قصيدة النثر المعاصرة و اساليبها ؛ كتابات كريم عبد الله نموذجا * - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

قصيدة النثر المعاصرة و اساليبها ؛ كتابات كريم عبد الله نموذجا *

  نشر في 03 شتنبر 2016 .


أنور غني الموسوي

.

الورقة التي القيت في احتفالية جائزة القصيدة الجديدة في 2\9\2016)

.

فصل : مفهوم قصيدة النثر

يقول بودلير ( من منا في لحظته الطموحة لا يحلم بمعجزة الشعر النثري ، من دون وزن و لا قافية ، سلسل بشكل كاف و صارم بشكل كاف لأن يعبر عن غنائية النفس ، و عن تموج الروح ، و عن وخز الوعي ). و تقول باربرا هننغ (Babara Hening ) ( ان قصيدة النثر هي جنس أدبي متاخم -- حيث تكون الطبيعة شعرية لكنه يطرح بشكل افكار و كلام عادي جدا ) . و يقول زيمرمان (Zimmerman ) ( قصيدة النثر هي كتابة متواصلة من دون تشطير ، متكونة من جمل و فقرات ). و تقول مليسا دونوفان (Melissa Donovan ) ( النثر ما يكتب باللغة العادية بالجمل و الفقرات ، و الشعر بطبيعته يعتمد على الخصائص الجمالية للغة ، و قصيدة النثر هي شعر يكتب بالجمل و الفقرات من دون نظم او تشطير . لكنه يحتفظ بخصائص شعرية اخرى كالتقنيات الشعرية و الصور و التكثيف )

مع كل هذا الفهم الواقعي لقصيدة النثر ظهر اتجاه نقدي معاصر ، بدأت بوادره في نهاية تسعينات القرن الماضي لكن ظهر للسطح و صار محورا للنظرية النقدية المعاصرة على يد الرائد فيه البروفسور بيتر هون (Peter Huhn ) الذي نظر و طبق اليات التحليل السردي في الشعر ، و ناقش ان التحليل السردي و علم السرديات يتميز بالشمولية بحيث يمكن من خلاله تناول جميع اشكال الأدب بما فيها الشعر الغنائي ، و كتابه ( التحليل السردي في الشعر الغنائي ) الصادر عام 2005 كان فتحا كبيرا في هذا الاتجاه ، و صارت الان مدرسة كبيرة تعمل على تتبع التقنيات السردية في الشعر الغنائية و متخصصة في هذا الشأن ، معتمدة على منهج ( السرديات العابرة للاجناس )( (transgeneric narratlology .و اهم تلك التقنيات السردية التي برهنوا على وجودها في الشعر الغنائي هي التتابع و التوالي (sequentialty ) و التوسّط والابراز (mediation ) و التواصل و الافصاح ( articulation ) .

فصل : السردية التعبيرية

السردية التعبيرية تعني باختصار سرد ظاهري بكيانات ( وحدات ) شعرية في تطور حدثي شعري ليس بقصد الحكاية و القصّ بل بقصد تجلي المشاعر و الافكار و الايحاء اليها و الرمز الى الاعماق التعبيرية . ان ظهور علم السرديات ( narratology) و تطوره الكبير أدى الى الاعتقاد انّ الشعر يقابله السرد و هذا أمر خاطئ جدا ، بل الشعر يقابله النثر ، و اما ما بقابل السرد فهو الغنائية او ما نسميها ( الصورية ) . فهناك شعر سردي و هناك شعر غنائي ( صوري ) و هناك نثر سردي ( القصّ ) و هناك نثر صوري ( الخاطرة و نحوها ) .

فصل : النثروشعرية .

انّ قصيدة النثر قائمة على التضاد ، التضاد في طريقة الكتابة و تجلي وحداتها الاساسية ، أقصد النثر و الشعر ، انّ النص الأدبي اذا لم يشتمل على شعر فانه لا يكون قصيدة نثر ، و اذا لم يشتمل على نثر فانه لا يكون قصيدة نثر . و بالقدر الذي تطالب فيه قصيدة النثر بشعرية النص فانها ايضا تطالب بنثريته . وهذا الامر اي ضرورية نثرية قصيدة النثر امر غائب بالكلية عن اذهان كثير من الشعراء العرب ، فتجد قصائدهم – التي يصفونها انها قصيدة نثر – تكاد تخلو من كل نثرية ، و هذا يخرج القصيدة و بلا ريب من دائرة قصيدة النثر. نعم هي قد تكون قصيدة و قد تكون شعرا ، لكن مع عدم تجلي النثر فهي ليست قصيدة نثر . النص الذي لا يتجلى فيه النثر لا يصح ان يقال انه قصيدة نثر .

انّ الجوهر التضادي في قصيدة النثر الجامع بين الشعر و النثر شيء لا يمكن تصوره بسهولة و لا قبوله عند الكثيرين ، و هذا ناتج من الفهم الراسخ بان الشعر ضد النثر ، و هذا وهم ، بل يمكن ان يتكامل الشعر و النثر في النص الأدبي ، فكما ان النظامون كانوا يكتبون النثر بشكل نظم ، و القصة الشعرية كانت نثرا مكتوبا بشكل شعر . فانّ قصيدة النثر هي شعر يكتب بشكل نثر . بل حتى الغنائية ( الصورية ) التي هي يمكن ان تطرح بشكل سرد ، فلا تضاد حقيقي بين السرد و الغنائية . انني اعلم ان هذا الكلام قد يعتبره الكثيرون خارج حدود الواقع و المنطق ، الا انه هو الحقيقة ، و لقد اثبتت قصيدة النثر المعاصرة و الامريكية خصوصا ذلك و هكذا نجد كتابات مجموعة تجديد التأريخية اثبتت ذلك أيضا بقصائد نثر يتكامل فيها النثر و الشعر .

تعريف بالشاعر كريم عبد الله

كريم عبد الله شاعر عراقي ، تولد بغداد – 1962 يكتب قصيدة النثر بروح معاصرة و المتجهة نحو الشعر الكامل في النثر الكامل او ما اسميناه ( النثروشعرية ) ، حيث ينبثق الشعر من وسط النثر . فتكتب المقطوعة الأدبية بشكل نثر ، باستخدام ادوات النثر مع التقليل من الادوات الشعرية الشكلية و الاعتماد على البنية العميقة و العالم العميق في تحقيق الشعر و الابهار و الادهاش الشعري .

صدر له : تسع مجموعات شعرية و اخرج مجموعة من المسرحيات و صور تصوير العشرات من الافلام التسجيلية والوثائقية .

فصل : السردية التعبيرية عند كريم عبد الله

مظاهر السرد التعبيري جلية في كتابات كريم عبد الله ، فان القصد منه ليس الحكاية و الوصف و بناء الحدث ، و انما القصد الايحاء و نقل الاحساس ، و تعمد الابهار ، فيكون تجل لعوالم الشعور الاحساس ان الميزة الأهم للشعر السردي الذي يميزه عن النثر وان كان شعريا هو التعبيرية في السرد ، فبينما في النثر السردي يكون السرد لأجل السرد و الحكاية ، فانه في الشعر السردي يكون موظفا لأجل تعظيم طاقات اللغة التعبيرية. وجميع نصوص الديوان نماذج لذلك ، يقول كريم عبد الله في نص

( صور تحمي الساحات)

( مِنْ جديدٍ عادوا يحرسون الساحاتَ بـبنادقهم بينما الرمل يملأُ فوهاتها الصدئة ... الأجسادُ هربت خرساءَ شوّهتها شمسُ الظهيرةِ تاركةً جيوبهم العسكريّةِ تصفرُ فيها ريحٌ تهمسُ في ذاكرةِ الشوارع .... خضّبني هذا التكرار في مواويلِ الحبيباتِ وهنَّ يغزلنَ حكاياتِ العشّاقِ المغدورين في مدافنِ الأيام ...كلّمتهم كثيراً إشاراتُ المرورِ تحنو على أحلامهم المحنّطة )

يتجلى السرد التعبيري بعناصر كتابية نصية اساسية اهمها السرد الظاهري و الرمزية و الايحاء و ممانعة للسرد ببوح شعري ، و بالشعرية الناتجة من ذلك النظام . تقنيات السرد في النص كما في غيره واضحة ، فكأن النص يريد الحكاية و سرد حادثة ، و تبرز الشخصيات و الحدث النصي ، الا انها في النهاية تتجه نحو بوح شعري فلا قصد سردي و قصصي هنا و انما تعبير عميق و شاعرية هي غاية الكتابة برمزية و ايحاءات و بوح شعري . وعلى هذا النسق و بهذه الاسلوبية تسير نصوص الديوان .

فصل : البوليفونية و تعدد الأصوات

ان لتعدد الاصوات و الرؤى مجال أوسع في السرد التعبيري الشعري منه في السرد القصي للرواية و القصة ، اذ ان الاخير يعتمد على الشخوصية القريبة و الحدثية الحكائية ، وهو يتطلب الالتزام بالمعايير اللغوية النوعية في الشخوص و الاحداث و الاعتماد على الشخصية المادية و المعهودة نوعيا ، بخلاف السردية التعبيرية الشعرية فان الانحراف و الخروج عن المعايير اللغوية يمكّن من توسعة الشخصية النصية لتتعدى الشخصية الواقعية و المعهودة الى ما يمكن ان نسميه (بالشخصية النصية ) .

في قصيدة ( بيوت في زقاق بعيد ) تتجلى البوليفونية بتعدد الرؤى و الاصوات بشكل واضح تعكسه و تكشفه التعابير التالية :

1. أشجارها متجاورة الأغصان توحي بعضها لبعضٍ أنَّ أساريرَ الصباحِ تمضي بالتواريخِ صامتةً كالقراطيسِ القديمةِ وهي تشكو مِنْ الشيخوخةِ

2. صوتُ العصافير تحملهُ النسمات كلَّ صباحٍ تتركُ صغارها تتنزّهُ على الشناشيلِ

3. وظلّها يحكي للوسائدِ أنَّ الشمسَ لا تغيب ,

4. إذا دغدغَ الغبشُ أزهاره وهي تستفيقُ على نقيق الضفادع !

5. البيوتُ المتجاورةِ كانتْ تومىءُ للشمسِ أنْ بساتينَ الأزهارِ تناغي أقدامَ الفتيات فيشعرنَ بالأمان , ( ملاحظة هذه العبارة مكثفة صوتيا جدا فيها ثلاثة اصوات احدها للبيوت و الثاني البساتين و الثالثة للفتيات)

6. مذ كانَتْ حلوى ( يوحنا) تفضحُ رغباتهم الطفوليّةِ بما تحملُ مِنْ صلواتٍ تمجّدُ الربَّ

فصل : البناء الجملي المتواصل عند كريم عبد الله .

انّ البناء الجملي المتواصل هو ركن النثروشعرية ، و لا يمكن انتاج قصيدة نثر من دون بناء جملي متواصل يتكلم به المؤلف كما يتكلم في النثر ، من دون سكتات و لا ايقاعات و لا فراغات و لا تشطير و لا تسطير . و كريم عبد الله شاعر مبدع في النثروشعرية و متقن للبناء الجملي المتواصل كما في قصيدته (التاريخُ عاهرةٌ .../ شواهدُ القبورِ الكثيرةِ تفضحها )

يأتي مقطع واحد ببناء متواصل بطول ثلاثة اسطر

(ويغادرُ شرقنا شاخصة في شمسهِ مباضع وبقايا أطفال منقّعة بلعابِ ذئبٍ حملَ جلجلة الزقورات يفركُ تواريخها يستنشقُ أريجَ جنانهِ المسكونةِ بالأرثِ المحروق على صليبٍ رطبٍ يحدّقُ بعينٍ مفقوءة هاماتهُ معصوبة يوشّحها ليلٌ رؤوسه كطلعِ الشياطين تلاحقهُ تنهالُ تقتاتُ حكمتهُ خرافة تتلعثمُ ما بينَ نيلٍ يبحثُ عنْ حلمٍ ملائمٍ وفرات تعرّجَ كثيراً في خرائطِ رغوتها متاهاتٌ أخرى )

انّ هذا المقطع لا يمكن ان يقرأ الا بشكل المقطوعة النثرية ، و الكلمات محركة ، و لا توقف . لكن القدرة الايحائية و الرمزية و الهمس الشعري و الاشارة الشعرية و مداعبة الفكر و الوعي العميق و التجذر في النفس كلها تخلق حالة الشعر ، و الشعر الكامل من وسط هذه المقطوعة النثرية .

تمّ يأتي مقطع نثري بطول سطرين بلا توقف

(المفاسدُ جزيرةٌ تلفُّ ذيلها مِنَ المحيطِ المتغامض بأقصى النعاس المفعم بالفرائضِ الواجبةِ وخليج قانط تتمددُ على ناطحاتهِ حيتانٌ تسفّهُ مياههُ المتواريةِ خجلاً بينما يسقطُ الزمن عميقاً في مستوطنةِ النسيان )

وهنا ايضا مقطع نثري طويل بشكل استثائي بل وغير عادي ، في بناء جملي متواصل يحقق النثروشعرية ، حيث ينبثق الشعر من قلب النثر .

ثمّ المقطع الاطول باربعة اسطر متواصلة البناء .

(التاريخُ عاهرةٌ تفترشهُ على سريرِ غوايتها تحتجزُ قناديلهُ تجلو نشوةً تركها الغرباء طريّةً في سيرتها الذاتية يسرحُ في ارجائها ليلٌ أقفرهُ كثرةَ الحكامِ يُبطؤونهُ ألاّ ينقضي متنكبينَ شماعةً يعلّقونَ كثرة الشبهات الغابرة ونَول هزيل يحيكُ صباحاً مرقعاً تلعبُ المخارز في ملامحهِ أنّى تشاءُ على مهلٍ فتنكشفُ عورتهُ البلهاءَ كرائحةُ الفتنةِ تتأرجحُ شواهدُ القبور الكثيرةِ تفشحها )

انّ هذه القدرة على تحقيق الشعر من هكذا نثر ظاهرة نادرة و ريادية ، تمثل شكلا ناضجا و نموذجية للنثروشعرية ، و كتابة الشعر النثري ، و قصيدة النثر و تحقق غاياتها و اهدافها الاسلوبية .

تمّ يختتم كريم عبد الله قصيدته بمقطع رابع طويل ايضا .

(المحترفونَ بالجريمةِ لصوص اليومِ العانس يرشقونَ الأيامَ نكايةً بالمغدورينَ وراءَ الماضي يحتملونَ هذرهم يتناوشونَ فوقَ القانون الأخرق بينما في روحِ الحقيقيةِ زفراتٌ متهدلة وهتافات متكررة تتقافزُ متأخرة في كلَّ حينٍ . )

فصل : فنّ التطعيم في القصيدة

التوظيف من أهم العناصر الفنية في الشعر ، و من أهم الادوات التي يعتمدها الشاعر في تعظيم طاقات لغته و دلالاتها و ايحاءاتها . و للتوظيف الفني اشكالا كثيرة و منها تطعيم القاموس النصي بمفردات مجانبة و متباعدة عن الحقول المعنوية للنص . حيث انّ كل نص يفرض شخصيته على المؤلف و بعملية الانثيال يجعل المؤلف ينساق الى حقل معنوي معين و حقول معنوية متقاربة ، فيكون القاموس النصي اي المفردات التي تكون النص متقاربة في حقولها المعنوية ، لكن حينما يعمد المؤلف الى كسر هذا الطوق و هذا الانثيال عمدا و بوعي تظهر لدينا ظاهرة ( التطعيم ) في المفردات النصية . نجد هذا الفن حاضر في كتابات كريم عبد الله و منها قصيدته ( نبيذ الحروب الغائمة )

نبيذُ الحروبِ الغائمة

كريم عبد الله

عمّدي مدنَ الشمسِ بــبقيّةِ الأمانِ المتلألىءِ في الطرقاتِ البعيدةِ حينَ ينخرها قلقَ الأحتضار ......................../ وطهّري الشوارعَ الهاربة منَ ( الهاوناتِ ) العشوائيةِ التي تتسلّلُ الى أقفاصَ الفصول ..........!

لـلآن أخيطُ ثقوبَ جثث مسلاّتي النازفةِ سنابلَ تغاريدٍ لا تنضجُ في زمنِ الشهوةِ ....../ أتحاشى الهراواتِ المبطّنةِ أناشيداً عاقرةً تدّعي المغفرةِ ............./ وأشتلُ أنّاتَ الفراشاتِ في رمادِ القبحِ تتدفّقُ شهداً وطِيبةً ..............................

ما لـوجهكِ شاحباً تعصرهُ ( خلّاطاتُ ) المنافي يشربهُ المدجّجونَ بـالسيوفِ ..................../ وعلى جسدكِ العاري تنقسمُ المآذنُ الراقدةِ على بيوضِ النفاقِ تلوّحُ لـلأمس ......................../ و مصيرنا معلّقٌ كــــــــــ ( جسرِ الجمهوريةِ )* حينَ هوى مخذول شاهدا كيفَ تتساقطُ الخيبات .

فنجد مركزية لمفردات تجانب القاموس النصي مثل ( الهاونات ، ثقوب ، الهراوات ، خلاطات ، جسر الجمهورية ، الطب العدلي ) تلك المفردات اليومية و الحياتية و التي تختلف في مستواها الانتقائي عن قاموس النصي عالي الانتقاء ، لقد وظفت هذه المفردات لأجل ابعاد رمزية واضحة .

فصل : توظيف المفردات اليومية و التطعيم

و أيضا من الأساليب التي يجيدها كريم عبد الله و التي هي من علامات الكتابات الواقعية هو توظيف المفردة اليومية و الحياتية حتى انه احيانا يستعمل المفردات العامة كما هو معروف لمتابعيه ، و كثيرا ما يستعمل أكثر المفردات حياتية و يومية و التي تخرج عن الشعر الرمانسي بالمرة يطعم بها الانظمة الرمزية . في قصيدة (منشارٌ على قارعةِ الحكاية )

نجد العنوان منشار وهو خارج نظام القصيدة الرمانسية و الكتابات الانتقائية ، وهو مختار بشكل متعمد كما يختار غيره من المفردات اللاشعرية في الشعر ، وهذا يذكرنا بحركة ( الشعر ضد الشعر ) بأن يكتب الشعر بمفردات غير شعرية هي في منتهى البساطة و اليومية و الحياتية او التقريرية فنجد القصيدة التقريرية او الاخبارية او اليومية و كل هذا هو من الواقعية الجديدة ان صيغت بشكل جيد و وظفت برمزية و ايحائية تكسبها التوهج و الابهار .

في هذه القصيدة (منشارٌ على قارعةِ الحكاية ) يقول كريم عبد الله

(الحظوظُ شعثاء تحرّكُ شطوط الألم تنقلُ هوادجَ حزنِ الأرض ، خَبَرتْ حنكةَ منشارٍ حاذقٍ يدمنُ لعبةَ إقتناص المغانمِ الوفيرة مبتسماً يمارسُ طقوسَ المكائدِ الساخنةِ ، طوّفتْ في درابينهم الهاربة ، تسارقُ بيقينِ قطّاعِ الرقاب ، يتغلغلُ القحطُ في حكاياتِ أولادِ الدموعِ الرخيصة مذ كان الغراب يتوضأُ بالخطيئةِ هيّجَ إستعراض الجيوشِ الهائجةِ خيولَ الغزوات ، تستحلبُ الضواري تقاويماً تستدرجُ الآلامَ في مزادٍ مجانيٍّ مرضعتهُ رثّةُ الضرعِ تروفُ وقتاً شحيح الألفةِ يتقافزُ على خارطةِ الزمنِ العجول ينزُّ مِنْ طيّاتهِ نحسٌ يذرقُ مبتهجاً في ماسورةِ الحلمِ يحلمُ أنْ يكونَ متأنقاً مرفوعَ الرمح تعلوهُ فضيحةُ الدسائسِ خيانةٌ مسعورةٌ تحشرجُ في أحاديث ملساءَ كجلدِ افعى تدفنُ بيوضها في صحراء تافهة تشتاقُ كثبانها نزعةَ توترٍ تعتصرُ نشوةً عجفاءَ بواعثها مركونة الى أجلٍ أعمى تسبحُ فيهِ رائحةُ القلق الخشن متخبطاً باللامبالاةِ تفخخه الاعلانات تحدُّ كتلٌ إسمنتية صماءَ . )

في هذا المقطع العالية النثروشعرية و بناء جملي متوصل ، يحقق النص شكل جديدا من التموج اللغوي ، ليس من حيث التراكيب المعنوية بل من حيث المفردات فالنص يتنقل بين مستويات من الانشاء للمفردات فمن كلمة عالية الشاعرية الى كلمة يومية و بسيطة جدا وهكذا . فوسط الكلمات المنتقاة و العالية الشعرية نجد كلمات ( منشار ، درابين ، الاعلانات ، اسمنتية) .

و هنا تحضر ايضا الواقعية التعبير بما تقدم من مفردات يومية و بحضور الحزن و الأسى و الخراب و الخواء ، ساء على مستوى قاموس المفردات ام على التراكيب المعنوية و الافادات . فمفردات ((الحظوظُ شعثاء ، شطوط الألم ، هوادجَ حزنِ الأرض ، منشارٍ حاذقٍ ، المكائدِ الساخنةِ ، ، درابينهم الهاربة ، تسارقُ بيقينِ ، قطّاعِ الرقاب ، يتغلغلُ القحطُ ، يتوضأُ بالخطيئةِ ، تستحلبُ الضواري ، تستدرجُ الآلامَ ، مرضعتهُ رثّةُ الضرعِ ، وقتاً شحيح الألفةِ ، الزمنِ العجول ، نحسٌ ، فضيحةُ الدسائسِ ، خيانةٌ مسعورةٌ ، تحشرجُ ، أحاديث ملساءَ ، كجلدِ افعى ، صحراء تافهة ، نشوةً عجفاءَ ، أجلٍ أعمى ، القلق الخشن ، متخبطاً باللامبالاةِ ، تفخخه الاعلانات )

فصل : اللغة التجسيدية و النص ثلاثي الابعاد

حينما يصبح للنص زمان هو مكانه و ابعاده و رؤواه و شخوصه و اصواته ، يصبح كالفضاء المكاني الممتد في العمق الذي يلاحظ فيه ابعاده الثلاثة و يتحقق النص ثلاثي الابعاد . ان النص ثلاثي الابعاد يجمع بين الرسم بالكلمات و تعدد الاصوات

صورٌ تحمي الساحات

كريم عبد الله

قصيدة بوليفونية ثلاثية الابعاد

مِنْ جديدٍ عادوا يحرسون الساحاتَ بـبنادقهم بينما الرمل يملأُ فوهاتها الصدئة … الأجسادُ هربت خرساءَ شوّهتها شمسُ الظهيرةِ تاركةً جيوبهم العسكريّةِ تصفرُ فيها ريحٌ تهمسُ في ذاكرةِ الشوارع. خضّبني هذا التكرار في مواويلِ الحبيباتِ وهنَّ يغزلنَ حكاياتِ العشّاقِ المغدورين في مدافنِ الأيام …كلّمتهم كثيراً إشاراتُ المرورِ تحنو على أحلامهم المحنّطةِ ، وأنا أتعكّزُ على شيخوختي ألملمُ أوراقَ السيسبانِ أحشو بها أعشاشَ الزرازير تحتَ قبّعاتهم العريضةِ يبتسمونَ دائماً وضجيجُ المارّةِ يعلو بينما ملامحهم تبهتُ بالتدريج , حتى بائعُ اللبنِ إستظلَّ بهم

فصل : الرسالية في كتابات كريم عبد الله

الرسالية الابداعية اما ان تكون جمالية تتمثل بالابتكار و التطوير و منها الكتابة التجريدية او جماهيرية تتمثل بتمثل الامة و الانسانية ، و مقدار التمثل و الوعي به و تجليه يحقق درجة متقدمة في جانب من جوانب الابداع . تمثل تطلعات الامة و المها هو الرسالية الوطنية .

يقول كريم عبد الله

(كلّما تعزفُ السماء برذاذِ الخذلان ../ أدخلُ في زجاجةِ الصقيع ../ مقروحٌ يساورني حلم يتلصصُ .....\الأرضُ العانس تتلمسُ أجساداً تتسلّقُ واجهة الموت ../ عيونٌ زجاجيةٌ مِنْ خلفِ الصقيعِ ترنو ../ وقناصٌ أرعنٌ يتدفأُ بسيلِ رشقاتٍ على وجهِ التاريخ ).

تتجلى الرسالية هنا في ان الشاعر يتمثل العراقي الذي مسه البرد ، من نازح و مهجر و فاقد و محزون و متألم ، انها ملحمة العراق الجريح المبكي ، الم طويل

من الموضوعات الحاضرة في شعر كريم عبد و كنموذج للرسالية و التعبير الانتمائي هو الحزن و الأسى للخراب و آثار الحرب ، اذ لا تجد نصّا له الا و تجده معجونا بهذا الحزن .

في تعبيرية عالية لواقع مرّ و أعمى يحضر الظلام فيه و الأسى و يتخفّى خلف كلماته الفاعل المخرّب كحالة من المسكوت عنه و نظام من الغياب و الحضور للمعاني و الدلالات ، حيث يقول كريم عبد الله في قصيدة (خيانةٌ في تلافيفِ العقل )

(شمسٌ سوداء تتشمّسُ عليها خيانة أسئلةٍ مِنْ مقابرها الموغلةِ في أعماقِ الأنا . تتسلّلُ بلا صوتٍ بعنادٍ ترفضُ الظلامَ …/ دويٌّ يمعنُ حفراً في أخاديدِ تجاويفِ الروح يسرقُ الأمانَ لا يورّثُ إلاَ أرتالاً مِنَ المتاريس …/ كالشياطين تتراقصُ تُحكِمُ أقفالها على منافذِ رحلةٍ ملغومة تشدُّ إلى نفقٍ كابوسهُ طوييييييييييل ..)

انّها الشمس السوداء المظلمة ( نظام رمزي ) و أسئلة خائنة متجذرة في عمق الأنا ( نظام تعبيري) في نظام مجازي رمزي ، تتسلل بلا صوت عناد يرفض الظلام ، انه الخواء و وجه الخراب ( نظام توصيلي ) ، في ( نظام سردي ) . ثمّ ترجع اللوحة بصورة أخرى ( فيسفسائية تعبيرية ) (دويٌّ يمعنُ حفراً في أخاديدِ تجاويفِ الروح ) ( خيالية رمزية ) هنا مرآة و ترادف معنوي للجملة الأولى ( مقابر موغلة في عملق الأنا ) ، مما يحقق الفسيفسائية . ثم هو ( يسرقُ الأمانَ ) ( واقعية ) وهنا شرج للشمس السوداء وهو ايضا فسيفسائية تعبيرية فهو ( لا يورّثُ إلاَ أرتالاً مِنَ المتاريس …) ( توصيلية و واقعية ) وهنا يحضر خيط الى المسكوت عنه من حيث الارتال و المتاريس وهي وطأة الحرب .

في ما قدّمناه من استقراء أسلوبي كشف عن انظمة معقدة تعبيرية ، تصف واقعا محزنا و آثارا مدمرة و ظلاما يتجذر في النفس ( الكلية ) ، بلغة متموجة تتراوح بين التوصيلية و الرمزية و بين الواقعي و الخيالي ، و بسر تعبيري بقصد الايحاء و الرمز و ليس بقصد الحكاية و القص ، مع توظيف للفسيفسائية تجذيرا لرسالة النص و تمكينا للفكرة و مزيد بيان لوطأة و عمق المأساة ، فانّ من أهم داعي الكتابة الفسيفسائية هو تجذرير الرسالة و تعميقها في نفس القارئ .

فصل : النص الفسيفسائي و الترادف التعبيري عند كريم عبد الله

ان طرح الفكرة ذاتها بتراكيب لفظية مختلفة يمكن من القول اننا نظرنا للشيء الواحد من زوايا متعددة ، و من هذه الحيثية يمكن وصف النص بانه متعدد الزوايا ، الا انه لو نظرنا الى التراكيب فيما بينها فانا سنراها تركيبة فسيفسائية يكون كل تركيب بشكل مرآة لذاك يمكن وصف هذه اللغة بلغة المرايا و وصف النص بالنص الفسيفسائي ( أنور الموسوي 2015).

الشاعر كريم عبد الله يكتب نصوص فسيفسائية تبلغ غاياتها المعيارية و الجمالية ، بشكل الترادف التعبيري ، كما انه سبّاق في هذه التجربة الادبية المغايرة للمألوف .

في نص ( خلف أبوابك نحتمي دائما(2015 ) ) نجد لغة المرايا حاضرة بأسلوب الترادف في التعابير . ان التراكب هنا تتجه دوما نحو غايات موحدة كأزهار الشمس تتجه في كل وقت نحو الشمس ، محققة مرآتية ترادفية اذ تكون التعابير - رغم افادتها المختلفة - معبرة عن معنى عميق تلاحقه ، بنسيج فسيفسائي مرآتي يعكس عمقا تعبيريا من المعاني و الافكار الموحدة .

في النص ثلاثة عوامل تعبيرية عميقة تتجه نحوها التعابير ، لها مسحة زمانية و تاريخية بين الماضي مع الاعتداد و الاعتزاز و الحاضر مع المأساة و المرار و المستقبل مع الانتظار و التطلع . و مع هذه الانظمة النصية العامة هناك محاكاة تعبيرية تفصيلية ايضا في كل نظام سنبينها لاحقا ، مما يجعل النص يحقق لغة المرايا و الفسيفسائية بشكل نموذجي .

وحدات الاستذكار والاعتداد و الاعتزاز

1- خلفَ أبوابكِ إكتظّتْ ذكرياتنا نحتمي بها ونطردُ وساوسَ الشكوك

2- حصونكِ العصيّةِ مِنْ هناكَ تغمرني بأريجِ حقولها وتمشّطُ سَعَفَ ضفافي الغافيةِ ,

وحدات الحاضر المرّ و المأساة )

1- بزينةِ مدائنكِ تتمرّى سنوات القحطِ

2- ساجمعُ مِنْ على جسدكِ ما خلّفتهُ المحنة أ

وحدات الانتظار و التطلع الى المستقبل الافضل و الخلاص

أ‌- الصيغة الاولى ( سؤالات الخلاص )

1- مَنْ يلمُّ شتاتنا وغربةَ الأحلامِ المشققة , ومَنْ يرفعُ صلواتنا تطرقُ أبوابَ السماءِ البعيدة وأنا أسمعُ هديلكِ يحكُّ اناشيدنا المكبوتةِ ؟!

وهكذا

ب – الصيغة الثانية ( طلب التغيير )

1- فأستعيدُ توازنَ اللغةِ كلّما ينتابها الضمور

2- فأمنحيني صحوة تعيدُ لي بعضَ أنفاسي .

فصل : تموج اللغة في نص ( بيوت في زقاق بعيد ) لكريم عبد الله

( البيوت في المدينةِ البعيدةِ تغفو دائماً أشجارها متجاورة الأغصان توحي بعضها لبعضٍ أنَّ أساريرَ الصباحِ تمضي بالتواريخِ صامتةً كالقراطيسِ القديمةِ وهي تشكو مِنْ الشيخوخةِ , صوتُ العصافير تحملهُ النسمات كلَّ صباحٍ تتركُ صغارها تتنزّهُ على الشناشيلِ وظلّها يحكي للوسائدِ أنَّ الشمسَ لا تغيب , ماذا بوسعهِ النهر أنْ يفعلَ إذا دغدغَ الغبشُ أزهاره وهي تستفيقُ على نقيق الضفادع !.....)

اللغة الموجية هنا تبدأ بسردية تداولية توصيلية تأخذ مساحة من الكلام (البيوت في المدينةِ البعيدةِ تغفو دائماً أشجارها متجاورة الأغصان توحي بعضها لبعضٍ ) مع مجاز قريب في ( تغفو و توحي ) ...ثم تتعالى المجازية في تموج تعبيرية ...( أنَّ أساريرَ الصباحِ تمضي بالتواريخِ صامتةً كالقراطيسِ القديمةِ وهي تشكو مِنْ الشيخوخةِ ,) ثم تأتي موجة توصيلية (صوتُ العصافير تحملهُ النسمات كلَّ صباحٍ ) .. ثم موجة مجازية عالية ( تتركُ صغارها تتنزّهُ على الشناشيلِ وظلّها يحكي للوسائدِ أنَّ الشمسَ لا تغيب ) وهكذا يستمر النص في لغته المتموجة التي تجعل من الخيالية المجازية واقعا يعيشه القارئ دون قفز او اقحام .



   نشر في 03 شتنبر 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا