نحن والسياسة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

نحن والسياسة

معاناة مجموعة

  نشر في 28 ديسمبر 2015  وآخر تعديل بتاريخ 01 فبراير 2016 .

تأسست الدولة الموريتانية أول ما تأسست على إبعاد مشائخ الطرق عن الشأن العام وذلك اجتهاد اقتضته مصلحة عامة حسب رأي البعض ،مؤداها أن قيام الدولة بسلطانها الجمعي المهيمن يستلزم توهين ما ينافسها من قوى تقليدية نافذة سواء كانت بقايا إمارات أو مشيخات دينية.

وركبت منهجيات وآليات الإدارة الموريتانية على هذا الأساس ،عكسا لما هو واقع في السنغال المجاورة ،حيث يتمتع المشائخ بمكانة عرفية في الإدارة تخولهم حمل جوازات السفر الديبلوماسية والمرور بالصالات الرسمية ومزايا أخرى.وساعد في تجذر هذا الإقصاء أن الصوفيين أصلا بعيدون عن بلاط السياسة التي كانت ذلك التاريخ ،تفهم على أنها نمط من "معاملة النصارى" لا على أنها "الانتصاب لخدمة الغير والسير في مصالح المسلمين وتديير الشأن العام، والتماس المصالح لهم ودفع المفاسد عنهم، سواء كانت المصالح المذكورة قد نص عليها الشارع أم احتاجت لاجتهاد وإعمال للعقل من أجل استخراج ما يلزم".

كان صوفيتنا وهم في نفس الوقت علماؤنا أيضا إذ أن علماءنا هم ما بين قادري الطريقة أو شاذليها أو تيجانيها ،هاربين بدينهم يمسكون بالغداة والعشي سبحات يذكرون الله بها منعزلين في زوايا يعيشون على حلائبهم ومزارعهم.

وعامل الرئيس الراحل المختار ولد داداه رحمه الله ،المشائخ بمقتضى الحال مع الاحترام الشديد ومع التجلة لكنهم ظلوا في عزلتهم رغم أنه أدخل بعضا من أطرهم في حكوماته الأخيرة ضمن توازنات اقتضتها تقوية الجبهة الداخلية في ظرف كان عصيبا.

وأذكر أن الإدارة كانت بعد وصول العسكر للسلطة عام 1978م،تعامل المشائخ في منطقتنا ( أرض العقيلات)،بطريقة سيارات الإطفاء فمتى احتيج إليها استدعيت ومتى لم يحتج إليها تنوسيت.

ثم كان أن انكب الجميع مستهل التسعينيات في أتون الحزب الجمهوري الذي شكل على مدى عقدين ،مركز استقطاب سياسي لا يمكن الشذوذ عنه بحال من الأحوال.

وكانت الدولة تعامل القرى الصوفية المحتاجة لخدمات الصحة والتعليم وماء الشرب،بحسب درجة الولاء للنظام فالخدمات تمنح للموالي ويحرم منها المعارض وتقارير الاستخبارات التييقيمة للولاءات والمعارضات تعرض يوميا على الرئيس، والمشاكل تحل حسب اسطرلاب السياسة.

وطبيعي خلال هذه الفترة أن تختلط المفاهيم وتتقاطع المصالح ويتناقص مدى الرؤية لحدوده الدنيا.

وكان في الجماعات الصوفية التي تغيرت قياداتها على مراحل متقاربة ،معارضون منكتمون لا يرضون عن الولاء الأعمى لأنظمة تكبت الحريات ولا تنزل الناس ،هناك،منازلهم.

غير أن ذلك النفس المعارض بقي مكبوتا بعوامل عدة أهمها توازن قائم على الضغوط ذات الأساليب المختلفة وعدم الاستهداف.

ومن مظاهر تلك المعارضة الكامنة أن مشائخ زاروا بصورة علنية وبروح صادقة ،تحت عدسة الاستخبارات ،جماعة الإسلاميين عندما سجنها نظام الرئيس معاوية رغم وجود خلافات غائرة زمانئذ وإن هي قد تجوزت اليوم ،بين أهل الطريقة وأحد علماء الجماعة المذكورة .

هكذا كانت الأمور إلى أن جاء انقلاب 2005م ليشكل بداية جديدة للجميع ،روجعت فيها الحسابات وحددت فيها الغايات وتغيرت التموقعات بعد أن أزيح النظام الذي كان يخوف الجميع والذي كان الناس يوالونه اختيارا أو اضطرارا.

خلال الفترة الانتقالية خف الضغط كثيرا ووجدت المعارضة الكامنة مجالا واسعا للتنفيس عن دخائلها ،فقد توزع سياسيو القرى الصوفية بين الأحزاب وبين المترشحين لانتخابات 2007م مع أن الغالبية منهم كانت لاعتبارات كثيرة ،إلى جانب الرئيس سيدي ولد الشيخ عبد الله.

إلا أن انقلاب اغسطس 2008 أعاد الأمور في موريتانيا كلها لما كانت عليه في عهد الرئيس معاوية مع فروق بسيطة.

وكانت الأمور ستعود أيضا على مستوى قرانا لنفس الفترة لولا أن النظام العسكري استهدفها بصلافة وبدون تمحيص للمواقف.

فبعد الانقلاب وضع الجنرال عزيز الجميع في سلة واحدة على أساس أن قرى المنطقة علوية ومعارضة للنظام العسكري وأنها موالية للرئيس المنتخب الذي أطيح به ،فعزل أطرها وبينهم من لم يكن من مساندي الرئيس سيدي كما أن من بينهم من كان مستعدا لتفهم دواعي الانقلاب وبينهم فنيون لا يعرفون سوى تخصصاتهم.

والغريب أن القرى قابلت هذا الاستهداف بأريحية الصوفي المسالم فدفعت بالتي أحسن السيئة فلم تغب القرى عن أي من زيارات ولد عبد العزيز للترارزة ولم تتخلف عن أي من مهرجانات حزب الاتحاد بل إنها كانت تتسابق لحضور اجتماعات بسيطة في المقاطعة.

رغم كل هذه الجهود لم تجد القرى التي دفعت بالتي أحسن السيئة ،من كانت بينه وبينها عداوة ،وليا حميما ،فلم يصحح النظام وجهته ولا مواقفه.

من هنا انتبه المهتمون وعلموا أنهم يطاردون خيط دخان وأن ولد عبد العزيز لا يقرأ الرسائل السياسية لأنه تربى في مدرسة الأوامر بمادتها الوحيدة "الرئيس دائما معه الحق، وإن لم يكن معه الحق فإن الحق معه".

ومقابل هذا الإهمال الذي أبلغ به الرئيس مرات عدة ،سجل عدد كبير من سكان القرى "الذاكرين الله كثيرا والذاكرات" أول موقف تاريخي في انتخابات يوليو 2009م حيث لم يصوت (حسبما أكد لي أحد المقربين من الرئيس نقلا عن الرئيس نفسه)،للمنتخب الجنرال محمد ولد عبد العزيز سوى عدد لا يقارن بمن لم يصوت له،وخالف المريدون ضغوطا وتعليمات.

كانت انتخابات 2009م الأساس الذي اعتمده النظام الجديد في تحديد الولاءات ولعله لا زال يعتمده لحد الساعة رغم أنه اقتراع جرى في ظرفية خاصة جدا؛وكان اللازم لنظام يريد أن يستقر ،أن يقرب المبتعدين عنه بدل مواجهتهم بالانتقام وبسياسة العصا الغليظة.

لقد شكلت هذه الانتخابات طلاقا نهائيا مع الرئيس ولد عبد العزيز وتأكد من كانوا يختبرون قدراته القيادية أنه لا يملك "شعرة معاوية".

لكن الجديد في هذا المنعطف هو أن اتجاها كبيرا معارضا لنظام ولد عبد العزيز قد نشأ هنا وهناك نشأة سريعة مدفوعا بالعوامل التي ذكرنا وبتأثيرات انقلاب 2008م،وبعوامل الانتصار للديموقراطية ولأخ في الطريق انتخب فأبلى وظلم فصبر.

وسادت بعد كل هذا قناعة بضروة إعادة النظر في المصالح وفي سياسة "الصك الأبيض".

ومن هنا بدأ التفكير في طريقة لدخول معمعان الشأن العام الذي كان مهملا لعقود طويلة ،فجرت مشاورات دامت أشهرا بين مجموعة من الأطر بعيدا عن الزعامات الدينية والتقليدية التي كانت تفضل التعامل مع السلطة والصبر على إكراهات المتغلب.

وتأكد الأطر أن دخول المعترك أصبح فرض عين بعد أن أحدث النظام الحالي بتصرفاته واستهدافاته خللا في التوازن السياسي الذي كان الأساس في عقد المهادنة بين الطرفين.

واتفق الجميع على أنه من العار أن تبقى هذه الجماعة الصالحة شاة بفيفاء لك ولأخيك وللذئب ،شاة تتبادلها الأنظمة كل حسب طريقته،صماء بكماء عمياء لا تعقل.

واتفق المتشاورون وهم بحمد الله كثيرون ،على أن يتركوا المشائخ في مواقعهم العليا كمرجعيات دينية للجميع وأن يسعى الأطر لدخول مجال الشأن العام ،فليدخلوه إن شاء الله آمنين.

والأهم أن البعض قد تأكد أن التصوف في صورته السنية يزاوج بين مفهوم الرباط الروحي التربوي' ومفهوم 'الرباط السياسي' الذي هو الانخراط في هموم الأمة وحماية الثغور والسير في مصالح الخلق والوطن.



   نشر في 28 ديسمبر 2015  وآخر تعديل بتاريخ 01 فبراير 2016 .

التعليقات

مقال جيد، بورك فيك
0

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا