أحلام هاوية - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

أحلام هاوية

قصة قصيرة

  نشر في 01 يوليوز 2018 .

أحلام هاوية

الكاتبة: غادة أنور درويش

استيقظ أحمد على آذان فجر يوم جديد.. توضأ واستبدل ثيابه ونزل ليصلي الفجر في الزاوية المجاورة لمنزله القديم المكون من طابق واحد ويقع في قرية نائية

صلى الفجر ثم جلس في الزاوية يقرأ القرآن الكريم ثم بعد أن لاح في الأفق بصيص من النور تصاحبه همسات العصافير قام أحمد وخرج من الزاوية متجهاً إلى عم بركات الرجل العجوز الذي نقشت على وجهه ملامح الشقاء والسنين العجاف والذي يقف بعربة قديمة متهالكة مصنوعة من الخشب لبيع الفول لأهل القرية وينتهي عمله مع إشراقة اول خيوط نور الشمس.. ألقى أحمد السلام على عم بركات ثم ابتاع منه قليلاً من الفول والخبز ثم عاد إلى منزله ليوقظ إخوته الصغار يحيى وأمل لكي يتناولان فطورهما ويذهبان إلى المدرسة

كانت أمهم قد فرغت من أداء صلاة الفجر وقامت وهي تنهال على أحمد بدعواتها التي لا يستطيع بدء يومه بدونها ثم قامت بتحضير الإفطار وجلست مع أبنائها حتى فرغوا من تناول طعامهم وخرجوا سوياً كل فى اتجاهه ودعوات امهم لهم لم تنقطع عنهم حتى غابوا عن أعينها .. اتجه أحمد وأخوته إلى المعدية وهي قارب صغير يستقله كل من يريد عبور الترعة إلى البر الثاني مقابل مبلغ زهيد ثم بعد وصولهم يتجه يحيى وأمل سائرين على أقدامهما إلى المدارس فأمل في المدرسة الإعدادية بنات ويحيى في المدرسة الثانوية بنين وكلتا المدرستين تبعدان الكثير عن القرية فهي على الطريق المؤدي إلى المركز، وقد اعتاد الاثنين الذهاب سيرا على الأقدام بالرغم من بعد المسافة توفيرا لنفقة المواصلات

اما أحمد فيذهب إلى عمله مستقلاً حافلة نقل العمال التي يسير أيضاً بعض الكيلومترات لكي يصل لمكان مرورها بخط السير المحدد لها فهو يعمل رئيس عمال في احد المصانع في المدينة الصناعية القريبة من المحافظة

استقل أحمد الحافلة التي لا يقل عمرها عن عمر عم بركات وألقى السلام على زملائه فرد الجميع (وعليكم السلام يا دكتور احمد).. جلس أحمد بعد أن إصابته جرعة الألم اليومية التي اعتاد عليها جراء سماعه لكلمة الدكتور أحمد..

نعم فهو يشتهر بين زملائه وأهل قريته بالدكتور أحمد

استأنفت الحافلة سيرها في الطريق للمصنع مصدرة صوتها العالي الذي يجبر ركابها على الصمت خوفاً وأدبا ... خوفاً من تعطل السيارة في الطريق بسبب حالتها التي يرثى لها كما حدث قبل ذلك كثيراً.. وأدبا لأن أي حوار سيبدأ من أحد منهن لن يسمعه الآخر فلا صوت يعلو فوق صوت الحافلة

شرد أحمد بذهنه وهو يتأمل المزيج بين اللونين الأخضر والأسود الزرع والطين من نافذة السيارة وهو يتذكر يوم نجاحه في الثانوية العامة بمجموع كبير جعله الأول على مدرسته والرابع على المحافظة وكان بالقسم العلمي مما أهله لدخول كلية الطب البشري

كان أحمد متفوقاً بطبعه يعتمد على مجهوده الشخصي دون مساعدة أو دروس خصوصية وكان والده فخور به ويلقبه بالدكتور أحمد منذ الصغر.. فرح والده كثيراً يوم حصوله على الثانوية العامة وفرق الشربات على أهل القرية جميعاً بالرغم من ضآلة إمكانياته المالية.. وبالفعل قبل أحمد بكلية الطب بجامعة المحافظة التابعة لها قريته وكان الأب يعمل ليلاً ونهاراً لكي يوفر له نفقات الدراسة.. فقد صدم الأب والابن معا جراء التكاليف الباهظة للدراسة في كلية الطب فضلاً عن المواصلات

كان أحمد يشعر بالذنب تجاه أبيه وفكر في العمل بجانب دراسته ولكن الأب رفض رفضاً باتاً لكي يتفرغ أحمد لدراسته ويتفوق فيها.. فقد كان أحمد هو الأمل الوحيد الذي يتحمل الشقاء من أجله.

مرت السنة الإعدادية بسلام وحصل أحمد علي تقدير امتياز بالرغم من الصعاب التي مرت به.. ولكن دائما ما تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن.. فقد مات الأب.. مات الظهر الذي كان يستند عليه أحمد وأسرته.. حزن أحمد حزنا شديدا على فراق أبيه ولكن كان يجب عليه أن يفيق سريعاً من الصدمة فقد كانت المسؤوليات الملقاة على عاتقه كبيرة.. فعليه أن يتحمل نفقات تعليمه ونفقات أسرته فقد ترك له أبيه طفلين هما شقيقيه يحيى وأمل اللذان كانا في المرحلة الإبتدائية حين ذاك.

كان أحمد علاقاته جيدة بأساتذته بحكم تفوقه مما شجعه على مقابلة الدكتور شاكر أستاذه الودود الطيب الذي طالما أثنى عليه وعلى أخلاقه وتفوقه.

وشرح أحمد للدكتور شاكر ظروفه متمنياً أن يوفر له عملا يساعده على استكمال مشواره فتعاطف معه الدكتور شاكر وعرض عليه مساعد مادية ولكن أحمد رفض رفضاً قاطعاً فهو يريد أن يعمل ولا يريد إحساناً من أحد.. احترم الدكتور شاكر رغبة أحمد وتحدث مع صديقه الدكتور عبد الرحيم الذي يمتلك مشفى صغير في نفس المحافظة لكي يوفر لأحمد وظيفة مناسبة وقد كان.

بدأ أحمد عمله في التمريض بالمشفى وبدأ يستأنف دراسته في العام الدراسي التالي.. كان الوقت ضيقاً جداً فالدراسة في كلية الطب تحتاج إلى تفرغ والعمل بالمشفى يحتاج وقتاً طويلاً.. كما أن الدخل الذي كان يتحصل عليه أحمد من العمل كان يكفي بالكاد مصاريف أسرته.

أشار عليه البعض أن يقدم شهادة فقر للكلية للحصول على دعم مالي ولكنه أبى، فكبريائه لا يسمح له بذلك ولكن حين طلب منه بعض الطلبة في السنة الاعدادية بالكلية إعطائهم دروساً خصوصية نظرا لتفوقه فوافق على استحياء لأن ذلك سيدر عليه دخلا أكبر ويوفر عليه مجهود العمل بالمشفى

كان دعم الدكتور شاكر له مستمرا مادياً وعلميا وكان يدعوه كثيرا إلى منزله وكان يدعمه بالكتب والأبحاث.. ولكنه انقلب عليه كالوحش الكاسر حين شعر بعاطفة من ابنته تميل تجاه أحمد .. كان أحمد يشعر بمشاعرها ولكنه لم يكن لديه رفاهية الحب أو حتى الإعجاب، فكاهله محمل بما لا يطيق بشر.

صوب الدكتور شاكر سهامه نحو أحمد بكل ما أتاه الله من قوة.. فأولها انه أهانه إهانة شديدة وطرده من بيته شر طردة.. ثم أبلغ عنه مجلس الكلية بأنه يعطي زملائه دروساً خصوصية فتم تحويله إلى مجلس تأديب.. أعلنها الدكتور شاكر مدوية (من عادى أحمد فقد ربح مرضاتي ومن ساند أحمد فقد فاز بعدائي) دوت تلك الأحداث جميع أرجاء الكلية بل أرجاء الجامعة بأكملها فخاف الجميع طلبة وأساتذة من غضب الدكتور شاكر وغلقت كل الأبواب في وجه أحمد.. أبواب الرزق وأبواب العلم أيضا.

علم أحمد أن أحلامه وأحلام أبيه ليس لها مكان في عالم البشر فقد سقطت في الهاوية.. من أين له أن يدرس ويعمل وينفق على نفسه ودراسته وأسرته؟

من أين له أن يقف صامدا أمام الرياح العاتية التي أتت إليه من كل صوب بسبب الدكتور شاكر وحربه الشرسة ضده؟

ما الذنب الذي اقترفه شقيقاه لكي يتحملا نتائج حرباً ليس لهما فيها ناقة ولا جمل؟

ما الذنب الذي اقترفته أمه التي أصبحت تبكي ليل نهار على ما آلت إليه أحوالهم وهي تقف مكتوفة الأيدي لا تستطيع فعل شئ من أجلهم؟

فقد اخذ أحمد القرار.. أخذه وقام بتنفيذه وسط دموع أمه وإحباط شقيقيه وسواد الدنيا بأكملها في عينيه وأحلامه تتهاوى أمامه.

ذهب أحمد ليزور قبر أبيه، قرأ له الفاتحة ثم مال على قبره وهمس بكلمات موقنا أن أباه يسمعه (عذراً يا أبي.. لن اقدر على تحقيق حلمك.. ولكن لا يزال الأمل موجودا في أخواي) فقد قرر ترك الدراسة بأكملها والبحث عن عمل لكي يكمل مسيرة أبيه على وعد منه أن يحقق لأبيه حلمه في إخوته يحيى وأمل.

*تمت*



   نشر في 01 يوليوز 2018 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا