ذكريات طالب في بلاد الجرمان - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

ذكريات طالب في بلاد الجرمان

  نشر في 10 فبراير 2017 .

البريد ذلك العالم الحبيب ٢

أحب وظيفته جدا و تعلق بها ، و أهدى لها كل إخلاصه … كان يحس و هو يخرج من باب عمارته متوجها إلى مكتب البريد ، كعصفور يخرج إلى مكان يحبه ، كطائر ، رحل عن مكان ولادته ، ثم إليه الآن يعود ! و زادت الساعة التي فيها يخرج إلى الشارع من سعادته ، فكانت الساعة السادسة صباحا من أحب الساعات إلى قلبه ، و كانت المدينة في هذه الساعة أشبه بوليد نائم ، يقاوم النعاس في محاولة لفتح عينيه ! لا يخرج في هذه الساعة إلا من يؤم عمله البعيد نسبيا ، أو الذي يجب عليه أن يتواجد هناك في الفترة الفاصلة بين الساسة و السابعة صباحا ، خاصة في هذا البرد القارس ، و كان الناس في محطة الميترو ، يتجمعون حول بائع القهوة ، و التي تباع في أكواب هكذا في أكشاك الجرائد و السجائر ، و كل يحاول أن يطرد بقايا النعاس الذي يفعل في الأعين ما يفعله طبق شهي في قلب شخص ممنوع عنه يتبع الحمية ، يحاول ما أمكن الإبتعاد عنه ، فيجد عيناه تجذبانه إليه جذبا ! كان مكان عمله في الجهة الجنوبية من المدينة ، و كان الميترو الدقيق في مواعيده ، ينقل الناس تباعا إلى وجهاتهم ، كخلية نحل منتظمة ! الدخول إلى الميترو في هذه الساعة ، متعة في حد ذاته ، يكون الميترو خاليا إلا من العمال ، و كل يقرأ في جريدته أو كتابه ، أو يحشو أذنيه بما يحب مما يسمع !

كان جنوب المدينة يحوي بين أحيائه الكثير من الأشياء الحبيبة إلى قلبه ، و هو ما حبب العمل أكثر إلى قلبه ، كانت مكتبة المدينة الكبيرة ترقد بين أحضانه ، بالإضافة إلى مشفيان كبيران ، تولى هو إيصال البريد إليهما ، مما جعل عمله متجددا كل يوم ، لا مكان للملل فيه …

وصل إلى مكتب البريد تمام الساعة السابعة ، ليجد ديتمر قد تولى إيصال بريده له ، سلة كبيرة من الرسائل ، يجب عليه كما العادة ترتيبها ، خلع عنه معطفه ، و قبعته الصوفية ، و جلس على كرسية ، و أغمض عينيه قليلا كأنما يستريح ، حتى فاجأه هيرتسبيرغ بصوته الجهوري و هو يسأله :

ـ كيف الحال يا بن لادن الصغير …

حافظ على إعلاق عينيه ، مع ابتسامة كسولة ، ثم أجابه :

ـ هيتسبيرغ ! دائما تحاول أن تجبرني على أن ألسعك بكلامي يا كبير البطن ! و ضحك ضحكة من الأعماق ، ثم أردف : بخير بخير ، كما هو الحال كل يوم !

قهقه هيتسبيرغ ، و قال :

ـ ماذا ! ألا يعجبك اسم بن لادن !؟ حسنا ، ما رأيك في أسامة ؟

ـ ها ها ها ، مضحك جدا بالفعل !

ـ هيا يا جيكوب ، هل هو سيء إلى هذا الحد حتى تتهرب من اسمه ؟

ـ بالنسبة لي نعم ، هيا اذهب إلى عملك !

ـ حسن يا علاء الدين الصغير ، كنت فقط أريد أن أعرض عليك بعض الشاي !

فتح يعقوب عينيه فجأة مع ابتسامة ماكرة ثم قال :

ـ أنت لطيف يا هيرتسبيرغ ، طبعا أقبل ، هات كوبا من فضلك "

أطلق هيتسبيرغ ضحكة عالية و هو يقول :

ـ تحرك قليلا إلى المطبخ و ائت به بنفسك أيها الصغير !

ـ نعم نعم ! لا يمكنني أن أتخيلك يا هيتسبيرغ بدون هذه هذه الطباع السادية !

ـ المهم ، لقد حضرت الشاي للجميع ، هل تعلم أنك عزيز على قلبي جدا أيها الإرهابي الصغير ! ؟

ـ أوه ، يا له من شرف ، قال يعقوب متهكما !

ـ فعلا فعلا ! لقد اكتشفت أن المكتب بدونك يعلوه الملل و الكآبة !

ـ جميل منك يا هيتسبيرغ ! و مكافأة لك على قولك هذا في حقي ، تفضل بعض الشوكولا ! و لكن لا تخبر الآخرين !

ـ كن على يقين ! فمي سيكون كالبئر المهجورة !

ـ حسن !

أخرج من حقيبته علبة مليئة بالشوكولا ، ثم ناوله بعضا منها ، و أرجعها إلى مكانها ، ثم قصد المطبخ … ، كان مكتب البريد عبارة عن مكاتب ملتصقة مفتوحة على بعضها ، مليئة بالرفوف ، و كان يشاركه العمل ١٠ زملاء له أخر ، و كان مكان العمل المخصص لكل فرد ، عبارة عن رفوف ، بعضها فوق بعض ، تساعد على ترتيب الرسائل ، و كان كل واحد منهم يزين رفوفه ، بماشاء من زينة ، فبعضهم كان يزينها برسو أولاده الصغار و صورهم ، و بعضهم مثل ماورو ، يلصق صور أبطال السينما ، و ألصق هو بعضا مما يكتب ، و صورا لمدينته ، و صورا لمكة و المدينة ، و ألصق في مكان بارز جملة كتبها بخط يديه كبير : ممنوع الإقتراب و المعني بالأمر يعلم نفسه ! و كان المعني بالأمر هنا هو هيتسبيرغ ، الذي يدمن صنع المقالب في زملائه ، و إنه ليذكر أنه و في يوم خبأ له بين الرفوف مجسما ، عنكبوتا عملاقة ، من يراه يحسبه حقيقيا بالفعل ، فكانت ردة فعله اللاإرادية مضحكة للغاية ، ما جعل المكتب كله يضج بالضحك ! و كان هيتسبيرغ ، في الرابعة و الأربعين من عمره ، شخص لطيف فعلا لولا مقالبه التي لا تنتهي ، خدوم ، و مستعد للمساعدة في كل الأوقات !

لم تستغرق الألفة بين الزملاء و بينه كثير وقت ، أصبحوا جميعا كعائلة صغيرة ، في يومين أو ثلاثة بعد أن التحق بهم ، و كان يدخل إلى المكتب كأنه داخل إلى بيته ، يرفه الكلفة بينه و بينهم إلى أقصى حد ، يضحكون ، يتباسمون في احترام ، و يتشاركون الفرح و الحزن في جو جميل ، بل و يرسل بعضهم رسائل إلى المكتب في كل مرة يذهبون إلى رحلة في إجازاتهم سواء في ألمانيا أو خارجها ، و إنه ليتذكر ذلك اليوم الذي دخل فيه إلى المكتب و جلس أمام رفوفه ، لتفاجأ برسالة من هيتسبيرغ الذي كان في إجازة في جزيرة مايوركا الإسبانية ، و عليها صورته و هو يخفي وجهه بمنديل كما يفعل الإرهابيون ، و هو يلوح بيده و يكتب :

إلى الإرهابي الصغير … اشتقت لك كثيرا ، الجو هنا مشمس كما هو الأمر في بلدك ، أفكر فيكم كثيرا ، سلامي إلى كل الزملاء !

كان هذا هو الجو العام الذي جعله يحب هذه الوظيفة حد التشبث …

قصد المطبخ ، و كان الزملاء يلتحقون بالمطبخ بتوالي الدقائق ، حتى اقترب المكتب على الإمتلاء ، فأصبح يضج بالأصوات و الضحك ، و التحدث في الأمور المستجدة ، ارتشف الشاي بتلذذ ، و هو منهمك في إعداد رسائله ، ثم سادت دقيقة من صمت ، لينطلق صوت هيتسبيرغ قائلا :

ـ في الحقيقة ، أيها الإرهابي الصغير ، لم أستطع أن أكتم السر ! و الآن أيها الزملاء يجب أن تعلموا أن الإرهابي الصغير يخفي في حقيبته صندوقا مليئا بالشوكولا !

ـ هيتسبيرغ ! أيها الشقي !

تعالت الأصوات مطالبة إياه بالشوكولا و هم يزمجرون في شغب ضحوك !

قال بيتر بعتاب ماكر :

ـ أيها الشقي ، تخفي عنا الشوكولا ! هيا اعطنا بعضا منها هيا

ـ حسنا ، تفضلوا ، و لكن اتركوا شيئا لماورو ! لا أستطيع أن أتخيل نفسي أمام نظرات ذلك العملاق و هي تسائلني عن نصيبه !

تعالت الضحكات ، فدخل ماورو فجأة المكتب و هو يقول بصوت أشبه بصوت هولك الأخضر :

ـ ما الذي يحدث هنا ؟ هيا اصمتوا !

تعالت الضحكات من جديد ! كان صوتها مخيفا فعلا ، و لكنه شخص لطيف جدا ! و كان ماورو هذا رجلا ضخم الجثة بشكل شديد ، أشبه بمفتولي العضلات و رجال الأمن ، رجل إيطالي ، بشعر طويل أسود ، و قامة ممتدة ، في حدود الصامنة و الثلاثين من العمر ، يشبه إلى حد كبير أفراد المافيا الذين نشاهدهم في الأفلام ، و كان صوته كفيلا بزرع الرعب في كل من تسول له نفسه ، أن يتشاجر معه ! كان أشبه بصمام الأمن في ذلك المكتب ، مجرد العلم بأنه فيه يعطيك أمانا زائدا ، و كان يعقوب برفقة الزملاء يحلو لهم أن يمازحوه ، بتقليد صوته ، فيبدأ بالصراخ عليهم أن اسكتوا و هو يضحك ، فيضج المكتب بضحكات عالية !

كانت الحياة التي يقضيها في ذلك المكتب ، و التي تتجاوز الساعة و النصف كل صباح ليتفرق كل في اتجاه توزيع رسائلة ، كانت حياة مليئة بالجمال المتجدد ! و كان ديتمر ، يسمع كل هذا في مكتبه ، و يضحك ، و هو فخور بفريق عمله الذي نادرا ما يحدث بينهم سوء فهم ، و لا يؤدي بأي حال من الأحوال إلى القطيعة ! كانت حياة جميلة فعلا ، حمد الله تعالى من كل قلبه أن سخرها له ، زملاء ، أنسوه كثيرا من شعوره بالغربة ، و احتضنوه بينهم كما يحتضن معلم قدير ، تلميذا جديدا التحق للتو بفصله !

ألقى تحية الوداع على زملائه ، ثم ركب دراجته ، و خرج إلى توزيع الرسائل …

كانت مهمة توزيع البريد في المدينة ، مهمة جميلة ، فموزع البريد ، مثله مثل العديد من الوظائف الخدمية ، محترم بين أفراد المدتمع الألماني ، و يتوفر موزعوا البريد في ألمانيا على العديد من مفاتيح العمارات التي يتعاملون معها باستمرار ، يطلبها مكتب البريد من مكتب إدارة العمارات من أجل تسهيل مهمة أفراده ، و كان على يعقوب أن يحفظ أرقام العمارات و مفاتيحها من أجل تسريع نعامله و توزيعه ، و كانت العملية صعبة في أول الأمر إلا أن التعامل اليومي ، جعله يحفظها عن ظهر قلب ، أما المتاجر ، فكان يدخلها ، و يحيي أصحابها ، ويردون عليه التحية بابتسامة عريضة ، و يسلمهم رسائلهم ، ثم يخرج ، و كان المكان المخصص للدراجات لا يقترب منه الراجلون حتى و إن وجد فوق حافة الشارع المخصصة للمارة أصلا ، كان ممر الدراجات مكانا مقدسا سواء فوق الحافة أو فوق الشارع الذي تمر فوقه السيارات ووسائل النقل المختلفة ، فكان يقود دراته بسرعة كيفما شاء و لا يخاف من شيء يعوقه…

كانت مسيرته في توزيع الرسائل تبتدئ من شارع ، و هو شارع كبير ، يحتوي العديد من المتاجر و العمارات ، و كان يبدأ به كونه يأتي في بداية مشواره مباشرة بعد الخروج من المكتب ، و حينما يجد عمارة مقفلة ، و لا يكون متوفرا على مفاتيحها ، كان يحاول في بداية الأمر أن يرن على اسم الشخص الذي لديه إليه رسالة ، حتى غذا لم يستجب يحاول رن أزرار أخرى ، فإذا استجاب شخص قدم نفسه ، و طلب منه أن يفتح له الباب ! و كان الأغلب ممن يرن أزرار منبهات بيوتهم ، يستجيبون بشكل عفوي ، بل و يلقون عليه تحية الصباح ، و قلة قليلة ، كان يتعرض لغضبهم الذي يتمثل في كلمات قاسية لا يتخللها قلة احترام ، و على العموم كان الأمر مسليا للغاية ، فهو عشق إلى حد كبير منذ بداية احترافه للكتابة التعامل المباشر من الناس ، و مبادرتهم بالحديث ، لأن ذلك هو المصدر الرئيس للأفكار التي يستلهم منها ما يديه تخط ! يضم هذا الشارع أيضا أحد المتاجر الكبيرة الشاسعة المساحة التي تختص في بيع و إعادة بيع الدراجات الهوائية ، فكان يدخل إلى هذا المتجر في كل مرة يكون لديهم رسائل عنده ، فيتفرج على الأشكال و الأنوا الفاخرة من الدراجات الهوائية و النصف هوائية التي يبيعونها ، حتى وعده صاحب المتجر أنه في حال فكر في ابتياع دراجة هوائية ، فما عليه إلا أن يقصده ، و سيخفض له في ثمنها كثيرا ، نظرا للأخلاق العالية التي رآها منه ، و حبه الحديث إلى الناس و التعامل العفوي معهم !


  • 1

   نشر في 10 فبراير 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا