معان مستقاة من السفر - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

معان مستقاة من السفر

في الصويرة المدينة المغربية الهادئة و المطلة على الأطلسي كانت رحلتنا المليئة بالعبر و الدروس

  نشر في 14 غشت 2017  وآخر تعديل بتاريخ 16 غشت 2017 .

   تظل الأماكن كما هي لكن من يسكنونها هم من يحدثون الفرق. هي كذلك الرحلة لا تكون مميزة إلا بالقصص والعبر الإنسانية التي نستقيها خلال الطريق والتي تعطي لسفرنا واكتشافاتنا طعما خاصا.

قصدت الصويرة في أكتوبر الماضي في نطاق برنامج للسياحة التضامنية والبيئية رفقة مجموعة طيبة تهوى اكتشاف الوجه الآخر لبلدنا المغرب بعيد عن بهرجة الفنادق وصخب المدن. كان الطريق طويلا فقد دامت الرحلة أكثر من سبع ساعات انطلاقا من مدينة الرباط.

وصلنا إلى مشارف المدينة بعد منتصف الليل و قد بلغ منا التعب و العياء مبلغا. استقبلنا في مدخل المدينة مرافقنا و مرشدنا البيئي و السياحي إدوارد الذي يملك برفقة زوجته فريديريك شركة سياحية نشيطة في السياحة البيئية و التضامنية و أغلب زبائنه من الأوربيين. اكتشفت جمعية إدوارد بالصدفة خلال بحث في الإنترنت . نعم إدوارد لا تستغرب كثيرا أخي القارئ ، هذا الرجل الخمسيني غادر باريس و باع شقته ليستقر هو و زوجته في هذه المدينة و يؤسسان معا مشروعهما الخاصين. من صخب باريس إلى هدوء الصويرة هي حكاية الزوجين الفرنسين.

جلس إدوارد بجانب السائق ليدله على المنطقة التي نقصدها والتي تبعد حوالي 50 كم عن المدينة. سلكنا طريقا ومظلمة به بعض المنعرجات لنقف بعد حوالي 40 دقيقة أمام محل إقامتنا لليلتين. منزل فريدة وزوجها.

كان الظلام الحالك يخيم على المكان والإضاءة شبه منعدمة. استقبلتنا مضيفتنا فريدة بفانوس ضوئي و وجه بشوش و قد ارتسمت على محياها ابتسامة عريضة رغم التعب و السهر. أخبرتنا أن النوم لم يعرف إلى عينيها سبيلا، فقد ظلت تنتظرنا بشغف خصوصا وأننا أول الزوار المغاربة لبيتها منذ أن بدأت التعامل مع المرشد الفرنسي.

منزل فريدة منزل قروي بسيط جدا يحتوي على بهو مفتوح وثلاث غرف صغيرة للضيوف. كانت برفقتي صديقة لي لم تقم بزيارة البادية من قبل و قد فوجئت لما رأته أمامها فليس من سمع كمن رأى . أحست فريدة بالحرج وحاولت تهدئة رفيقتي ورافقتني أنا وإياها إلى منزل تابع لمنزلها الرئيسي. كانت تمسك بيدها مصباحا ضوئيا لتنير لنا الطريق. وأثناء المسير تبادلنا أطراف الحديث، حيث أخبرتني أنها أيضا لم تتعود على العيش في البادية في بداية الأمر. تعجبت من قولها و ظلت ٲسئلة كثيرة تدور في خلدي عن هذه المرٲة. وفي الصباح كانت لي الفرصة لاكتشاف قصة فريدة الفريدة من نوعها.

و لدت فريدة التي ترجع أصولها إلى منطقة الصويرة، في مدينة و جدة حيث كان يعمل والدها و ترعرعت هناك حتى بلغت سن 18 سنة .و في العطلة الصيفية التي تلت حصولها على شهادة الباكالوريا قامت العائلة بزيارة لمنطقة الصويرة لإحياء الصلة بين الآهل و الأحباب. هناك لم تعرف فريدة كما أخبرتني هي أهو "سحر الطبيعة" أم "سحر الحب" الذي جمعها بابن عمها القروي البسيط وجعلها تهاجر من المدينة إلى القرية.

تزوجت فريدة بابن عمها واستقرت معه في البادية في منزل بسيط بدون كهرباء أو ماء وبإمكانيات محدودة بعيدا عن عائلتها ورفاهية المدينة. تقبلت فريدة الوضع لكنها لم تستسلم للظروف لقد أرادت أن تكمل دراستها وتلتحق بالجامعة. لكن كيف لها ان تدرس و هي ربة بيت و مسؤولة عن أطفالها الصغار و زوجها و الأكثر من ذلك فلا جامعة قريبة في هذه المنطقة النائية. و لأن التضحيات تقابلها تضحيات فزوج فريدة تفهم الوضع و سمح لها بالانتقال إلى أغادير بجانب أحد افراد اسرتها حيث كانت تقضي شهرين في المدينة و شهرين في القرية لمدة أربع سنوات حتى أتمت دراستها و حصلت على الإجازة.

رجعت فريدة إلى القرية وكلها أمل وطموح في إيجاد عمل مناسب لها. لكن العقبات و التحديات لا تنتهي و كما يقول الشاعر المتنبي:

عَلى قَدْرِ أهْلِ العَزْم تأتي العَزائِمُ وَتأتي علَى قَدْرِ الكِرامِ المَكارمُ

لم تحصل فريدة على وظيفة تناسب شهادتها بل اشتغلت فقط بشهادة البكالوريا ورضيت بالراتب البسيط على أمل أن يتحسن الوضع مع مرور الزمن. و لأن الطموحين لا ينتظرون تحسن الأوضاع بل يصنعون الحدث بأنفسهم فقد أسست فريدة تعاونية لاستخراج زيت أرغان تعمل فيها نساء القرية و توفر لهن دخلا مستقلا. كما عملت في السياحة القروية لتعرف السياح بثروات منطقتها و توفر لنفسها دخلا موازيا.

وهي تسرد قصتها أمام زوجها وطفلها لمحت في عيني زوجها احتراما وتقديرا لهذه المرأة القوية التي لم تقهرها الظروف ولم تعقها قلة الإمكانيات عن مواصلة المسير. الكل انبهر بشخصية هذه المرأة و رشادة عقلها.

استمرت رحلتنا ورافقنا إدوارد خلال اكتشافنا للمنطقة وحرص على أن يعطينا معلومات مفيدة ودقيقة عن شجرة أرغان وكيف تنمو وتتأقلم في بيئتها فعمله كرجل غابات في فرنسا لعقود أعطاه خبرة ومكنه من أن يصبح مرشدا بيئيا ناجحا. كما أن حبه للمنطقة جعله يضحي هو الآخر بالعيش في باريس عاصمة الأنوار ليستقر به المقام بين أحضان شجر أرغان والبحر.

وفي البحر كانت لي قصة ومعنى مع شاطئ المنطقة السحري والهادئ الذي ظننت لبرهة أنه ينتمي لعالم غير عالمنا أو كأنه لوحة فنية مدهشة رسمت بيد فنان بارع. 

غادرت الصويرة بعد يومين قضيتهما في ضيافة فريدة واحضان الطبيعة وصورة البحر و و همة فريدة لا تفارقاني مخيلتي و روحيلكل فريدة في هذا الوطن ألف تحية.


  • 2

  • أسماء المرابط
    أقوم بتدوين كل ما يجول في مخيلتي من خواطر وأفكار. أحب السفر و الاستكشاف و التعرف غلى عوالم و ثقافات أخرى.
   نشر في 14 غشت 2017  وآخر تعديل بتاريخ 16 غشت 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا