لكنّ الزيزفونَ أطهر! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

لكنّ الزيزفونَ أطهر!

عن دوما وأيام قصفها الجنوني

  نشر في 04 مارس 2015 .

نحتاج أن يهدأ النحيب الممتد من أقصى البلاد لأقصاها.. لا يتوقف.. لن يتوقف..

لا غسان في هذه البلاد يتقن السبك المقدس، يحول خطوات الدم في أكفّنا ودروبنا لشعلة تفجّر الأرض.. ولا صفيّة...

حين تصبح البلاد.. حين تصبح بفعل الحقد العميّ، دمشق، هي البلاد، وليست كلّ دمشق، بل بحسب القرب من المستبدّ، بحسب التخلّي عن كل ما يقرب الإنسان، والانتماء لكل ما يقدّس ويكرّس الصمت والفصام البشريّ...

حين تصبح دمشق، بالتعريف الأسديّ لها، هي البلاد، فلا تلم يومها المعركة إن حوّلت فوهتها ناحيتها إن أرادت انعتاقاً من الموت السرمد وانتقاماً للأحمر الذي لا ينضب، ليس بعيداً، هنا بالقرب من البسمات الصفر لدمشق التي ما عادت دمشق..

حين يحرص الجلاد، في أحلك الأوقات وأصعبها، على أن تبقى "دمشقه" سليمةً وما بعدها التراب، فيومها حتى الياسمين ستقصف دمشق، وسيكون هذا اللّزام بل الفرض..

لما أن تُغيّر دمشق، وتحوّر وتقص وتمحى مناطقُ ويشرّد من أهلها، فقط لتناسب مستقبل القاتل وتمركزه حتى الرمق الأخير، يجب عندها أن تكسر هذه العنجهية وهذا الحمق خطرٌ يحيط ويهزّ..

الغوطة، لصيقة دمشق ومجرى شريانها، منذ تحريرها وهي ترزخ تحت حصار مميت.. هكذا يتوّج التحوير، هكذا تتجسد الطبقية، البائدة أمام العدسات الباقية رغم كل شيء..

نخشى خدوش الياسمين، ونتمتع باستنزاف الزيزفون.. يحتاج هذا الفصام علاجاً مكثفاً ومركزا..

على مدى تسعة أيام عاشت مدن الغوطة أجمع جنون قصف وهدم لم يهدأ إلا على أعتاب عاصفةٍ جديدة، ونِعمٍ تخفف النقم..

هذا كان خيار الغوطة منذ لحظة البدء: لا رجوع لما قبل النهوض.. وهكذا كان مطلب القاتل، المشتعل الأطراف: لا هدوء قبل الفناء؛ لذا يحاول بكل صغيرة وكبيرةٍ أن يحافظ على القلب الخاص به مثلجاً لدجةٍ جنونية؛ فيضمن بقاءً أطول ولو لوهله..

أكتب هذه الكلمات هنا وأتخبط.. حتى الفواصل والحركات.. كل ما أحاول أن أثبته يغيب عنّي في اللحظة الأخيرة.. لا شيء يحمي إنساناً تهاوت المنازل بالقرب منه.. لا شيء يحمي إنساناً يكبّل العجز يديه وحرفه وفجره وضياه.. لا حماية له من أن يسقط ويتلوى وينفجر.. هذا التكثيف للمشاهد والتسارع في الأحداث يدفع للجنون.. ولا وقاية من الجنون إلا بمحاولة تطويعه..

في لحظة ما سندرك بعمقٍ أكبر أن من يحيا على حافة المجزرة تكون إصابته أكبر وأشنع ممّن يحيا المجزرة!

ومن على تلك الحافة.. يجب أن نسجل.. آخر سلاح الكلمة وأضعفه..

ومن على تلك الحافة.. نموت أجزاءً لأن من يقدرون المخاطرة هم وحدهم من يموت ميتة الوقوف الكاملة الراضية، بلا عذاب، غير الفقد، وبلا خوف، غير الصوت الذي يسبق الموت وتهتز له الأرض..

نموت أجزاءً ريثما تتطهر الأرض.. ونلصق موتنا بطهر الزيزفون وعذاب الياسمين.


  • 2

  • وئام الشاهر
    من ريف دمشق, مدوّنة وصحفية سورية الثورة نَفَسي وروحي.
   نشر في 04 مارس 2015 .

التعليقات

ان شاء الله ربي يفرج كربك يا سورية
0

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا