عُدتَ يا يوم الحبش - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

عُدتَ يا يوم الحبش

  نشر في 18 نونبر 2016  وآخر تعديل بتاريخ 23 نونبر 2016 .

كما يعلم معظم الناس من أفلام هوليوود, يقامُ في آخر خميس من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) في كل عام عيد الشكر. سأحدثكم عنه قليلا, بما أنّني أعيش في أمريكا منذ سنوات.

في هذا العيد يتحول الناس هنا إلى بطاقات ائتمانية (فيزا) متحركة, وقد نبت لها ذراعين ورجلين. يتجولون في كل المتاجر والمحلات التموينية لشراء أي شيء يتعلق بهذا العيد. ففي عالم الملابس مثلا, تكتسح الأسواق قمصان وكنزات ومعاطف مكتوب عليها عبارات شكر مختلفة... كالشكر على نعمة الحياة, والشكر على نعمة الأطفال, والشكر على نعمة الصحة, وحتى الشكر على وجود كلب العائلة الوفي! وبين الموديلات المختلفة والألوان الساحرة والتصاميم الغريبة في كل سنة, يضيع المستهلك الأمريكي بين الأسعار والخصومات والعروض حتى تراه يكدّس خزانته بأشياء كمالية كثيرة, بحجة أنّ هذا عرض محدود لعيد الشكر وسينتهي بنهاية شهر نوفمبر.

أما في عالم الطبخ, فأنا شخصيا أشعر بالأسى لاثنين:

أولا, الديك الرومي (الحبش) الضحية المسكين, لأنه تتم في حقه عملية إبادة مخيفة لإطعام ملايين الأفواه الجائعة.. تماما كفيلم الرعب الذي يحصل مع الأغنام يوم عيد الأضحى.

وثانيا, كتب الطبخ التي تستعملها صاحبات التجارب الأولى في المطبخ, والتي تعلن رفوف المحلات عن نفادها قبل العيد بيوم واحد... بالطبع سيتم استخدامها يوم العيد فقط, وبعدها ستُلقى بإهمال في العلية.

من المتعارف عليه هنا, أنّ الوجبة الرئيسية التي تم تعذيبها بالفرن لمدة ساعتين, هي بالغالب, الديك الرومي. وهنا تبدأ كل ربة بيت أمريكية أصيلة, بإذاعة قدراتها الخارقة في تحضير وصفة سرية للغاية لإذابة لحم الحبش القاسي. وهي قد ورثتها من ابنة خالة عمة والدة جدتها... وتراها تؤكد بإصرار أنّها الوحيدة في أرض العم سام من يعرف هذه الخلطة السرية, ولن تسلمها إلا لابنتها بعد موتها, وفي مراسم غاية في التحفظ والكتمان.

أما ربات البيوت اللاتي لا يعرفن سوى تسخين الطعام المجمد, فتراهنّ يعلنّ تحديّا في الفيس بوك وبين أفراد العائلة بأنّ عشاء عيد الشكر سيكون من إعدادهن لهذا العام. وأنهنّ مستعدات لهذا التحدي منذ السنة الفائتة, فقد اشترين كتاب الشيف جون العالَم, وسيتبعنّ تعليماته حرفا حرفا...

هذا هو حال النساء المتزوجات في كل عام. أما الآنسات (السناجل) فهنّ من يكسبن الجمل بما حمل لأنه سيتم دعوتهنّ لبيت العائلة, أو في أسوأ الظروف سيأكلن في أحد المطاعم مع شلة الأصدقاء.

إنّ سُفرة عيد الشكر واحدة, لا تتأثر بتغيّر الزمن ولا تغيّر الرئيس الأمريكي! لأنها تقليد متوارث لإحياء ذكرى الوليمة التي قدمتها قبيلة من سكان أمريكا الأصليين للمهاجرين قبل مئات السنين. وهي عبارة عن: ديك رومي (حبش) مشوي –البعض يستبدله بلحم الخنزير أو الدجاج, أي حسب القدرة المالية والمزاج...صلصة التوت البري.. البطاطا الحلوة المشوية..فطيرة القرع (اليقطين).. ذرة.. بطاطا مهروسة.

وبالطبع, فمع التقدم أضافت الأسرة الأمريكية الكثير من الأطباق الدخيلة على هذه المينيو... منها: الأجبان, المخللات, السلطات, الأسماك, الحلويات, والمخبوزات.

أيضا عندهم تقليد ظريف يُقام في كل عيد شكر, وهو العفو عن ديك رومي رئاسي. يحضرون ديك رومي على قيد الحياة للرئيس الأمريكي, فيقوم هو بالعفو عنه, ويبعثون به إلى حديقة الحيوان... ومن بين ملايين الديوك الرومية التي يتم ذبحها في هذا العيد, ينجو هذا الواحد, وأيضا يدخل البيت الأبيض ويقابل الرئيس!!! وكما يقول المثل الذي لا أريد أن أعرف من قاله: "قاعد على القهوة وجاله الخير سهوة"

شيء مميز آخر لاحظته في هذا العيد, وهو أنّ كل من أقابلهم من الزملاء أو الأصدقاء أو المعارف يتحول فجأة إلى أستاذ تاريخ, ونحن نتحدث عن عيد الشكر!

كلهم لديهم معلومات وتواريخ عن قصة عيد الشكر,, كيف بدأ ومتى أصبح رسميا وتاريخ الهنود الحمر وثقافتهم... و و و. نفس القصص يعيدونها بينهم كل سنة.

لكن لحظة... ألا نفعل نحن ذلك أيضا في عيد الفطر وعيد الأضحى, ويفعله إخواننا المسيحيون في عيد الميلاد المجيد؟! بغضّ النظر عن أنّ هذه أعياد دينية, وعيد الشكر عيد قومي. لكن يبقى لكل عيد بهجته وقصصه المكررة, فكأنّنا نريد من العيد إحياء روح الألفة والحميمية والتقارب بيننا كأسرة وأقارب وأصدقاء. إنّ الأعياد بالنسبة لي كتجديد العهود التي نسيناها... إنها تأتي دوما لتذكرنا أننا مخلوقات خلقت لتكون في جماعات.. نفرح معا, ونحتفل معا, ونأكل معا, ونتبادل القصص والحكايات...

بالنهاية, أذكر قول إحدى صديقاتي الأمريكيات:

"لكنّ الكابوس يبدأ بعد الانتهاء من الوليمة... إنه كابوس غسل الصحون والتنظيف!!"


  • 3

  • نور الكنج
    كاتبة/متزوجة/ جذوري نبتت من العراق وامتدت إلى الأردن وسوريا واستقرت أخيرا في أمريكا. الخيال هو صديقي الصدوق مثله مثل الكتابة والقراءة والرسم. أكتب قصص أطفال وقصص كبار (تستعد للنشر الآن) أم كلثوم وعبد الحليم يضعانني في ...
   نشر في 18 نونبر 2016  وآخر تعديل بتاريخ 23 نونبر 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا