ام بالف رجل 1 - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

ام بالف رجل 1

  نشر في 13 أبريل 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

تعانق يدها الحانية أنامله الرقيقة, ويعانق بدوره كيس حلويات تحمل آمال أمه في إنباته نباتا حسنا, قبل أن تحمل فرحة أطفال لم تغب عن عيونهم شمس الأمل رغم أن الحياة تكاد تغيب عن أجسادهم النحيفة.....يسيران بخطوات سريعة سرعة دقات قلبها الذي يسابق الضوء من شدة الحماس, تحاصرها أحيانا أسئلته البريئة, فلا تعلم أي خطاب تتبنى لتجيب, ديني أو دنيوي, مادي أو معنوي... فتسكته بفتات جواب لا يسمن فضوله ولا يغنيه. ذاك الصغير هو كل ما تبقى لها من حياة جرفتها عكس ما أرادت, هو رأس مالها الذي يجب أن تستثمره بذكاء وحذر في بورصة الأيام, لا يمكنها أن تترك عائلة أبيه تدنس نظرته للحياة, لا تستطيع أن تترك أخطبوط الثروة يلتف بأذرعه ليغلف نقاء قلبه كما فعل بأبيه الراحل, لا تريده أن يرى الحياة محصورة في الفنادق الفخمة والعائلات المترفة والأماكن التي تتجاوز الرفاهية فيها حد الخيال, تريده أن يرى حقيقة الحياة في نظرة طفل في مثل سنه يعلم علم اليقين أن كسرة الخبز تساوي شقاء يوم بأكمله, تريده أن يتعرف الظلم والقهر, أن يرى الكد يلتصق بالناس التصاق البراغيث, أن يشهد الدموع الحارة النابعة من قلوب عصرها العجز, تريده أن يرى الفقر المدقع كما رأى الغنى الفاحش, أن يعرف أن قميصا من قمصانه كفيل بإدخال طفل لمدرسة ضل سنوات يرقب أصدقاءه يتوالون على أبوابها بينما هو يكتفي بنظرة يودعهم بها ليمضي لكسب قوت يومه, توده أن يعرف أن مصروفه الشهري كفيل بزرع نبض الحياة في طفل يئست أمه من استجداء المحسنين لدفع تكاليف عمليته, توده أن يعرف أن الحياة ليست ما يراه في بيت أبيه فقط, بل الكثير الكثير مما لم يخطر على بال أحد من عائلته يوما. لطالما حاولت تغيير نظرة عائلة زوجها للحياة, لكن أنى لابنة الميتم التي تجهل أدنى فنون الإتيكيت أن تغير عادات عائلة ضاربة شجرتها في التاريخ, فقد كان دخولها شجرة العائلة بعد حرب خاضها وحيدهم المدلل, وبعد زواجها كان لابد أن تعيش حربا خرجت منها منتصرة تأبى يوما أن تغير لباسها وتفكيرها ونمط حياتها, رغم أن معاملة أهل زوجها لم تكن يوما غاية في السوء, لكنها لم تستطع بالمقابل اختراق حاجز الغربة. والآن هم يعتبرون ابنها إرثهم الخاص من وحيدهم المدلل, وهي تعتبره كنزها الخاص, وأمام تجاذبهم تخشى أن يكسر قلب الصبي, وتخشى أن يضيع بين دوامات الغنى, وتخشى أن يضمر في قلبه حقد أحد الطرفين (هي أو جديه) أو ربما هما معا, تخنقها الهواجس, وتتلاطمها الأفكار, لكنها تأبى إلا أن تريه الحياة على حقيقتها, وتعلمه تقدير النعمة, لا تريده أبدا نسخة عن أبيه, صحيح أنه كان أرق رجل في الكون, صحيح أنه كان متواضعا إلى الحد الذي لم يتبادر يوم إلى ذهنه أن هناك فرق بين ابنة الميتم وابن القصر, صحيح أنه كان يملك قلبا يفيض بحنان الكون, صحيح أنه وأنه وأنه....., لكنها كانت تريده أن يعرف أن سيارته التي تغير كل شهر, وبدله التي تفصل كل أسبوع, وهاتفه الذي لا يفتأ يسابق التقنية, وساعته وعطره وأحذيته..... كانت كفيلة بتغيير مستقبل عائلات بعدد شعر رأسه, كانت توده أن يخرج ليمسح دمع الأيتام في الشارع, أن يحمل يوما إحدى بدله التي تكب في ملقى النفايات قبل إتمام سنة من حياكتها لأحد الطلاب الذي لربما اشتغل شهورا بالليل ليوفر ثمن بدلة لمقابلة العمل, كانت توده لو يحمل قطعة لحم من على مائدته ليقدمها بيديه لأرملة لم يتعرف أبناؤها بعد طعم اللحم.... كانت تريد وتريد, لكن المنية أرادت واختطفته من بين يديها قبل أن تتم ما عقدت عليه العزم. توقفت فجأة ورمقت صغيرها بنظرة حماس ملتهب وجثت على ركبتيها وحدثته كمن اهتدى سبيل الرشد بعد غي طويل:"بني, لن أسمح لأحد يوما أن يجعل منك دمية تتقاذفها الأموال, المال نعمة من الله قسمها على عباده, أنت اليوم غني, ومن الممكن أن تصبح غدا أفقر الناس, فلا تجعل المال كل همك, واعلم أنه ما من درهم تنفقه في سبيل الله إلا عوضك الله عنه أضعافا وأضعاف, هناك من أقرانك من لا يستطيعون يوما أن يحلموا بطعم الحلوى, ومن الناس من لا يستطيعون يوما إقفال عيونهم من الألم, ومن الناس من لا يستطيعون يوما الفرح, وأنت تملك كل هذا فلا تبخل بتوزيعه على الناس" وعلت محياها بسمة حب واثقة ثم استرسلت "أتعدني بذلك؟", وأومأ برأسه "للتأكيد" وفي عينيه دوامة مشاعر مبهمة لم يعرف لها معنى من قبل, لكنه ابتسم لكونه أحس بشيء كبير تدفق بين شرايينه وإن لم يفهم حرفا مما لاكته أمه. شدت على يده بحزم وشد هو باليد الأخرى على كيس الحلوى وخطيا معا أول خطوة في مشوار وعدهما, ودخلا مستشفى سرطان الأطفال.

   


  • 7

  • Souad Oubidane
    عبدي اذكرك وتنساني؛استرك ولا ترعاني....؛ وعزتي وجلالي لو امرت الارض لابتلعتك في بطنها...؛ ولو امرت البحار لاغرقتك في معينها.....؛ ولكن اجلتك لوقت قد وقته.....؛ واجل قد حددته....؛ فلا بد من الورود علي...؛ والوقوف بين يدي...؛ احص ...
   نشر في 13 أبريل 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

التعليقات

و لذلك قال أحدهم في حقها : لن أسميك امرأة .. سأسميك كلّ شيء . شكرا للمقال الرائع .
0

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا