أوطاننا في حاجة إلى شعوب جديدة...فنحن العالة الأكبر عليها. - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

أوطاننا في حاجة إلى شعوب جديدة...فنحن العالة الأكبر عليها.

حتى في فشلنا نحن فاشلون فيه

  نشر في 21 يناير 2016  وآخر تعديل بتاريخ 01 فبراير 2016 .

لكي تعرف لماذا كل أمور حياتك سيئة داخل بلدك، أو تريد أن تعرف لماذا وطنك متخلف وفاشل في مختلف المناحي والأصعدة، فما عليك سوى البحث عن دورك فيه، وعن سلوكياتك وأفعالك داخله، بدء من سلوكياتك اتجاه محيطك القريب والأقرب، مرورا بسلوكياتك اتجاه الأشخاص والمجتمع، إلى سلوكياتك اتجاه كل الأشياء الأخرى فيه...، فحينئذ ستفهم النتائج التي تجنيها من عليه، وستفهم كذلك لماذا وضعك هو كذلك فيه، وبالتالي ستفهم لماذا هو فاشل أيضا في مختلف المجالات والقطاعات.

هناك دائما قاعدة معروفة في قانون الفيزياء "النيوتني"، وهي قاعدة "الفعل ورد الفعل"، أي أن لكل فعل رد فعل مساوٍ له في المقدار ومعاكس له في الاتجاه، هذا القانون ينطبق بحذافيره على سلوكياتنا وتصرفاتنا اتجاه كل الأشياء في حياتنا وفي كل من حولنا في، بدء من أكبرها أهمية وأشدها تأثيرا، وانتهاء بتلك الأشياء التي نرى فيها العناصر التافهة وحتى الأتفه منها فيها، فنحن نعيش في دوامة ووسط حلقة تشكل فيها جميع أفعالنا وسلوكياتنا الوقود المحرك لها وتكون نتائجها بقدر أعمالنا في تلك الحلقة.

بهذا فأكبر مشاكل وتحديات هذا الوطن، هم الأشخاص الذين يعيشون فيه، بمعنى آخر، نحن أكبر عالة على أوطاننا ولا أحد آخر غيرنا... فنحن دأبنا دائما على انتقاد هذا الوطن، ولا نتوانى عن توجيه سهام الاتهام عن الآخرين فيه وتحميلهم كامل المسؤولية لما يقع لنا أو يحدث من حولنا، لكن لا نتحلى أبدا بذلك القدر الكافي من الشجاعة والمروءة لنحمل تلك المسؤولية لأنفسنا أولا قبل أي أحد آخر.

فلنكن واضحين وصريحين مع ذواتنا قبل أن نكون كذلك مع الآخرين، نحن للأسف كأفراد وكشعوب، لم تنشئ لا على ثقافة الواجب، ولا على ثقافة تحمل المسؤولية، ولم نتعلم كذلك حتى كيف نعمل من أجل الآخر قبل الأنا...، فحتى فهمنا "للحق" غالبا ما يكون مشوها ومنقوصا، أو أننا نراه فقط من المنظور الذي يخدم مصالحنا الشخصية والذاتية لا غير.

كذلك أيضا نحن في العادة لا نكلف أنفسنا ولو بشكل عفوي، حتى مع قرارة أنفسنا، أو في لحظة تأمل ونقد ذاتي، عناء طرح تساؤل ولو من باب الاحتمال، هل يمكن أن نكون نحن من يتحمل مسؤولية ما وصل إليه وطننا وبلدنا أو مجتمعنا..؟، المشكلة ليست في الجواب القطعي والحتمي ب "لا" فقط، لكن المعضلة الأكبر التي لا يأبه ولا يبالي لها أحد، هو ألا أحد فكر أصلا إذا كان يجب أن يتساءل مثل هذا السؤال، لأن قليلون للغاية من يفكرون بهذه العقلية "خدمة البلد قبل الذات" وعقلية تقديم مصلحة البلد والوطن على أي مصلحة شخصية أخرى، بغض النظر على ماذا سنجني وماذا سيعطينا نحن هذا الوطن ..

فتربيتنا الأسرية والمدرسية، وتنشئتنا الاجتماعية و بنيتنا الثقافية أو كل هذه الأشياء رسخت فينا تلك النزعة الفردانية وعقلية "الأنا ومن ورائي الطوفان"، تلك العقلية التي نمطت أنفسنا مع تلك المعادلة الرياضية التي ننظر بها للأشياء دائما، من خلال مقاربة انتهازية ونفعية محضة، ومن زاوية نظر واحدة ووحيدة وهي كم سآخذ؟ وماذا سأستفيد من هذا البلد فقط؟، ولا نفكر أبدا في ماذا سنعطي أو سنقدم.

فدعونا إذا من كل ما فعل بنا الآخر ولنبحث في ماذا فعلنا نحن بالآخرين أو ماذا فعلنا نحن من أجلهم، فبدل أن نوجه أصبع الاتهام إلى ذلك الآخر ونحمله المسؤولية عند أي فشل يلحقنا ، أو يلحق محيطنا الخاص أو المجتمع و البلد ، فيجب أولا أن نوجه التسعة أصابع الباقية إلى أنفسنا و ذواتنا لنرى إن كنا أشخاصا كاملين، وأشخاصا يقومون بواجباتهم اتجاه الوطن واتجاه الآخرين فيه، قبل أن البحث عن ذلك الكمال في ذاك الآخر.

فأهم سؤال كان من المفترض أن نوجهه لأنفسنا قبل الآخر لكن لا نفعل ذلك، هو ماذا قدمنا نحن لهذا الوطن؟..، و هل يمكن لأحدنا أن يذكر مثلا خدمة أو إنجاز واحد في حياته قدمه لهذا الوطن (بدون مقابل)، بالطبع ستبحث وتقلب كل ذكرياتك وماضيك رأسا على عقب، وستعود بأدراج ذاكرتك على كل المحطات وكل الأشياء التي قمت بها، وستستعين ب"غربال" بفتحات واسعة في ذلك، علك تجد شيئا عن ذلك الانجاز او العمل الذي قد تكون قدمته في سبيل هذا الوطن ، وليس لشخصك ولذاتك أو مصلحتك الشخصية،...لكن اطمئن سنكف عنك عناء كل ذلك فمن الآخر أنت لم تقدم أي شيء لهذا الوطن.

فبما أن هذا الوطن لا يزال يعيش مستوى من الحضيضية في معظم القطاعات ، وبلغ من الفشل حد مرحلة الاحتضار، فلا عجب إذا أن نترقب تشييعه إلى المثوى الأخير في قريب الأجل اذا ما استمرت الأمور على هذا المنوال...، وما دام هو كذلك، فلا أنا ولا أنت ولا هو ولا أي أحد آخر فيه قدم له أي شيء، وفشله ذاك هو من فشلنا نحن كأشخاص نعيش فيه، ولولا أننا لسنا ذلك لما كان هو كذلك.

فعندما تجد المواطن فاشل والأسرة فاشلة والمدرسة هي الأخرى كذلك، فبالطبع لن ننتظر من المجتمع أن يكون غير ذلك، ولن ننتظر من البلد أن تكون غير فاشلة.

لكن الذي يجعل الأمور تسير من سيء إلى أسوأ، ولا تبشر بأي انفراج في الأفق، هو أنه إلى اليوم، مازلنا لا نملك الجرأة ولا نتحلى بالقدر الكافي من الشجاعة كما الشأن في الأمم الأخرى، وأن نعترف أننا سبب الفشل، وأننا وحدنا دون غيرنا من يجب أن يتحمل كامل المسؤولية في ذلك، وإذا ما كان هناك من يجب أن يدفع الثمن فهم نحن دون سوانا، مع مراعاة اللا رأفة في ذلك.

فلننسى قليلا إذا لوم ذلك الآخر كما على عادتنا في كل مرة، و دعونا أيضا من لوم أولئك السياسيين بالخصوص، الذين غالبا ما يكونون الحائط القصير، و الشماعة التي دأب المواطن دائما على تعليق كل مشاكله فيهم، بدءا من المشاكل الاقتصادية والمادية الخاصة، وانتهاء بفشله في واجباته في غرفة النوم الزوجية.

و لنتحلى بقليل من الجرأة، و لنحمل أنفسنا ولو قدر صغير من المسؤولية، ما دامت ليست لنا تلك الشجاعة التي تجعلنا نتحمل جزءها الأكبر على الأقل. ولنساءل ذواتنا ولو لمرة واحدة، عن ما هو ذاك الشيء الذي أعطيناه للبلد أو قدمناه من أجل الآخر فيه؟. أو عن قيمتنا المضافة لهذا الوطن؟.

صحيح قد يكون مدلول "الوطن" أو "الوطني"، نفسه مشوها، أو لا يحمل أي معنى يستحق الوقوف عليه أو التأمل عند الإنسان العادي البسيط، مادامت مترسخة في أذهاننا وعقولنا دوما بتلك الشخصية النافذة المتنفذة، أو ذاك السياسي الفاسد المفسد، من الذي يظهر على شاشة التلفاز الرسمي، بهندامه الأنيق ومظهره الحسن الأخاذ السار للناظرين، ليلقي لنا دروسا ومواعظ هو يحفظها عن ظهر قلب، عن معاني ومواصفات المواطن "المواطنة الحقيقية"، والتي يحرص فيها صاحبنا ويؤكد ويقسم بأغلظ ما في إيمانه وأرقها أنه نموذج لها، وأنه هو الواحد الذي لا شريك له في ذلك .

لا لا...، لسنا نقصد ذاك..، ذاك وطن السياسي فقط، وذاك لا يعنينا في شيء، فلا نحن نحس به، ولا هو يحس بنا، فعلاقتنا به لا تتعدى بطاقة هوية باسم بلد بنفس الاسم، و حدود رقعة جغرافية تجمعنا مدققة الرسم والخطوط قد تعني شيء وقد لا تعنيه...

وطننا ليس هو وطن السياسي -المدنس- ذاك، وطننا هذا لا تختزله لا قطعة قماش اسمها "علم"، ولا معزوفة موسيقية اسمها "نشيد وطني" ولا حتى قطعة نقدية اسمها "عملة"...، وطننا ببساطة هو شيء يعيش فينا قبل أن نعيش فيه، وذلك الوطن الذي نحسه في أعماق وجداننا لكن لا نستطيع تلمسه، هو أكبر من أن يختزل لأنه اكبر من أي قيمة مادية كي يلمس.

بالطبع منكم من سيقول بما أنني جزء من هذا الوطن فأي شيء أقدمه لنفسي ولذاتي فكأنما أقدمه للوطن لأننا غير مفترقين بأي حال من الأحوال، وهناك من سيقول وأصحاب هذا الاتجاه كثيرون بأن الوطن هو من يجب أن يعطيني ويخدمنا وليس العكس.

وهناك من سيقول وبحكم عمله (معلم، طبيب، سباك، بناء، موظف، ضابط، رياضي، سياسي...الخ)، وبأنه أفنى كل عمره في تقديم الخدمة لهذا الموطن لأنه معلم، أو طبيب، أو أحد من المهن السالفة الذكر...دون أن تكون له الجرأة على أن يحمل المسؤولية لنفسه في تردي أو في فشل القطاع الذي هو جزء فيه، هذا لو افترضنا أصلا أن المسالة ليست مادية قبل أي شيء آخر .

خلاصة الكلام كل ما يحدث لنا وما يحدث لأوطاننا بشكل أو بآخر هو انعكاس لما نقوم به اتجاه غيرنا، واتجاه أوطاننا كذلك ، فذلك الآخر الذي لا نتوانى عن توجيه كل سهام النقد اللاذع في أي مناسبة أو دونها، هو نفسه ذلك "ال نحن"، عند الآخر الذي يرى فينا تلك الصورة التي نراها نحن في غيرنا، كن معلما أو كن طبيبا أو كن شرطيا أو حتى إنسان بلا عمل خاص حتى داخل المجتمع، أو كن أي شيء تريده، فكل النتائج التي تحصل عليها، هي انعكاسات لأعمالك وسلوكياتك، ففعلك بمقدار رد الفعل عليك.

من كل هذا وذاك فنحن في أمس الحاجة إلى القيام بعملية نقد ذاتي ومراجعة شاملة لأنفسنا وتصرفاتنا وكل الأشياء التي تصدر منا وعنا، لا اتجاه أنفسنا ولا اتجاه الآخر، فنحن فاشلون حتى في فشلنا لأننا لم نستطع إلى الآن الاعتراف به كخطورة أولى حتمية لتشخيص مكامن الداء الحقيقية، فغير ذلك فل نتمكن من صنع لا وصفة ولا دواء للعلاج.


  • 1

   نشر في 21 يناير 2016  وآخر تعديل بتاريخ 01 فبراير 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !




مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا