساع نسل يابا

- خليها معاك، ليوم ما تبقي في حال تسمح، و ربنا معاك يا اسعد، المهم نكمل كلامنا جوه، خشوا.

فدخلوا، إقتربت الأم من إبنها و قالت له في صوت خافت :

- إوعاك الشيّالة إصحابك يعرفوا منك أي حاجة، يجرجروك و إنتوا بتتكلموا!

- متقلقيش ياما

- هات يابني، هخبيها تحت فرشتك

إنكب الأب يردم علي أباه، يجمع رفاته بين التراب و يقلبها في خفة.

وشوشة بعيدة تقترب، ضباط ترتفع قاماتهم كما الأبراج، يحملون نعش و حولهم من العساكر ما أشبه بالجيش.

من بعيد لمح أحدهم الشحات يعبث بالقبر، تيقظ و صاح :

- أوقف عندك يا نباش القبور يا كافر!!

تلفت الشحات يميناً و إكتست عيناه بالحُمرة، تشنجت عروقه حتي بدت كما لو ستنفجر من عينيه.

و هنا أرخي فرغل يده التي كانت قد تمسكت بإبنه و هو يردم، كأنه لا يزال يخشي القبض عليه بعد موت و تراب.

هجموا عليه في حين رمق إبنه البالغ من العمر ٢٢ سنةً بوصية عينية، ثم أخذوه نحو سجن مات فيه قلقاً قبل أن يكون مرضاً.

- ١٠ -

بولاق - ١٩٠٠

من الحسرة ماتت أم أسعد بعد ذلك بشهرين، إضطر للخروج من البساتين بحثاً عن الرزق و الزواج، تزوج من بائعة فُل جاورها في مسكنه الجديد بعدما توفت أمها و لم تجد غيره، وجد عملاً يكفيه بشارع عماد الدين في تياترو الصباح، ظل يواكب عمله حتي رزق بولد في نفس العام، و بعد أن قرر إدراج إبنه في الإبتدائية بعد أن صارت موضة تيقن أن ذلك سيكلفه ما لا يستطيع راتبه في التياترو تحمله، بحث عن عملاً أخر فلم يجد، حتي أعلن تياترو الصباح إفلاسه في ١٩٠٤، فتفرق العاملون علي كل التياتروهات المجاورة، و إستطاع أسعد أن يجد لنفسه عملاً في تياترو سلطان الليل بعد أن توسط له صديق. 



  • أحمد رضا
    كاتب و مدون مصري شاب مهتم بالقضايا الإنسانية التاريخي و الفلسفي منها بدأ التدوين الإلكتروني منذ عام ٢٠١٣.
   نشر في 30 غشت 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا