عيون تفسر العالم | كريم أبو الروس . - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

عيون تفسر العالم | كريم أبو الروس .

الحب إن كان حقيقياً يجب أن يكون جسداً واحداً قبل أن يكون جسراً للعاطفة .

  نشر في 22 مارس 2017 .

الساعة الثامنة ، السابع والعشرين من آب

الوقت الذي يمضي وأنت تعود إلى البيت في السيارة، وقتٌ كافٍ لأن ترتب كل أفكارك بصمت وتهرب من كل شيء، الوقت الذي يجعلك تضحكُ هامداً رأسك على زجاج النافذة، مسافراً إلى أبعد ما كنت تحلم به، في هذا اليوم كنتُ أراقب الناس بخوف، أراقب مشاعرهم المختبئة، لا أعلم ما الذي يجري لي، ولم أعش لحظة كهذه في حياتي، حين أعرف عن نفسي أقول بأنني عباءة يجب أن يرتديها النور الذي في قلوب الناس، رجعتُ إلى البيت بكامل سعادتي المفرطة، والطفولية ، أعددت القهوة وإشتريت السجائر وجلست على طاولتي وحيداً أحاول تفسير العالم ونظرة الناس إليه، لم أجد أي تفسيرٍ يليق به سوى ضحكة حبيبتي التي لا زالت مرتسمة أمامي كشجرة تظل واقفة بجوار الجنود في كل الحروب، اليوم كنتُ مثل طائرة ورقية في يد طفل صغير، كانت تطعمني قطع الحلوى بإبتسامة ملائكية وكنت أفتح فمي مثل الرضيع الذي ينتظر صدر أمه، فجأة وأنا أشعر بالتيه في المقهى أمسكت بهاتفي وقرأت رسائل لي مع صديقاتٍ حمقاوات، ورمت نظراتها خلفها وصرخت في وجهي أمام الجميع، سخر الذين يجلسون ممسكين بأكتاف حبيباتهم مني، وقالوا في عقولهم أنني سخرية هذه الساعة .

لحقت بها دون أن أكمل القهوة وقطع الحلوى بإبتسامتها القاتلة، ركضت خلفها في الشوارع، وإنتظرتها أمام الدكاكين الصغيرة، وحتى أنني بتُ أركع أمامها وأتوسل بأن تنتظر لترى إن كنتُ أحبها حقاً أم أنني مجنون من مجانين المدينة، هذه اللطيفة التي تحمل في يديها عشرة أصابع من الجمال، وفي صدرها يختبئ الحنين إلى الحقيقة ، لم تكن تعرف بأن القدر يخبئ للعشاق فرص للحياة، ولم تكن تعرف بأنني عباءتها إلى النور، بعد كل ما حصل وما لم يحصل، أدركت أنني لستُ سوى رقصة في مسرح حزين، وأن وجهي لا تعتليه القصائد، قالت بنبرة صوت لا زالت تصدر الصدى في غرفتي إلى الأن، أنا أحبك وهذا لا يعني أن أظل مرتبطة بعقلك، فالحب إن كان حقيقياً يجب أن يكون جسداً واحداً قبل أن يكون جسراً للعاطفة .

حين توقف السائق في الممر المخصص للعربات، نزل الجميع وظلت رأسي ملتصقة بالزجاج، إلى أن سمعتُ تلك النبرة الصارخة تنبهني لأننا وصلنا، كنتُ حينها وصلت إلى تفسير للعالم، وكتبت بكل ما أملك من سجائر أن العالم لا يموت إن ظلت ضحكتها تختلط بأغاني فيروز في الصباح، وإن كانت هنالك تعابير أخرى للشامة الملتصقة بشفتيها، فإنني أحتاج لنافذة جديدة لألصق رأسي بها وأكتب . 

كتبت هذا السيناريو بسخرية من نفسي، ليتني أعيش هذه اللحظات البسيطة، التي لا تعقيد في تركيبها وفي وقتها، هنالكَ مهرجون، ومجرمون، ويوجد أيضاً فناجين قهوة فارغة، وحبٌ معطوب الذاكرة، حين تكتبُ عن علاقةٍ عابرة أو نشوة إنتهت بمجرد إنتهاء وقتها المحدد عليكَ أن تبحث في تفاصيلها جيداً، لربما يكون هنالك قصة لا يعرفها أحد حتى أنت، لم أتخيل أن رجلاً كان يريد البحثُ عن تفسير للعالم المعقد في عينيّ حبيبته، وهي أيضاً تبحث عن تفسيرَ  لمزاجيته من شجار أصابعه مع طاولة المقهى، هنالكَ في دواخلهم صراعاتٍ يصعبُ على الكاتب أن يفهمها، أو أن يفسرها بدقة، أنت تسرد الحالة العابرة وتكتب عما تراه ولكنك لا تشعر بالشخصية، وإن أصقلت نفسك على الطاولة أمامها، أو على العكس أمامه، لربما تمتنع بعدها عن الكتابة، أو أن تحبُ نفسكَ في هذا المكان، كنتُ أرتب نصاً عن لقاء بين مجنونين، كانا يمتنعان عن الإعتراف كلٌ منهم للآخر، ومن ثم توقفت فجأة عندما عرفتُ أن لا أحد يتوجب عليه أن يعترف طالما أن عيناهما تلمعان نوراً ملائكياً، نوراً يصرخ مطالباً بالخروج إلى قبلة، أو إلى موت أبدي بين ذراعين دافئين، لتفسير هذا العالم هنالك طرقُ كثيرة ولتعقيد المسألة هنالك طريقة واحدة، وهي الحب . 


  • 1

  • كريم أبو الروس
    كريم أبو الروس من قطاع غزة كاتب وناشط مجتمعي وحقوقي، طالب علوم سياسية في جامعة الأزهر .
   نشر في 22 مارس 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا