سرقةٌ موصُوفة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

سرقةٌ موصُوفة

  نشر في 19 مارس 2016  وآخر تعديل بتاريخ 18 نونبر 2016 .

رحتُ أجري وأجري لاهثاً في زقاق المدينة الضيق، أنظرُ تارة ورائي وأحياناً أخرى من حولي، كانت رئتاي تحترقان وصدري يعلو ويهبط، توقفتُ قليلا وأسندتُ ظهري لحائط بدا لي بعد ذلك أنه آيل للسقوط، ثم تابعتُ الجري مواصلاً.. هل أنا ملاحق؟ أم أحاول اللاحق بشيء ما؟ بكلمات لا أتذكرها كنتُ أصرخُ بأعلى ما في صوتي باتجاه المارة والباعة المتواجدين بالممرات التي سلكتُها علهم يفسحون لي شيء من المجال، مررتُ بدروب وبيوت خيم عليها سباتٌ عميق، كأنها هجرت منذُ زمن بعيد، وفجأة وجدتُني في سوق مليء بالحركة والحيوية .. أظنني أعرف هذا المكان !! إنهُ مألوفٌ جدا !! أشخاصٌ يتحركون بشكل غريب كأنهم يرقصون..لكن على نغمات غير مفهومة، أوقفتُ شخصاً أسأله عن شيء .. رمقني ساهماً بنظرة حادة..لم يجبني وسار مبتعداً، حاولتُ بعدها مع كل من صادفته عيناي لكن من دون جدوى، كأنني أتحدثُ بلغة لا يفهمونها .. أو لا أحد يود محادثتي، فجأةً تمسكتني رعشةٌ ثم سرت في كل أطرافي، أدرتُ وجهي فإذا بها واقفةٌ في الجانب الآخر المقابل لي لا يفرقني عنها إلاّ بضعٌ من الباعة ورواد السوق، في البداية لم يكن وجهها مألوفاً جدا أو ربما لم يظهر لي بكامل تفاصيله، بدأ قلبي يخفق بشدة رهيبة لم أعهدها من قبل، ثم بعد ذلك بدأ وجهها يظهرُ على نحو باهت، كما لو كان من وراء حجاب، ثم بدأ ينكشف أكثر فأكثر، وبعدها بدأ يتضحُ جلياً، برز أخيراً أمام عيناي مشهد ؛ فتاةٌ ذاتُ شعر كستنائي مائل لغُروب الشّمس، نحيلةٌ بعض الشيء، تظهرُ بلباس أبيض حريري كضوء قمر اخترق كوة النافذة، التفَ حول كتفيها شالٌ أحمر مطرز، كانت حركاتها بطيئة متوازنة كأنها ترقص على ألحان صوفية، غير أن شيئاً من سيماء وجهها بدا لي وكأن له سابق عهد بمخيلتي، لكن كلما اقتربتُ منها كانت تبتعدُ أكثر، كانت كسراب في الصحراء يحسبهُ الظمآن ماء.. أردت أن أعود أدراجي.. لكني لم أعرف كيف أهتدي إلى ذلك فقد تسمّرت ذراعاي و ساقاي، بل وجسمي كله، استولى علي رعبٌ شديد وسرت طاقة غريبةٌ في أوصالي .. بل أنكى ما في الأمر أنني كنتُ كالذي دخل في حقل من الرمال المتحركة، كلما نازع أو حاول التّقدم أو التراجع زاد في التوغل أكثر.. ثم بعد دقيقتين من الصّمت الرّهيب.. أحسستُ بهالتها قريبة جداً مني .. وما إن مددتُ عيناي حتى رأيتها منتصبة أمامي.. دنتْ مني كثيراً حتّى رأيتُ الخطوط الذّهبية في عينيها القُرمزيتين وغمرني بعد ذلك إحساسٌ رهيب، ثم بصوت متأثر كجرس مخملي، يكادُ يكون همساً قالت : ماذا تريد!! وزمّت شفتيها بحزن كأنها كانت تريدُ أن تضيف شيئاً، إما لم تستطع أن تقوله أو أنها لم تشأ.. تمتمتُ بصوت رخيم بكلمات حتى أنا لم أسمعها، كانت شفتاي ترتعشان في تلك اللحظة مثلما ترتعشُ شفتا العطشان حين ملامسة حافة الكأس.. وابتعدتْ بعدها وراحت تتمايلُ كأجنحة الشحرور .. لم أستطع أن أدعها ترحلُ دون أن أنبس ببنت شفة.. صرختُ بصوت مرتعش كصغير فطم عن أمه أو كالنيب تحن إلى فصالها .. هاااي أنت هناك ... توقفي ! أين تذهبين ؟ أرجوك تمهلي !! أرجوك ... وبدأتُ أبكي إلى أن استيقظتُ على صوت مزعج، وعندما فتحتُ عيناي المغرورقتين بالدموع أدركتُ أنني كنتُ أحلم، وقد تركتُ باب الغرفة مفتوحاً قبل نومي وإذ بقطة صغيرة ولجتْ إلى داخلها .. وبعدها يبدو أن والدتي أغلقت الباب ولم تدري بأمر القطة المسكينة... فظلت تخدشُ الباب بشكل مسعور حتى حين استيقاظي .. هرعتُ متثاقلاً من فراشي وفتحت الباب لها ثم هربتْ مسرعة .. رجعتُ إلى السّرير بعدها لكني شعرتُ بانقباض في صدري كما لو أن الأُكسجين قد نفذ من الغرفة، فارتميت إلى النافدة لعلي أتزود بالهواء من الخارج.. كان البدرُ تلك الليلة مكتملاً متلألئاً يشبهُ لؤلؤةً معلقةً في السماء ، لم تخف شدةُ ضربات قلبي أو ارتعاش كامل جسمي، شردتُ لفترة طويلة بعد الحلم الغريب ثم اجتاحت قلبي بعد ذلك كآبة جارحة، وبقيتُ أردد تلك الجملة الوحيدة التي تلفظت بها تلك الفتاة في الحلم، وأدقّق وأصور لكل مقطع منه معنى، أحاول أن أعطي لكل معني حقيقة معينة.. أرتبُ المشاهد الواحد تلو الآخر حتى وصلتُ إلى وجه الفتاة وتقاسيمه.. نعم الفتاة !! أعرفها .. وأعرفها جيداً !! فهي التي عذبتني في أحلامي طوال سنين مضت ولاتزال، وهي التي تعذبني في يقظتي أيضاً وهي أرقى أحلامي.

طوال السنين الأخيرة يراودني هذا الحلم، كانت تختلف في بعض الأحيان الأماكنُ والأحداثُ والأشخاص وتختلف بدايتهُ كل مرة، وفي أحيان أخرى النهايةُ أيضاً.. وبعد انتهاء الحلم يتحصلُ لدي انطباعٌ أنه يرافقني في يقظتي أيضاً .. فتغمرني موجةٌ من الحزن المفاجئ، لا أعرف سببها، أو ربما أعرف.. لكن لا أدري.. لا أدري لماذا يعترني شعورٌ بالوحدة والغربة والفراغ الداخلي، وينعزلُ في دواخلي كالمرض العُضال ويزدادُ في الاتساع يوماً بعد يوم ويظلُ يرافقني أينما حللتُ وارتحلت، فتاةٌ تجيئني في الأحلام، كلما اقتربتُ منها تهرب.. ولا تقول شيئاً غير كلمة واحدة ''ماذا تريد؟'' فينتهي الحلم وأستيقظ.. كأنها لا تعرف ماذا أريدُ حقاً!! ..كيف تذهبين بعد أن حملتِ معك كل سعادتي؟..لا أريدُ شيئاً غيرك أنتِ.. ولستُ أطلبُ من الدنيا غيركِ.. ولا أريدُ أن أحيا دونكِ.. وحتى لو أنك رفضتني سأعشق الألم الذي يأتيني من فراقكِ.. لم أحاول تفسير الحلم أبداً.. ليس لعدم إيماني بذلك لكني أخاف أن يفسر بمعناً لا يروقني فيزيد ذلك من تعميق الجرح.. جرحٌ لم يندمل من أيام الجامعة.. قصةٌ يبدو أنه لم يكتب لها أن توجد أصلاً، حبٌ ولد بعملية قيصرية ولم تكتب له الحياة فمات من حينه، انقضت تلك الأيامُ ومر زمن ليس بالهيّن، لكن الألم لايزال ذاته والمعاناة نفسها.. صعبٌ جداً أن يُسرقَ منك قلبكَ النابضُ بالحياة، ويسألكَ سارقهُ أن تعيش من دونه... ما قول الأطباء في ذلك ؟ هل يمكن ؟ وما قول سادة الدين في من يسرق القُلوب هكذا دون أن يقام عليه الحد..هل يجوز؟!...


  • 1

   نشر في 19 مارس 2016  وآخر تعديل بتاريخ 18 نونبر 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا