"أين المفرّ ؟" و لا مفرّ ! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

"أين المفرّ ؟" و لا مفرّ !

روايةٌ من رحمِ تبعات الثّورة

  نشر في 07 فبراير 2018 .

بالتّزامن مع جمهرة التّحليلات و المراجعات التي خلقها ما باتَ يُعرف اليوم بشهر الثّورات، صدرت هذه الأيّام آخر روايات الد. خولة حمدي. فانضافت للسّاحة الأدبيّة، قصّة أخرى من قصص الثّورة و أحاديثها. و هذه المرّة، نعودُ للمهد، حيثُ صرخات الوليد الأولى و الأيّام الموالية لها، نقلا لإرهاصات التّفاعل المبكّر مع الثّورة التّونسيّة. و قد نُشر للكاتبة إلى حدّ الآن ثلاث روايات لا تزال إلى السّاعة تتصدّر قوائم أعلى المبيعات في مصر، حيثُ نُشرت و احتفت بها قاعدة القرّاء العريضة، و في غيرها من الدّول العربيّة، أين وُزّعت بعد انتظارٍ طويلٍ شيّق.

و كما سيلاحظ الكثيرون، فإنّ صاحبة الرّواية قد اختارت الإبقاء على عنوان عملٍ روائيّ سابق لها، لم يتسنَّ له بلوغ مرحلة النّضج، و رغم ذلك تمّت قرصنته و نشره دون موافقتها، في محاولة منها للرّدّ على ظاهرة الإستيلاءِ غير اللّائقة تلك. و حسنا فعلت، في رأيي، ذلك أنّ "أين المفرّ؟" يمثّل عنوانا مناسبا حقّا لفحوى الرّواية الأصليّة الصّادرة حديثا و لأبعادها.

النصّ عامّة و الرّواية على وجه الخصوص مرآة، شئنا ذلك أم أبينا

مهما ظهر من سهولة الولوج إلى أسطرها و التّبضّع السّريع من حبكتها و أحداثها، تبقى الرّواية، في العمق، شاهدة من شواهد العصر الذي وُلدت فيه و منه. و هنا تحملنا الانطلاقة نحو أحد نقاط قوّة الرّواية الأهمّ ألا وهي الرّاهنيّة، و القرب من مجريات الواقع، و إن بعينٍ روائيّة تحمل مجريات الميدان على عاتق المتخيَّل. تعود الرّواية لتوثيق لحظات ما بعد الثّورة التّونسيّة مباشرة. و ما أحوجنا لتدوين متعلّقات تلك اللّحظات و للعودة إليها، لتصحيح عدد من المسارات، لتذكية ما خفت من توهّج و لتعديلٍ متفكّر رصين للبوصلة. في شكل قصصيّ، يضفي شيئا من الحياة على معالم الزّمان و المكان و الأحداث، نجد ههنا نوعا من التّوثيق الذي لا بدّ منه، مُضافا لباقي القراءات.

ثمّ تأتي الحبكة، كإحدى نقاط قوّة الرّواية أيضا و التي تجعلها قائمة الذّات و تجعل القارئ مقبلا على إنهائها. هناك أحداثٌ متلاحقة تتلاعب بشخوصٍ مثيرة للمتابعة، فتحرّكها و تسكنها حسبما ما شاءت. هناك شباب حاضر بقوّة، وهو الأهمّ، ما بين همومه الشّخصيّة و همّ المعطى التّاريخيّ و الجغرافيّ. الشباب الذي يعيش أصعب لحظاته كفردٍ في خضمّ ظرفٍ اجتماعيّ عامّ صعب. و لا يكاد يجد معايير ثابتة يُعوّل عليها كمنصّة إقلاع. لا يجد غير نفسه التي لا تزال تبحثُ أصلا عن ذاتها، و عن موقعها من المشهد ككلّ.

هناك أيضا، في نفس الإطار، الكثير من الحديث و التنقّل ما بين الخارج و الدّاخل؛ الخروج و العودة مرّاتٍ و بوضعيّات تختلف لتصبّ في نفس اتّجاهِ قراءة التحرّكات على الأرض. و المطار أو "طريق المطار" كما هو مصطلح على ذكره في التّسمية المتداولة و الذي صار أيقونة في الحديث اليوم، كرمزٍ للنّجاة و كمسمّى تحتشدُ فيه الفرحةُ التي لا يتمكّن من الحصول عليها الشّاب أو الشّابة ما بين أسوار حياته اليوميّة و عناءاته التي لا تتوقّف. وراء ثنائيّة الخروج و العودة، تقبع ثنائيّة مقولتين : "ماهو مقدّر لك، لن يُخطئك" من جهة و "إن أردت الحصول على أمر فاذهب و احصل عليه" من جهة ثانية. و إذا أسقطنا القول على واقع شباب ما بعد الثّورة، تنبثق الأسئلة و تتشعّب أكثر؛ هل نقبل مبدئيّا معطى انتمائنا اللّامشروط لأوطاننا التي خُلقنا فيها و لم تضطرّنا قنابلُ فسفوريّة لتركها قسرا بعدُ، و نفكّر بتصويب الخاطئ فيها و تعميرها. و لسنا في ذلك أوّل البشر الذين يقفون على الخور و تكون مهمّتهم محاربته و استئصاله و تنصيب اللّائق و المرضيّ مكانه؟ و هنا "نستسلم" إيجابيّا للقدر الذي اختار لنا حلبة الصّراع الذي سنخوضه في الدّنيا. أم أنّ أوطاننا هي ما نحكم نحن بأنّه أوطاننا، كمفهوم غير موروث و إنّما كنتيجة لقرارٍ شخصيّ و اختيار يكون بمثابة إجابتنا الخاصّة على أسئلة ظروفنا و عصرنا. و هنا سنذهب للخارج، لنحصل على "ما نريد" إن كنّا نعرفه و نثق أنّه فعلا حقيقةُ ما نحتاجُ و ما يصلحُ لنا.

عن الحقّ في المشاركة في صنع الأحداث

الرّواية تعطينا فرصة، كما تعطي لشخصيّتها الرّئيسيّة المجال الظّرفيّ، للتّعرّف على الذّات أكثر – و هنا يتنزّل المرور باكتشاف الصوفية مثلا و المحافظة و مقابلاتها و عدد من التّيّارات في خضمّ الرّواية- و للتّعرّف على ما يصنع الوطن حقّا؛ ماهيّته، و مِنهُ، محدّدات علاقتنا به. هل هم الأشخاص ؟ هل هو المناخ ؟ هل هي الظّروف ؟ هل هي تربية معيّنة ؟ تعاليمُ تشربّناها منذ الصّغر رغما عن عقولنا الصّغيرة المستفهمة ؟ أم هو شعور باطنيّ يصعب تفسيره و التّعبير عنه لفظيّا و لكنّه حاضر في الوجدان، بما لا يدع مجالا للتّشكيك في صحّته و قوّته و تنفّذه بل و خصوصيّته النّابعة من دواخل الذّات. ذاك الشّعور بالانتماء، الذي لا يقبل التّوصيف و الذي لا يكونُ عيشٌ سويٌّ بدونه. الشّعور بالقدرة على الحركة. الحقّ في الفعل على مستوى شاسع. وهو حقّ لا يتأتّى إلّا و معه بالضّرورة موجباتُ فعل ما. الفراغ الذي يستجلب الملء؛ الخور الذي يستدعي الإصلاح؛ الكوارث التي تستحثّ خطى من يردّ عليها. باعتبار أنّ الأمور إن كانت على ما يُرام، فلا معنى للتدخّل و المحاولة. و ما دام الغليان قائما، فللطّبّاخِ فرصةٌ للخلق و "التّصنيف". بلا نارٍ، مستعرة أو هادئة، لا نحصل على مذاقٍ حقيقيّ في نهاية تدخّلنا و تعديلنا لمقادير خلطة المعطيات، إلّا فيما يجري مجرى الاستثناء.

الكاتبة تدفع القارئ، بهدوء و تؤدة، مع اعتمال عدد من المجريات المحسوسة، للوصول بمفرده، عن قناعةٍ، لفكرة أنّه "لا مفرّ" من تحمّل المسؤوليّة و الكفّ عن الهرب. شخصيّة "ليلى"، على سبيل المثال، عاشت على وقع "التهرّب" و "اللّا مواجهة" منذ طفولتها. قضّت بداية عمرها على أراضي "جنّةٍ" أوروبّيّة، إن صحّ التّعبير، بحكم مهامّ والدها الدّيبلوماسيّة. ثمّ، و في إطار حياتها العاطفيّة، لاذت بالفرار مجدّدا عن قصد أو عن تعوّد لا شعوريّ. و تكاتفت الرّسائل "القدريّة" لاحقا لتجعلها، و من خلال دراستها الأكاديميّة للثّورة كظاهرة، ترسم ملامح فهمٍ خاصّ جديد لما يجري و لوظيفتها و دورها فيه و الأهمّ، لخطّة تعامل و ردّ فعل جديدة مع الحياة. و بعيدا عن الشّخصيّة الرّئيسيّة، الشّخصيّات عامّة جاذبة للاهتمام و منوّعة، على قدر معتبر من التّمثيليّة. نجد فيها الأصوات المتعالية من هنا و هناك، السّاخطة و الحالمة، و الثّوريّة و الرّجعيّة، العاطفيّة و المعقلنة، الرّساليّة و المادّيّة الضّيّقة. لكلّ منها قولٌ و فعل.

بقيت مؤاخذتي الوحيدة على ما قرأت، متركّزة في أنّ الرّواية ربّما تحتاج شيئا من "الخبث" الرّوائيّ أو الأدبيّ إن جازت استعارة العبارة من الميدان الرّياضيّ الكرويّ، لتقنع بشكل لا يحتاجُ لوقفاتٍ تأمّليّة "مُنقادةٍ بالسّلاسل" في بعض الأحيان. و مع ذلك، لا أستطيع أن أنفي حقيقة أنّ البساطة و الانسيابيّة عمليّة جدّا و أقرب للقارئ في الجملة و أقدر على طرق أبواب عدد كبير من القرّاء و بالتّالي على التّأثير. هذا ما يقارعني به ذهني كلّما تمنّيت لمسةً أدبيّة جماليّة أظهر، لتخرج الرّواية في حلّة فذّة !

شيءٌ من جَمالِ الأصالة المضمّنة

و مع ذلك، دعوني أسجّل، ختاما و بشكل شخصيّ، إعجابي الكبير بآخر جزء من الرّواية. لأنّه حوى تكثيفا جزيلا و في العمق لرسالتها. استمتعت للغاية بالتهامه. كان مؤثّرا و معبّرا بشدّة و بموضوعيّة محترمة عن الوضع. ثمّ إنّي أحببت المعالم الأصيلة التّونسيّة التي بُثّت ما بين السّطور و كاد يُزغردُ قلبي للتّعثّر السّعيد بها عبر المكتوب؛ تفاصيل صغيرة لتلك الجولات على عين المكان بالعاصمة، المدينة العتيقة كما يراها و يرتادها التّونسيّون اليوم و يعيشون في ميادينها و ساحاتها. و توقّفت منتشية أمام الحديث عن الكشّافة التّونسيّة و عن الجيش و بالذّات موقع كلّ منها كصرحِ بناءٍ و كفاعل متينٍ في السيرورة التّاريخيّة و في ملاءمة المسار الذي يوجّه الحاضر و المستقبل.

القصّة المضمّنة داخل الرّواية هي جزء من كلّ، من قاعدةٍ تعيش أزمة على مختلف الأصعدة و بالذات في العمق الاجتماعي، الفكري، التّصوّري، بُعيد الثّورة في تونس و قس عليها واقع عدد من الشّعوب العربيّة. و الرّوايات أو الكتابات التي توثّق لما يجري و تنقله، و إن بعيون مختلفة متنوّعة بل و متضاربة أحيانا – لابأس في ذلك- شحيحة للغاية اليوم. و بالذّات مقارنة بالظّرف التّاريخيّ الهائج و الدّسم، الذي نعيشه. نعم، "أين المفرّ؟" تطرح قضايا و مسائل حارقة، تعبث بفكر و وجدان الشّباب، تتحكّم بوتيرة حركته من عدمها، سواءً عاش الظّرف بكلّ وعي أم لم يتفطّن لكلّ ما يعتمل فيه و يعايش جرّاء معطيات الوضع العامّ. و لهذا، تستحقّ مكانها بين أيدِي القرّاء و على الرّفوف.


  • 3

   نشر في 07 فبراير 2018 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا