لا تِقْرا عليّٓ !! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

لا تِقْرا عليّٓ !!

يخافون من التمتمة

  نشر في 09 فبراير 2016 .

انطلقتُ بسيّارتي إلى الشّارع الرّئيس المحاذي لمنزلنا ولم أُكْمل بعْد قراءة السّورة القرآنيّة الكريمة (يس والقرآن الحكيم) ولا زالَ فمي يُتَمْتِم بها مُحَرّكاً شفتايَ بآخر مقطعين منها بشكْل تِلقائيٍّ تَعوّدتُ عليه يوميّا ـ ولله الحمد ـ تنفيذاً لوصايا عالقةٌ في ذهني وطبيعة تفكيري منذ صغري تكرّرَتْ على مسامعي من والدتي حفظها البارئ من كلّ سوء ..

لا زلتُ في هذا الشّأن الرّوحيّ العادي جدّاً بالنّسبة لي ولم أقطعْ بعدُ غير أمتارٍ قليلة في ذلك الطريق حتى توقّفتُ فجأة خلف سيارةٍ تخضَعُ لتفتيش روتيني في شوارعنا من قِبَل رجال المرور الحريصين فيما نشاهده من تصرّفاتهم على الاطمئنان بأنّ جميع رُخَص السّير سارية المفعول مطابقة للاسم المدوّن في ملكيّة السيّارة ومستعدّين تماماً لسدّ أي تقصير من هذه النّواحي بقسيمة برتقاليّة اللون تَزُفُّ لصاحبها بُشْرى دفع مبالغ ماليّة للجهات المعنيّة ..

وأثناءَ استقرار هذا المفهوم داخل ذهني رغم انشغال أعصابي الكلاميّة الهَمْسِيّة بتلاوة أواخِر الآيات من سورة (يس) تقدّمْت لدوري في الفحْص المروريّ المتّبع واضعاً يدي اليُسْرى في جيبي لأخرج رخصة القيادة وأنا مستمرٌّ في القراءة السرّيّة والتلاوة المتتابعة عَلَّني أنتهي من السورة قبل مخاطبة سيّدي رجل المرور بِفَمٍ خالٍ ..

لكنّ ذلك الشّرطي صاحبُ البداهَةِ الحاضرة والمراقبة الثُّنائيّة للسيارات بشَكْلٍ يدعو للإعجاب عاجَلني بطلبٍ استعطافيّ غريبٍ في مَغْزاه سريعٍ في طرْحِه حيث قال لي مباشرةً بعدَ فَتْحي لزجاج النّافذة بلهْجتِهِ العامّيّة : (لا تِقْرَا عَلَيَّا) ..

حاوَلْت الابتسام والمُدافَعة عن ظنّهِ السّيئ فيَّ وقبْلَ أن أنْبُسَ ببنتِ شفة أَمَرَني بالتحرُّك فوراً فما كانَ منّي إلا أنّني انطلَقْتُ لحال سبيلي وأنا أفكّر في ردّة فعل ذلك الرّجل بعد أن أنساني عند أيّة آيةٍ توقّفْت في القراءة وحمَلَني على تحليل وتركيب واستعادة وتقييم للموقف بشكل يُعيد لي فهْمَ ما حدَث ..

توقّعتُ أثناء تفكيري أنّ صديقي رجل المرور كان مشغولاً بمراقبة تمتمتي وأنا على بُعد أمتارٍ قليلة منه في سيارتي خلف السيّارة التي كان يتفحّص أوراق سائقها فغاظَتْهُ تلك الحركة الشِّفاهيّة خوفاً أن تكون قراءةً لأورادٍ أو طلاسْمَ تؤثّر على أدائِه لِيَغُضّ الطّرف عن مخالفاتٍ متوقّعة لديّ ..

كما أنّني عرّجْتُ لاحتمالٍ آخر أنّ انشغالي بقراءة القرآن (مخالفة مروريّة) رغم أنني أقود سيّارتي الخاصّة بي وأسير في بلدي الذي أنتمي إليه وأحمل جنسيّته رابطاً حزام الأمان سائراً في المسار المناسب لسرعتي القانونيّة التي لم أتجاوزها متوقّفاً احتراماً وإجلالاً لنقاط التّفتيش أيّاً كانَ غرضها طالما أنّها تحمل هيئة رجال الشّرطة ، لكن يبدو أنّ حضور الذّهن والقلب والحواس والأعضاء والانتباه واجبٌ حيال المثول أمام رجال المرور الأكارم دون أيّ شاغل أو صارفٍ مهما كانت قداسته ..

تداخَلَتْ لديّ الأحوال واشتبَكَت بداخلي التخيّلات فقُلتُ لنفسي لو أنّني كنْتُ أتحدّث في هاتفي المحمول ورآني نفس ذلك الشّرطي هل سيوقع عليّ غرامةً ماليّة تمّ إقرارها حديثاً في أنظمة المرور ، أم أنّهُ سيتخيّلُ أنّني أتحدّث مع مسئول مروريّ كبير أشكوه إليه بأنّه لا يلبس (بزّته) العسكريّة بالشّكل الرسمي المأمول أو أنّني أتوسّط به أن يقيني شرّ التفتيش إن ظهر أن رخصة القيادة التي أحملها تخطّتْ تاريخ الصّلاحيّة الممنوح لها ولم أقم بتجديدها ..

ثمّ جالَ بخَلدي أنّ للقرآن الكريم بحروفه وكلماته وجمله وسوره وآياته دورٌ كبير في حياتنا اليوميّة إعجازاً وتسخيراً وفق ما علّمنا إيّاه رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلّم خاصّة فيما يتعلّق بتحصين النّفس الإنسانيّة من الشرّ العام وتأكيد الشّارع الحكيم على قراءة الأذكار التي تحمي المؤمن بعد توفيق ربّ الخلق من شرّ كلّ دابّة هو آخذ بناصيتها ونحن نعلمُ أنّ القرآن كلام الله وكلامه صفتُه وصفات الباري عزّ وجلّ من أوائل ما يدعو بها المسلم إلهَهُ ..

لكنّني وفي نفس الوقت لم أستوعب امتعاض ذلك الرّجل من قراءتي تحتَ أيّ احتمالٍ من الاحتمالات السّابقة ، وماذا يضيرُهُ إن رآني أقرأ ؟ وهل يفهَمُ هو أو غيرُهُ أنّ القراءة لشيء من الكتاب العزيز لا تكون إلا على شيء أو شخص أو مرض أو طلب ؟ أم يخشى أن أكون من أهل التنويم المغناطيسي أو الديناميكي أو العصبي ؟ أو أنّه يرى فيّ مشعوذاً ودجّالاً يخشى ضُرّه فصرَفَهُ عنه سريعاً ؟ وليس بعيداً أن يكونَ ذلك الرّجل الطّيبُ خشِيَ أن أكونَ مصاباً بمَرَضٍ هِستيريّ أو جنونيّ نأى بنفسه عن إثارته له ؟ وربّما يكون قد لاحظَ بمعاينتِه الدّقيقة لي من بعيد أنّني أقرأ سورة (يس) بالتحديد فخافَ أن أكون ممّن يقرأ السّورة على الموتى وهو يخاف من الموت المعنوي والطبيعي خوفَه منّي غير المبرّر ؟ فاحذرْ أن يراك رجل أمنٍ تقرأ حتى لا تقع في دوّامة التفكير مثلي ..


  • 1

   نشر في 09 فبراير 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا