الأسوأ لم يأت بعد... الحرب وتأثيرها على الاقتصاد المصري وسد النهضة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الأسوأ لم يأت بعد... الحرب وتأثيرها على الاقتصاد المصري وسد النهضة

تبسيط الوضع الاقتصادي لغير المتخصصين

  نشر في 07 مارس 2022  وآخر تعديل بتاريخ 27 مارس 2022 .

أصبحت الحرب الروسية الأوكرانية حديث الساعة الأيام الماضية حول العالم مع الكثير من التكهنات عما إذا كانت مجرد حربًا خاطفة سريعة أم ستتحول إلى حربٍ عالمية ثالثة، بالإضافة إلى فهمنا للمشهد العالمي من المهم جِدًّا أن ندرك تأثير هذه الحرب على الاقتصاد والحياة اليومية للأفراد في مصر وهو ما نحاول عرضه بشكل بسيط يناسب غير المتخصصين في هذا المقال من خلال خمس نقاط.

أولاً- أزمة الثقة وعقيدة الهجوم من أجل الدفاع!

تشكلت أزمة الثقة بين روسيا والغرب على مدار القرون الماضية وذلك نتيجة مواقف تاريخية واضحة نستعرضها، فعلى سبيل المثال:

- الشعوب السلافية (روسيا، أوكرانيا، بيلاروسيا، وآخرين) تم اجتياحهم من قِبل المغول والتتار وقد كان اجتياحًا مدمرًا تسبب بتفرق تلك الشعوب وقتها وإعادة تجمع بعضهم في عاصمة جديدة سميت بـ "موسكو".

- غزو بولندا لروسيا، حيث كانت روسيا تعاني من الاضطرابات منذ وفاة القيصر فيودور الأول في عام 1598، وهو ما تسبب في حدوث عدم استقرار وصراع سياسي على الحكم بسبب عدم وجود خليفة من الأسرة الحاكمة بالإضافة إلى المجاعة الكبرى التي حدثت في روسيا بين عامي 1601 و1603 وقد استغلت بولندا تلك الظروف لغزو روسيا عام 1605.

- الغزو السويدي على روسيا، حملة قد شنها تشارلز الثاني عشر ملك السويد حيث قد بدأ الغزو في 1 يناير 1708 وانتهى فعليًا بهزيمة السويد في معركة "بولتافا" في 8 يوليو 1709 وعلي الرغم من ذلك إلا أن السويد قد استمرت في تشكيل تهديد عسكري لروسيا لعدة سنوات.

- الغزو الفرنسي على روسيا، في إطار الحرب الدائرة بين فرنسا وبريطانيا، سعي نابليون إلى غزو روسيا بهدف إجبار قيصر روسيا ألكسندر الأول وقف التجارة مع بريطانيا فقام بحملة لغزو روسيا عام 1812.

- أعلنت ألمانيا الحرب على روسيا في عام 1914 وذلك خلال أحداث الحرب العالمية الأولى.

- ثم عادت ألمانيا بإعلان الحرب مرة أخرى على روسيا خلال الحرب العالمية الثانية في العملية المعروفة " بارباروسا" وذلك عام 1941.

وبنظرة سريعة على كل تلك الأحداث فأنها قد شكلت درسًا مستفادًا للروس على مر العصور وهو أنهم دائمًا مستهدفون وأنه لا يمكنهم الثقة في الغرب ومن هنا تشكلت عقيدة "الهجوم من أجل الدفاع" في الوعي الجمعي الروسي. وعاد القلق الروسي في الظهور مؤخرًا بعد اقتراب الغرب ممثلا في حلف الناتو إلى حدوده من خلال عرض الولايات المتحدة لضم أوكرانيا إلى الحلف وهو ما يشكل تهديد مباشر على الأمن القومي الروسي وهو ما دفع روسيا إلى طلب تعهدًا مكتوبًا من حلف الناتو بعدم ضم الدول التي تقع على الحدود الروسية وقد رفض الحلف هذا الطلب وبُناء على ذلك قامت روسيا بشن الحرب الحالية على أوكرانيا.

ثانيًا- العلاقات المصرية الروسية الأوكرانية

العلاقة بين مصر وروسيا وأوكرانيا هي علاقة متشابكة معقدة حيث أن مصر تعتبر الشريك الأفريقي التجاري الأول لكل من روسيا وأوكرانيا، ومن ثم فإن تأثير هذا الصراع مُتشابك للغاية بالنسبة للاقتصاد المصري، فمثلًا تُعد روسيا هي المورد الأول للقمح إلى مصر حيث تصدرت روسيا قائمة أعلى عشر دول استوردت مصر منها القمح خلال الإحدى عشر شهرًا الأولى من عام 2021، حيث سجلت قيمة واردات مصر منها 1.2 مليار دولار بكمية بلغت 4.2 مليون طن بنسبة 69.4 % من إجمالي كمية واردات مصر من القمح. بينما أوكرانيا جاءت أوكرانيا في المرتبة الثانية بقيمة 649,4 مليون دولار، وبكمية 651,4 ألف طن بنسبة 10,7 % من إجمالي كمية واردات مصر من القمح.

ثالثًا- تأثير الحرب على الاقتصاد والأفراد في مصر من خلال المحاور الآتية:

- ارتفاع أسعار القمح

منذ بداية الحرب ارتفعت أسعار القمح عالميًا إلى أعلى مستوي لها منذ 9 أعوام وذلك بعدما وصلت إلى 9.26 دولار للبوشل (وحدة قياس تساوي 27.2 كيلوجرام). وتسيطر روسيا وأوكرانيا على 29 % من إجمالي تجارة القمح عالميًا، مع العلم أن مصر هي أكبر مستورد للقمح في العالم ومع ذلك نتوقع الا ترتفع أسعار الحبوب والقمح في السوق المحلي المصري كثيرًا وذلك بسبب اقتراب موعد موسم حصاد القمح المحلي في أبريل المقبل، بالإضافة إلى أن الحكومة المصرية أعلنت عن وجود احتياطٍ كافٍ من القمح لمدة تزيد عن 4 أشهر.

- ارتفاع أسعار البترول

ارتفعت أسعار البترول عالميًا خلال تعاملات نهاية الأسبوع الماضي بأكثر من 8 % ليتجاوز سعره 105 دولار وحاليًا قد تجاوز سعره 130 دولار لبرميل البترول وذلك لأول مرة منذ عام 2014 مما سينعكس على زيادة تكلفة استيراده على مصر وعلي الموازنة العامة للدولة في بند دعم المحروقات مما قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الوقود في الفترة المقبلة في السوق المحلي في مصر وهو ما يرتبط بطبيعة الحال بجميع سلاسل الإمداد والتموين ويؤثر على كافة السلع.

- ارتفاع أسعار الذهب

ارتفعت أيضا أسعار الذهب عيار 18 إلى 740 جنيها للجرام، وعيار 21 إلى 863 جنيها للجرام، وسعر الذهب عيار 24 إلى 986 جنيها للجرام. بالإضافة إلى زيادة سعر الجنيه الذهب أيضا إلى متوسط 6904 ويعتبر الذهب هو الملاذ الآمن للمستثمرين في فترة الأزمات. حيث قام المستثمرين بسحب استثماراتهم من أسواق المال ومن مختلف الاستثمارات ووضعها في الذهب لحفظ قيمة أموالهم وهو ما حدث بالفعل بعد بداية الحرب مباشرة.

- انخفاض حجم السياحة

تعد روسيا وأوكرانيا من أهم الدول للقطاع السياحي في مصر حيث وصلت أعداد السياح الروس في مصر 750 ألف سائح بحلول يونيو 2021 وذلك بعد عودة السياحة الروسية إلى طبيعتها منذ حادث الطائرة الروسية في عام 2015. كما أنه قد بلغت أعداد السياح الأوكرانيون 727 ألف سائح، وذلك بالإضافة إلي الانخفاض المتوقع لحجم السياحة عالميًا وبالتالي من المتوقع أن يتأثر قطاع السياحة في مصر بشكل مباشر.

- رفع أسعار الفائدة

مع زيادة التحديات الصعبة أمام الاقتصاد المصري مع موجة التضخم العالمية المتوقعة ونقص العملة الأجنبية بالإضافة إلى عجز الموازنة الناتج عن ارتفاع الأسعار عالميًا. من المتوقع أن يتجه البنك المركزي المصري إلى رفع أسعار الفائدة خلال عام 2022 لمواجهة التضخم خصوصا مع استمرار زيادة أسعار السلع عالميًا وتأثيرها المباشر على السوق المحلي وخاصة لأن السوق المصري غارق بالمنتجات المستوردة وهذا أمر كان من أسباب عديدة أخرى قد شكلت أزمة دفعت البنك المركزي المصري لإصدار قرارته الأخيرة بشأن الاستيراد كما شرحنا ذلك بالمقال السابق.

- زيادة الفرص أمام تصدير الغاز المصري

تعاني أوروبا من نقص الإمدادات من الغاز الروسي (حيث إنها تعتمد على روسيا بما يقارب 50 % من احتياجاتها من الغاز) ومع توقف الغاز الروسي عن التصدير إلى أوروبا بسبب الحرب هنا تظهر فرصة أمام مصر أن تقوم بسد العجز المتواجد بالأسواق العالمية وتصدير الغاز المصري إلي أوروبا وتحقيق مكاسب بالعملة الصعبة من الأزمة مما يعزز وضع الاقتصاد المصري أمام الأزمة العالمية المُقبلة.

رابعًا – الحرب الروسية الأوكرانية وسد النهضة

"تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم الأربعاء 2 مارس عام 2022 بأغلبية ساحقة قرار يطالب روسيا بالتوقف فورا عن استخدام القوة ضد أوكرانيا، وذلك بأغلبية أصوات موافقة 141 دولة، فيما عارضته 5 دول وامتنعت 35 دولة عن التصويت، من إجمالي 193 دولة عضوا بالأمم المتحدة". كان هذا جزءًا من البيان الصحفي الصادر بعد جلسة تصويت الأمم المتحدة، ولكن مع بعض البحث والتدقيق عن الدول التي صوتت ضد القرار تكتشف أن تلك الدول هي روسيا وبيلاروسيا وكوريا الشمالية وإريتريا وسوريا وهو أمر يمكن تفهمه لأنها كلها دول حليفة لروسيا أما الدول العربية التي امتنعت عن التصويت فهي العراق، الجزائر، السودان بينما الدول العربية المؤيدة للقرار الأردن والبحرين ومصر والإمارات وجيبوتي وجزر القمر والكويت ولبنان وليبيا وتونس وموريتانيا وسلطنة عمان وقطر والسعودية والصومال واليمن.

فما العلاقة بين ذلك وسد النهضة؟

يأتي تصويت مصر بالموافقة على مشروع قرار إدانة روسيا بالتدخل عسكريًا ضد أوكرانيا، إقرارًا مصريًا برفض الموقف الروسي بالتدخل عسكريًا لحماية الأمن القومي الروسي وهو أمرًا شبيه للغاية بالحالة المصرية مع سد النهضة الأثيوبي الذي يشكل تهديدًا على الأمن القومي المصري. وموقف مصر من هذا التصويت يقطع الطريق أمام أي فرصة لتدخل عسكري مصري لحماية مصالحها وأمنها القومي في قضية سد النهضة مما يؤدي إلى ضعف موقف المفاوض المصري بالإضافة إلى المزيد من التعنت الأثيوبي نتيجة يقينها أن أي تحرك عسكري مصري من السهل جدًا أن تتم أدانته دوليًا بالرجوع إلى التصويت المصري ضد روسيا. ويأتي ذلك مع تفهمنا الكامل للضغط الأمريكي والأوروبي الشديد على مصر للتصويت ضد روسيا وهو أمر بالغ الصعوبة أن تسبح مصر عكس التيار السياسي العالمي مما قد يعرضها لعقوبات أو ضغوط تزيد من حدة الأزمة الاقتصادية المُقبلة.

خامسًا- والخلاصة؟

تأتي الحرب الروسية الأوكرانية في وقت سيئ للغاية، العالم مُقبل على أزمة اقتصادية ضخمة يتوقع البعض أنها ستتجاوز أزمة 2008 ويتوقع بعض الخبراء أن الأزمة المُقبلة هي أزمة "ركود تضخمي" مما يجعل الوضع الاقتصادي في العالم على حافة الهاوية بعد أزمة كورونا بسلالتها المتعددة ثم تأتي الحرب الروسية الأوكرانية لتزيد الوضع سوءًا هذا على صعيد المشهد العالمي أما على الصعيد المحلي فإن مصر تواجه العديد من الصعوبات الاقتصادية والتي تزيد بطبيعة الحال من حده الأزمة القادمة، ثم تأتي الحرب الروسية الأوكرانية وتسبب ارتفاع أسعار الحبوب والقمح ومصر ضمن أكبر مستورديه عالميًا، وتقضي الحرب أيضا على السياحة الروسية والأوكرانية الوافدة إلى مصر وهي إحدى أهم مصادر العملة الصعبة من قطاع السياحة والتي عملت مصر جاهده على استعادتها بعد انقطاع دام فترة طويلة بسبب حادثة الطائرة الروسية وبعد أزمة كورونا. أي أن التحديات الاقتصادية داخل مصر صعبة للغاية وأتت الحرب لتجعل المهمة أكثر صعوبة..

مع العلم أننا في هذا المقال لسنا في صدد تقييم قرارات أو مواقف إذا كان صحيحة أم خاطئة، ولكننا نستعرض الدوافع والأسباب والآثار المتوقعة من وجهة نظر فنية حيادية ونحاول تبسيطها لغير المتخصصين محاولة منا لمساعدتهم على فهم الوضع الاقتصادي في مصر.



  • إسلام جهادالدين
    حاصل على درجة الماجستير في إدارة الأعمال. عمل مع العديد من مشروعات التنمية والتعاون الدولي وبرامج التمكين الاقتصادي والإصلاح الحكومي.
   نشر في 07 مارس 2022  وآخر تعديل بتاريخ 27 مارس 2022 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا