" زيارة العجوز " بعصا العجز والانتقام - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

" زيارة العجوز " بعصا العجز والانتقام

أمل ممدوح

  نشر في 03 مارس 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

بعصاها جاءت تركل كل شيء .. وبثروتها وجواهرها الخاطفة البريق جاءت تخضع الجميع ..وبعينيها المشتعلتين أشعلت البلدة التي جاءتها زائرة بعد أربعين سنة .. إنها "كلارا فيشر" أو "كلارا تساخاناسيان" نسبة إلى زوجها الأول و"كلير" بالصيغة الفرنسية حيث أمضت زمنا في فرنسا ، تعود لبلدتها جوللين (على الحدود الألمانية السويسرية) في زيارة للانتقام ..هي " زيارة السيدة العجوز " المسرحية الأشهر والأعظم للمؤلف والكاتب المسرحي السويسري فريدريش دورينمات( 1921 – 1990 ) أبرز كتاب الألمانية والذي تنتمي معظم مسرحياته إلى جنس التراجيكوميدي الهزلي المأساوي ، قامت بعرض المسرحية مؤخرا على مسرح ساقية الصاوي فرقة "إينجما" التي يعد هذا عرضها الثالث ..المسرحية من إعداد وسينوغرافيا وإخراج مؤمن كمال وديكور محمود محيي .

يبدأ العرض بمقدمة بطريقة ( الأفان تتر ) في مشهد يختزل قصته ويعد تمهيدا مشوقا فنرى "كلارا" في مستوى أعلى بخلفية المسرح واقفة بظهرها تتوكأ على عصاها بجوار صليب كبير فوق قبر لتبدأ قائلة "الإنسانية يا سادة خلقت لخزائن أصحاب الملايين" ليدخل " آل " يقتاده اثنان فيصوبان مسدسيهما لرأسه ثم إظلام تبدأ بعده أحداث المسرحية بانتظارعمدة وأهالي جوللين لوصول السيدة "كلارا فيشر" صاحبة المليارات كما كتب على إحدى اللافتات التي يحملونها ، يجهزون خطبة استقبالها فنعرف أن البلدة تمر بأزمة اقتصادية وتضع أملها في زيارة هذه السيدة التي تعود ثرية بعد غياب طويل .. فتصل محمولة على هودج مرتدية أفخر الثياب والمجوهرات وتبدأ خطبة الترحيب لتقطعها فتخبرهم بوضوح أنها ستدفع لهم مليارا شرط أن تشتري بها العدالة بقتلهم حبيبها السابق " آل ".. ليسود الارتباك والدهشة الجميع ويرفض العمدة العرض حفاظا على المبادىء الأوروبية ..لكنه يلتف لتنفيذ طلبها بدفع "آل" للتخلص من نفسه بحجة التطهر، ويضع بريق المال ووطأة الاحتياج الجميع شيئا فشيئا في مواجهة مع أنفسهم ومبادئهم التي تتحول في كثير من الأحيان حتى أن " ماتيلدا " زوجة " آل" التي تغار من "كلارا" تبدأ في مداهنتها ، تنكشف تدريجيا الحقائق لنعرف أن " كلارا " أنجبت من " آل " طفلا أخذ منها ثم مات مريضا بعيدا عنها فقد لفق "آل " شهودا يدينوا سلوكها هما " كوبي "و"لوبي" التوأمان الملتصقان اللذان يرددان الكلام معا ..فعثرت عليهما كلارا وأعمتهما وأخصتهما ثم استخدمتهما بمالها ليشهدا بما حدث ضمن ما يشبه محاكمة أقامتها بواسطة قاضي قضيتها القديم الذي اجتذبته بالمال ليصبح مدير أعمالها لينشر حقيقة آل وحقيقة هذا المجتمع الذي تورط معه ،وتمضي الأحداث فينهار "آل "خوفا من توقع قتل الناس له ويشعر بالذنب لما فعل محاولا استرضاءها ..لكنها في غير وعي تخنقه حتى الموت ثم تلقي بشيك المليارعلى الأرض للعمدة ليختتم العرض بمشهد ختامي بأسلوب مشهد البداية نرى فيه "آل " ينهض فيحادثها كمحب ويناديها بساحرتي الصغيرة متمنيا لو يعود بهما الزمان ..فتعود إنسانة بضعف طبيعي تسأله : " لم فعلت بي هذا يا آل ؟ "لتسقط عصاها وتسقط معها مفارقةً الحياة .

المسرحية من جنس التراجيوكوميدي حيث تمتزج الكوميديا بالمأساة ويولد الضحك البكاء ، كتبت عام 1956 في السنوات التي تلت الحرب العالمية الثانية فعكست آثارها النفسية من التشوه والانكسار النفسي ونمو سطوة رأس المال الذي يسير الناس قطعانا في ازدواجية تجعلهم يقتلون لأجل المال شخصا منهم بحجة العدالة وإن كانوا كلهم ذلك الرجل .. فبدت " كلارا " بثرائها المفاجىء بصورة البطل التراجيدي التي تتعلق به أحلام الجميع فيصارع قدر الفقر المفاجىء أيضا للبلدة وينفذ انتقام العدالة الذي يراه ، تسمح لآل بالاقتراب وتخرج معه لكنها تتعمد إذلاله وإفساد لحظات غزله والسخرية منه بالإشارة إلى أجزائها الصناعية ، هي أقرب لشخصية مستحيلة تفعل ما تقرروتغير فوريا سلوك الناس . ويظهر استخدام أسلوب "الجروتسك " grotesque الذي يعتمد على التشويه أو التضخيم الساخر من خلال فكرة أجزائها الصناعية التي شوهتها الحوادث فأصبحت متكسرة مميكنة كآلة حتى جملها قصيرة منفصلة حاسمة في تماه مع هذه الفترة الزمنية ، النص عميق مليء بالدلالات لكن تبقى كلارا الشخصية المحورية والتي أشعلها الغضب فعاشت لتنتقم " أصبحتُ كالجحيم ".. مشتعلة في كل شيء ..عيناها ..ثيابها ..مجوهراتها ..تلتهم الحياة بنهم هستيري احتقارا لها وتعويضا عن حرمان صارخ .. بدلت الأزواج حتى الزوج السابع من مهن وأعمار وطبقات مختلفة ومازالت تبدل..فروحها لم تعد تعرف الاستقرار .. جامدة خارج المشاعر البشرية ،هي صادقة تكره الخداع حتى شرطها ألقته بوضوح قطعت به خطبة تملق البلدة ..محسنة كانت وتدافع عن الحق والعدالة لحد التطرف ، أما آل فيزداد ضعفا وخضوعا بقوتها فلا يثنيها ضعفه أوحبه عما تريد فقد قررت كما تقرر الآلهة ، يتآكل خوفا من القتل كل لحظة فقد صارقربان بلدته للثروة " الرخاء يحتاج لمثلي " ، أما المعلم والطبيب والقس فيدركون حقيقة المشهد واستغلالها لهم وقبح الجريمة التي تجري لكنهم لا يستطيعون شيئا .. ونرى القسيس الممثل لسلطة الدين ضعيفا ..فقط يطلب من " آل " أن يهرب ..وينهار أرضا متألما من ضعفه ، أما المعلم المدرك تماما للحقيقة فيلجأ للسكر وتغييب عقله المتعب وكذلك يخضع الطبيب الصارم ليعلن موت " آل " المقتول بسكتة قلبية لتعلن بعده الصحافة بدورها موته من الفرح .

الاعتماد على نص أدبي بهذه القيمة يعد في حد ذاته دعامة نجاح لكن التصدي له أيضا ليس سهلا ، وقد التزم العرض بالنص الأصلي في غالبية أجزائه لكن النهاية جاءت أكثر رومانسية تكشف ضعفها وحبها فقد عاشت للحظة الثأر وحين أدركتها تحرر ضعفها ومعه روحها العاشقة المعذبة، ومن أجمل أجزاء الحوار الذي يعد من نقاط القوة والجمال حديث كلارا عن طفلها وكذلك كلماتها وهي تخنق آل " حبي لم يستطع الموت ولم يستطع الحياة ..تحول إلى شيء شرير مثلي تماما ....إن حياتك ملكي إلى الأبد " .

أضفت الموسيقى واستخدام الفيولين بصوته الحزين عمقا وإحساسا في كثير من المشاهد وخاصة في استعانتها بأجزاء من موسيقى " أوبريت الأرملة الطروب " للموسيقار النمساوي فرانز ليهار والذي ورد حب كلارا له فبطله يحب أرملة ثرية في صمت حيث يمنعه ثراؤها من الإفصاح عن حبه وهو نقيض ما عانته كلارا من حبيبها ، أما الديكور الثابت طوال العرض فكان معبرا دراميا في مكونات تصميمه وإن كان تنفيذه يفتقر الجاذبية ،وقد أجيد استخدام المستويات في التعبير الدرامي كمشهد وقوف كلارا في المستوى الأعلى قائلة " إن العالم ملكي " بينما يتودد لها آل في المستوى الأسفل ، في الخلفية الأعلى مستوى في المنتصف شكل ضريح بجواره صليب كبير متعدد الدلالات فيدل على قبركما يدل على السلطة الدينية حين يقف بجواره القسيس بضعف .. وعلى سطوة القدر الذي تمثله كلارا بوقوفها بقوة بجواره، وعلى اليمين وكإشارة لآفات وتدني النفس الإنسانية نجد مرحاضا عموميا ينبهنا له السياق لا التصميم.. أما اليسار ففيه مجسما تشكيليا لنبتة بخطوط حمراء وزرقاء بلا مبالاة تضفي مزيدا من القبح المقصود . وأجيد استخدام الإضاءة سواء في مونولوجات كلارا الانتقامية أو في مشهد خنقها لآل والذي جاءت فيه الإضاءات متضادة متتالية غير مندمجة تبين تناقضات وحدّة مشاعرها ومراحلها ، وخلا العرض إلا من شخصيتين نسائيتين مما يدعم الإشارة لذكورية هذا المجتمع ، أما الجانب الكوميدي فتركز في شخصية هزلية يرتكز عليها وهي شخصية المواطن مقطع الملابس والتي أداها الممثل مصطفى أمين بشكل باهت خال من التعبير يضيع فرص التفاعل والكوميديا ،وجاء أداء كاميليا الجوهري بطلة العرض ليطغى بقوته فرغم صعوبة الدور وتعقيداته النفسية فقد أمسكت بالشخصية في تعبيراتها ومرحلتها العمرية وانفعالاتها الدخلية وكان لعينيها المتقدتين دائما قوة في إطلالة أعماق كلارا ليجيء مشهد النهاية يتوج تألقها بضعفها وتعبيرها الصوتي ..إلا أنها كانت تحتاج أن يظهرها الماكياج أكبر من ذلك ، وأدى الممثل عمرو حداد دور المعلم بعمق أضاف للدور مع لغة عربية سليمة ..أما القس " أحمد فاخر " فأعطانا إحساس الضعف الفعلي المناسب للدور .

سبق العرض كلمة للمخرج " إن الحرية تتعرض للخطر حين تتعرض المحبة للخطر" .. وهي نظرة رومانسية قيمة نجح العرض في صياغتها .. مع بقاء الزيارة إنذار صارخ لغياب العدالة الاجتماعية حين تتحول إلى عدالة فردية تحققها الأهواء فتعصف بالمجتمع كله حتى يتآكل حيا .


  • 3

   نشر في 03 مارس 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

التعليقات

إطلاللة ممتعة من خلال الجدار الرابع على تجربة من تجارب الحياة .. شكرا للقلم النابض .
0
أمل ممدوح
أشكرك جدا وأشكر متابعتك

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا