قطوف من تاريخ الاندلس (2) - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

قطوف من تاريخ الاندلس (2)

الفتح الاسلامى -عصر الولاة

  نشر في 20 أبريل 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

بعودة القائدين موسى وطارق يبدأ في الأندلس عصرًا جديدًا هو عصر الولاة (95هـ -138هـ) واستغرق هذا العهد حوالي 42 سنة تولى حكم الأندلس خلالها عشرون والٍ حكم اثنان منهم مرتين هما (عبد الرحمن الغافقي – عبد الملك بن قطن) (1).

ومن ثم، يصبح مجموع فترات حكم الأندلس اثنين وعشرين سنة، أي أن متوسط فترة حكم كل والٍ أقل من سنتين (2).

هذه الفترة على قصرها في غاية الأهمية ففيها وضع الكثير من مقومات حكم المسلمين بالأندلس، فجاء الإسلام ليقضي على عوامل الظلم والاستغلال من القلة الباغية من الأمراء والنبلاء ولينقذ سواد الناس في الأندلس من الرق والعبودية، وحمل الإسلام حين مجيئه أرض الأندلس مشاعل العدل والحرية والمساواة، والتي أنارت ظلام أوروبا لمدة تربو عن ثمانية قرون (3).

عومل أهل الذمة الذين دانوا للإسلام بالطاعة وارتبطوا بالحكم العربي معاملة خاصة باتفاقيات ومعاهدات تنظيم الجزية التي يؤدونها، مقابل اضطلاع المسلمين بالدفاع عنهم، وإبقائهم على أوضاعهم القديمة، وتحفظ عليهم دينهم، وتصون حرمة أموالهم، وتمنحهم قدرًا كبيرًا من الحريات المدنية والاجتماعية (4).

وكان من أثر هذه السياسة أن رضي المسيحيون بالنظام الجديد، واعترفوا في صراحة أنهم يؤثرون حكم العرب على حكم الإفرنج أو الفوط، ومن أبلغ الأمثلة على رضا المسيحيين عن حكامهم الجدد أن ثورة دينية واحدة لم تحدث في البلاد في هذه الفترة (5).

أما بالنسبة للإصلاحات الاقتصادية فالحكم الإسلامي عمل على تخفيض الضرائب وتبسيطها، فيما يتعلق بالجزية طبق الولاة العرب في الأندلس أحكام الإسلام فلم تزد على دينارين، ولم يقل مقدراها عن اثني عشر درهمًا، وكانت تتراوح قلة أو كثرة حسب مقدرة الشخص المادية (6).

أما عن الخراج وملكية الأرض فكانت نوعين: أراضٍ خاصة بالفاتحين المسلمين، وجرى تقسيمها كالتالي (أراضي الولايات الشمالية للبربر- أراضي الولايات الجنوبية للعرب).

أما النوع الثاني من الأراضي فهو الأراضي التي تركت لأصحابها الأصليين، وكان ملاكها يؤدون عنها الخراج فقط، ولم يكن يتجاوز عشر المحصول، وكان الخراج (ضريبة الأرض) يفرض بالتساوي على من يجور الأرض مسلمًا أو ذميًّا معاهدًا .

وهكذا حرر العرب الفاتحين الزراع من الإقطاع القديم وتملك الفلاحون الأراضي للمرة الأولى في حياتهم، وأصبح لهم حق التصرف فيها بالبيع أو بالشراء بعد أن كانت ملكيتهم تنتقل من سيد إلى آخر بمجرد بيع الأرض، فلم يكن عجيبًا على من أعطى الحرية الدينية لهؤلاء أن يمنحهم حق ملكية الأراضي والتصرف بها بيعًا وشراءً (7).

ومن السمات المميزة لهذه الفترة – أيضًا- أن اتخذ المسلمون قرطبة عاصمة لهم، وقد كانت طليطلة في الشمال قبل ذلك هي عاصمة الأندلس، ولكن وجد المسلمون أنها قريبة من فرنسا، وبالتالي فهذا مصدر للخطورة عليهم؛ فاختاروا قرطبة التي تقع في الجنوب لأنها قريبة من المد الإسلامي والمسلمين في بلاد المغرب (8).

أما على صعيد الفتوحات، كان الجهاد في فرنسا أهم السمات المميزة لتلك المرحلة، وكانت بفرنسا مدينة إسلامية واحدة هي مدينة (أربونة) تلك التي فتحها موسى بن نصير (9). وفي عهد الولاية الرابعة – ولاية السمح بن مالك الخولاني- تم فتح كل منطقة الجنوب الغربي الفرنسي، ثم أسس مقاطعة كبير وهي مقاطعة سبتمانيا (10).

ومما تجدر الإشارة إليه أن السمح جرى تعينه في عهد الخليفة الأموي (عمر بن عبد العزيز) خامس الخلفاء الراشدين. وأخذ (السمح الخولاني) يستكمل الفتوح في فرنسا إلى أن استشهد في معركة تولوز بـ (طرسونة) (11).

واصل حركة الجهاد من بعده الوالي (عنبسة بن سحيم) والذي نجح في فتح مدينة (سانس) وتبعد عن (باريس) مسافة ثلاثين كيلومترًا، وهذا يعني أن 70% من أراضي فرنسا كانت بلادًا إسلامية وتضاعف في أيامه خراج بلاد الغال (فرنسا). وافتتح (قرقشونة) ثم استشهد وهو في طريق عودته للأندلس (12).

ثم آلت أمور الأندلس إلى ولاة على غير عادة السابقين، فعلى مدى خمس سنوات فقط تولى إمارة الأندلس ستة ولاة كان آخرهم (الهيثم الكلابي)، وكان عربيًّا ومتعصبًا لقومه، ثم دبت النزاعات بين المسلمين العرب والمسلمين البربر إلى أن قدر الله لرجل إنقاذ سفينة المسلمين بالأندلس من نار الفتنة، قبل أن تحترق، وكان ذلك الرجل هو عبد الرحمن الغافقي (13).

نجح (الغافقي) في فتح مدينة (آرل- بود- طلوشة- تور) ثم (بواتيه)، وعسكر في الأخيرة عند منطقة تسمى البلاط، وأخذ يستعد لمواجهة النصارى وكانت حملته هذه أكبر حملة تدخل فرنسا، ولكنه مني بهزيمة ساحقة في موقعة بلاط الشهداء أمام شارل مارتل (14).

وظهرت مملكة نصرانية في الشمال الغربي تسمى (ليون). وعادت العصبية تنشب أظافرها في الأندلس بين المسلمين من عرب وبربر من ناحية، وبين العرب أنفسهم (القيسيين واليمينين) من ناحية أخرى.

وكادت الشمس تزول عن دولة الإسلام الناشئة في الأندلس إلى أن سخر الله لأمر المسلمين رجلًا فتيًا خرج من بطن المحنة السوداء (سقوط الخلافة الأموية في الشرق)، ليكون مصباحًا منيرًا لظلمة الأندلس في ذلك الوقت وهو (عبد الرحمن بن معاوية) الذي لقب بالداخل، ولقب كذلك بـ(صقر قريش) (15).

فر عبد الرحمن من المذابح المروعة التي لحقت بأمراء بني أمية في أعقاب سقوط دولتهم على أيدي العباسيين، فر إلى الأندلس ونجح في القضاء على الفتن والاضطرابات الداخلية وقوى دعائم حكمه، وأسس الإمارة الأموية بالأندلس التي استمرت زمنًا طويلًا (138 -422) هجريًّا (16).

وفي عهده قام الإمبراطور (شارلمان) بغزوة لبلاد الأندلس، وفشلت ولم تحقق أهدافها وانقض العرب على مؤخرة جيشه لدى عودته متقهقرًا، وبعدها مات عبد الرحمن الداخل وخلفه ابنه هشام الذي لقب بـ(الرضي)، وكان ذلك في عام 172 هجريًّا (17).

وكان هشام عالمًا محبًا للعلم وقد أحاط نفسه بالعلماء والفقهاء؛ مما كان له عظيم الأثر في نشر اللغة العربية ببلاد الأندلس، حتى أصبحت تدرس بمعاهد اليهود والنصارى داخل أرض الأندلس (18).

ويرتبط عهد هشام بدخول مذهب الإمام (مالك) أرض الأندلس، وصار فيما بعد مذهب جمهور أهل الأندلس، وصار لفقهائه نفوذ كبير عليه بحيث إنه لم يكن يقرر أمرًا من أمور الدولة إلا بمشورتهم (19).

خلف هشام ولده (الحكم) وارتبط عهد بحدثين هامين هما: استيلاء الفرنجة على برشلونة وتأسيسهم ما عرف بالثغر القوطي أو الإسباني، وثورة الربض وهم سكان الضاحية الجنوبية بقرطبة وتزعمها الفقهاء، ولكن الحكم عاملهم بقسوة وقضى على ثورتهم ونفى ما تبقى منهم إلى خارج قرطبة وخارج الأندلس، وصار يعرف بـ (الحكم الربضي) نسبة إلى هذه الثورة التي أخمدها (20).

خلف الحكم ابنه (عبد الرحمن) الذي لقب بـ (الأوسط) وعصره أزهى عصور الخلافة ولذلك عرفت بـ (أيام العروس)، وصارت للأندلس مكانة مرموقة في عهده، قامت علاقات دبلوماسية قوية مع أقطار خارجها، واستقرت قواعد الدولة الأندلسية وصار لكل نشاط من أنشطة الدولة خطة (تقابل الآن الوزارة)، ويرأس الجميع حاجب (يقابل رئيس الوزراء الآن) (21).

وبوفاة (الأوسط) بدأ عهد ضعف الإمارة الأموية وتولى بعده ابنه محمد ثم اثنان من أولاده (المنذر- عبد الله). وفي عهد الأمير (محمد) شهدت الأندلس سنوات متوالية من القحط واضطراب عوامل الطبيعة، ولم تحسن الدولة سياستها تجاه هذه الأزمة؛ فاندلعت ثورة في البلاد دعيت بالفتنة الكبرى استغرقت ستين سنة من جهد الدولة الأندلسية في ذلك الوقت (22).

وأشهر قادة هذه الثورة يدعى (عمر بن حفصون) وينتمي إلى أصل إسباني نصراني. أسلم أجداده فدانت ذريتهم بالإسلام، ولكنهم كانوا يسرون النصرانية. واتصل بنصارى قرطبة وتعاون معهم ضد الدولة الأندلسية، وذهب إلى ما هو أبعد من ذلك حيث اتصل بالدولة الفاطمية الشيعية الناشئة بالمغرب وبايعهم وبالطبع كان يريد العون والمساعدة منهم ضد الإمارة الأموية في الأندلس (23).

لم يكن (ابن حفصون) هو الثائر الوحيد في هذه الفترة، بل كان هناك آخرون، وكان ابن حفصون أشهرهم وربما أخطرهم.

وفي ذلك الظلام الموحش والظروف الحرجة والفتنة التي نشبت بأظافرها جسد دولة الإسلام الضعيف، كان من الطبيعي زوال دولة الإسلام في الأندلس بلا رجعة .

ولكن كما أنعم الله على المسلمين بـ (عبد الرحمن الداخل) الذي أنقذ دولة الإسلام في أعقاب ضعفها أواخر عهد الإمارة، أنعم على مسلمي الأندلس للمرة الثانية، بأمير قوي أعلى من شأن الإسلام فأعلى الله دولته. وخلد ذكره وأصبح أعظم ملوك أوروبا في عصره بلا منازع إنه (عبد الرحمن الناصر).

وفي المقال القادم بإذن الله سيكون حديثنا عن (عبد الرحمن الناصر) وقيام الخلافة الأموية في الأندلس.

مع أطي


  • 4

  • ibrahim kamel
    خريج اداب القاهرة قسم تاريخ - الثالث على الدفعة -تمهيدى ماجستير تاريخ اسلامى
   نشر في 20 أبريل 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا