الشّعر مخلوق نابض بالحياة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الشّعر مخلوق نابض بالحياة

الشّعر مخلوق نابض بالحياة

  نشر في 04 يونيو 2018  وآخر تعديل بتاريخ 10 يونيو 2018 .

يا أيّها النظّامون لو أنّ أقلامكم عفّت، وأذعنت لأمر ربّها وكفّت، وتركت الشعر وشأنه، فما أنتم في نظمكم الشعر بالنّسبة إلى الشاعر الحقيقيّ إلّا كمن يَخلق جسداً ميتاً لا روح فيه، تعاف قربه الناس، إذ لا يزيدهم قربه إلّا وحشة إن هم طلبوا أنساً، وغمّاً إن هم طلبوا رَوحاً، إلى من يخلق من الطين على هيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيراً بهيّ الجمال، يحرّك سحره أعماق القلوب الراكدة فينشيها، أويفتح المآقي الجامدة فيجريها، أويطرب النفوس الوقورة الساكنة، يُبرئ المكتئب، ويسرّي عن المكروب. أيّها النظّامون، إنّ الشعر وحي تجري فيه دفقة من الحياة معبّئة بالعاطفة، متوهّجة بالحماس. ولو كان الشعر وزناً وقافية ليس إلّا، لكتب الشعر الناس كلّهم جميعاً. ولصار الشعر مطواعاً بيد كلّ من شاء أن يأتي به. فبما أنّ الشعر وحي يلهمه الله لمن يشاء، فعبثاً تحاول أن تبتغيه إن لم يبتغيك هو. وتكلّفك في كتابته لن يخفى عن متذوّق الشعر ذي الذائقة السليمة، فضلاً عن الشاعر والناقد والأديب. فإن لمست في نفسك ميلاً إلى صناعة الشعر، فصغ منه بضعة أبيات، ثم اترك ما صغت ولا تراجعه أو تفكّر فيه عدّة أيّام، ولتكن لا أقلّ من أربعة أيّام ثمّ عد إليه وانظر، هل يبثّ في نفسك مثل ما يبثّه عمل الشعراء الناجحين؟ ولا تصانع نفسك في الجواب ولا تداهنها ولا تركن إلى رغبتها، بل انظر بعين العقل واحكم بالعدل. وإلّا فإنّك إذا جاملت نفسك ونزلت على حكم هواها، وارتضيت أن تُشِيع نظمك لتوهم الناس أنّه شعر وما هو بشعر، فاعلم أنّ الذائقة لن تستسيغ إلّا ما هو حسن، وسيُنبذ الرديء ولا شكّ. فإن لم تستطع أن تحكم على شعرك، أو ارتبت في الحكم أصادر عن العقل هو أم عن هوى النفس، فخذ ما كتبت واعرضه على ضليع في هذه الصناعة، عادل في حكمه، وارضَ به حكماً.

وجرّب أن تطلق أفكارك من عقال قيود الأوزان الشعريّة وتكتبها نثراً، فلعلّ توقك إلى الكتابة يُصبّ في نصوص نثريّة تنبض بالحياة والجمال والفائدة، وهو ما لن تحوزه لو كانت شعراً. وأجرِ على نصوصك الاختبار ذاته الّذي ذكرناه لمعرفة قيمة الشعر، فالنثر لا يقلّ عن الشعر أهمّيّة.

أيّها النظّامون المتكلّفون لو أنّكم كففتم عن تكلّف النظم، ثمّ أُسقط كلّ نظم متَكلَّف عن ركب الشعر، لنُقّي عالم الشعر كما يُنقّى الدقيق الأبيض من النخالة. وإذا كان الشعر بحراً لا تدرك قاعه، فأبياته هي ياقوته ومرجانه ولؤلؤه الّذي لا يقدر على استخراجه إلّا الغوّاص الّذي يجيد التغلغل في أغوار هذا البحر لما وهبه الله من القدرة على الغوص فيه ورؤية ما لا يراه غيره. أمّا النّظّامون فيغرقون فيه، ويتخبّطون في ظلماته، فيستخرجون منه الحصى الّتي لا قيمة لها ظنّاً منهم أنهم قد عثروا على جواهر ثمينة. ولو أخذوا بالنصيحة لأخرجهم أرباب الصناعة من ظلماته إلى النور خارجه.

انظروا إلى هذه الصورة الشعريّة كيف تموج بالحيويّة:

ماأنسَ لا أنسَ خبازاً مررتُ به ... يدحو الرُّقاقة َ وشكَ اللمحِ بالبصرِ

ما بين رؤيتها في كفه كرةً ... وبين رؤيتها قوراءَ كالقمر

إلا بمقدارِ ما تنداح دائرةٌ ... في صفحة الماء يُرمَى فيه بالحجر

برغم أنّه صوّر شيئاً لا يلتفت إليه أحد منّا ولا يعيره انتباهه، ولا يرى فيه شيئاً من الجمال، إلّا أنّ الشاعر استطاع أن يراه من زاويته، وأن يصوّره بصورة رائعة. على عكس من ينبري معالجاً أمراً في غاية الجمال والأهمّيّة كالحب والشوق مثلاً، فلا يخرج إلّا بصورة هزيلة لا ترقى إلى جمال ما تصدّى لمعالجته، بل ولا شيء فيها من جماله وقدره. 


  • 2

   نشر في 04 يونيو 2018  وآخر تعديل بتاريخ 10 يونيو 2018 .

التعليقات

creator writer منذ 2 أسبوع
لم اقرأ مقالك بكل صدق ،، لكن الصورة أسرتني ، لم أتمكن إلّا من تأملها لوقت طويل ، احسنت الاختيار
1
علي العربي
لكنّي بكلماتي اجتهدت أن أرسم صورة تشبهها. تفضّلي واقرئي المقال، إذا رأيته يشبه الصورة في شيء ما فأبقي على الإعجاب، أما إذا وجدتِ بينهما بوناً فأزيلي الإعجاب، واحكمي بكلّ صدقٍ.
creator writer
بالطبع أخ علي لقد قرأته في وقت لاحق ، وما زال يستحق الاعجاب ، دام قلمك وابداعك :)
فوزية لهلال منذ 2 أسبوع
ألا سلمت يداك سيدي على هذا الطرح..
2
علي العربي
شكراً أستاذة فوزيّة، سلّمك الله وحيّاك

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا