علم الاجتماع النسوي : علم الاجتماع الجديد - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

علم الاجتماع النسوي : علم الاجتماع الجديد

نحو الجندرية

  نشر في 28 نونبر 2016  وآخر تعديل بتاريخ 01 ديسمبر 2016 .

في الحقيقةأن النسوية(Feminism)كحركة نسائية في علم الاجتماع ( علم الاجتماع النسوي ) أو خارجه ما هي إلا وجه واحد من ثورات متعددة على علم الاجتماع البنائي ( الماكرو سوسيولوجي ) و الذي سيطر سنونا طويلة على فهم و تفسير العلاقة بين الفرد و المجتمع ، الفعل و البنية ، الفاعل الاجتماعي و البناء الاجتماعي ، الذات و الموضوع . .

و من الأهمية بمكان ، أن أنوّه بدور علم الاجتماع الفيبري كإطار مرجعي في الانتقال بعلم الاجتماع من الماكرو الى المايكرو سوسيولوجي في فهم الفعل الاجتماعي ، فبعد أن ساد الاعتقاد بأن البناء هو صانع الفعل ، انقلبت المعادلة ليصبح الفاعل الاجتماعي هو الذي يصنع واقعه المعيش و ليس العكس .

و في ضل هذا التشرذم النظري بين علم الاجتماع البنائي و علم الاجتماع التأويلي ظهرت الحاجة الملحة الى علم اجتماع جديد يحاكي التغيرات المجتمعية المعاصرة ( متغيرات العولمة ، الثقافة ، الجندر ، الجنسانية ، العرق ، الجسدانية ، التعددية الثقافية ، الخصوصية ، الهوية ، الذات ، البيئة ، الاٍرهاب ...) و يبتعد عن الثنائيات نحو دراسة مواضيع طارئة باتت تشغل بال السوسيولوجيين الجدد خاصة المنشغلين منهم بقضايا ما بعد الحداثة أمثال جيدنز و بيتر برغر و توماس لوكمان و جيفري ألكسندر .. و اللذين أعطوا لمتغير الثقافة أهمية قصوى في التحليل الاجتماعي بعيدا عن سجن الذات و الموضوع ، كما برزت باتريشيا هيل كولينز بمساهماتها الجادة في علم الاجتماع النسوي الذي بات يشار إليه بالبنان ضمن سياقات و اهتمامات علم الاجتماع الجديد . 

و يمكنني دون مغالطة أن أقول أن عالم الاجتماع الانجليزي و السياسي الاشتراكي أنتوني جيدنز الذي شغل سابقا منصب مستشار رئيس حزب العمال و رئيس وزراء إنكلترا طوني بلير ، كان له الفضل في تحطيم تلك السجون النظرية كما سماها و التي حصرت موضوع علم الاجتماع في الثنائيات ( الذات / الموضوع ) حول من يصنع من ، و من يحرك من ، معتبرة ان الذات و الموضوع منفصلان ، فانتقل بعلم الاجتماع من ( الثنائية الى الازدواجية ) في الربط بين الذات و الموضوع فالذات الفاعلة في المجتمع تصنع واقعها الاجتماعي تماما كما تؤثر البنية على تكوين و توجيه الذات الفاعلة .

إن ظهور الحركة النسوية في علم الاجتماع ، و التي أنجبت بدورها اتجاها سوسيولوجيا جديدا يدعى علم الاجتماع النسوي ، كان رد فعل راديكالي على إخفاقات البنائية الوظيفية النظرية و المنهجية في فهم الواقع و تفسيره ، و التي أبانت على تحيزها الطاغي للاتجاه المحافظ في السياسة ، مما جعلها تدخل عصر الأزمات كما وصف ذلك ألفن جولدنر في كتابه ( الازمة المقبلة لعلم الاجتماع الغربي ) و ماركيوز أيضا في كتابه ( الانسان ذو البعد الواحد ) دون أن نغفل ايضا عن إسهام رايت ميلز عن قوة الصفوة و الخيال السوسيولوجي و الطبقة الوسطى ... و هو ما ساهم في خروج نساء من علم الاجتماع راديكاليات ( كميشيل باريت ) يطالبن بعلم اجتماع يعترف بالمساواة بين الجنسين و رفع الاضطهاد عن المرأة من ممارسات الرجل الجبرية ، و تمييز السلطة السياسيَّة القهرية .. خاصة ممارسات الرأسمالية تجاه موضوع الجندرية و تمييزها العنصري ضد المرأة و العرق ، فعلم الاجتماع النسوي من منطلقه السوسيولوجي ينظر للمراة داخل البناء الاجتماعي كفاعل اجتماعي بناءا على ما تقدمه من أدوار اجتماعية ( الجنسانية ) لا بناءا على النوع البيولوجي ( الجنس )  و هنا يكون الرجل و المرأة سواء ، فتحل المساواة الجندرية محل التمييز الجنسي كما نجد أن تعاظم القوة السوداء في أمريكا و تزايد نشاطها ضد التمييز العنصري قد حرك بدوره النشاط النسوي للزنجيات ( ذوات الأصل الأفريقي)  ضد الاضطهاد الاجتماعي و السياسي الممارس عليهن بسبب العرق و الجنس ، فكان لعالمة الاجتماع الامريكية ذات الأصل الأفريقي ( باتريشيا هيل كولينز ) دور مميز في هذا الجانب  حيث لازالت تنافح لليوم من أجل علم اجتماع  نسوي يحقق المساواة الجندرية بين المرأة و الرجل ، و يفتح آفاقا واسعة للمرأة في قلب ساحات ملاعب السياسة و الاقتصاد و الحرب ..الخ ، باعتبارها كائنا جنسانيا جندريا يستمد هويته الحقيقية من الأدوار الاجتماعية التي يؤديها لا من نوعه البيولوجي ! و نجد ضمن هذا السياق ، عالمة الاجتماع ( أوكلي ) تزعم بدورها أن الأمومة هي ليست غريزة في الأنثى و انما هي وظيفة اجتماعية و دور مكتسب ! و هو الأمر الذي نراه محاولة لإفراغ المرأة من سجيتها و إلباسها بطانة مفرغة يتم تعبئتها إجتماعيا و ليس فطريا من منطلق الجندرية المزعومة ! و في الحقيقة أن صاحبات النظرية النسوية الراديكاليات لم ينتفضن ضد حقيقتهن النوعية ( الجنسية ) و لم يرفضن سجيتهن فيما تعلق بالامومة و الإنجاب و رعاية الأطفال و الاعتناء بالاسرة ، بل كان مرادهن هو الرفع من مستوى المعيشة و تحقيق المساواة في العمل بين الرجل و المرأة و التوزيع العادل للثروة بينهما هذا حتى يتسنى للمرأة أداء فروضها الأسرية و الإنجابية على أفضل حال ! 

إن النسوية تؤمن بأن الصراع اليوم هو صراع جندري تجاوز الصراع الطبقي الذي لطالما تحدث عنه ماركس ، فكما تجاهلت الرأسمالية الصراع الطبقي كذلك هي قد تجاهلت الصراع الجندري ، و في هذا السياق نجد أن عالمات الاجتماع الراديكاليات أمثال ليز فوغل تؤكدن أن الرأسمالية تمنع أي تغييرات واسعة في العلاقات الجندرية مخافة أن تؤثر تلك التغييرات في الأرباح ! و لذلك نجد امريكا من بين الدول التي تفتقر الى إجازة الأمومة مدفوعة الأجر ، فهي بذلك تقوم بمحاربة مجال إعادة الانتاج ! تماما كما قامت في الستينيات من القرن الماضي بإجراءات التعقيم القسري و الإجباري لمنع الإنجاب عند الطبقات الكادحة  ! .  

و من المفارقة العجيبة أن النسوية كحركة علمية و سياسية و ثقافية اجتماعية لم تحتضن بين جنباتها ثائرات ماركسيات فحسب ، بل عرفت كذلك موجة حراك من نساء نيوليبراليات ينحدرن من الطبقة الرأسمالية ، اللواتي طَمَحَن إلى مجاكرة الرجل في تولي مناصب عليا تنفيذية في الشركات العابرة للقارات ، فالاضطهاد الممارس على المرأة هو ليس حسبهن ما تعلق بالعنف الجنسي و الرمزي داخل البيت أو الحقوق الإنجابية أو رعايةالأطفال ..الخ ، و انما هو اضطهاد على مستوى المكانة الاجتماعية و المركز و توزيع الثروة .

هذا الحراك النسوي صاحبه كتابات لعلماء اجتماع من الرجال أبوا إلا أن يمنحوا فرصة لأقدامهم لتجود بما في قريحتهم من فكر يدعم ركائز هذه النظرية النسوية ، فكان إسهام بيير بورديو بخصوص ( السيطرة الذكورية ) و كتاب ألان توران بخصوص ( عالم النساء ) ، و تحليلات أنطوني جيدنز بخصوص ( المرأة و الجندرية ) دور بالغ في تعزيز النظرية النسوية ، كما يعزى كذلك لهؤلاء الفضل في نشر مفاهيم جديدة و قضايا آنية طفت على سطح الألفية الثالثة نعدها من افرازات عصر الحداثة الذي رمى بثقله  المفاهيمي و الإشكالاتي على عصرنا اليوم الما بعد حداثي .. و بهذا ظهرت مفاهيم جديدة في علم الاجتماع اليوم ، علم الاجتماع الجديد ،  فرضتها الامم المتحدة كمفاهيم حية يجب الاعتراف بها دوليا منها الجنسانية او الجندرية ، و لقد أشار اليها جيدنز في كتابه حول ( علم الاجتماع ) ، اذ اصبح العالم اليوم ينظر الى الفاعل الاجتماعي على أساس ما يقدمه من أدوار و ما يملكه من مؤهلات و سلطة تجعله فاعلا ، فليس المعيار هنا هو النوع البيولوجي ( ذكر / أنثى ) و إنما هو معيار النوع الاجتماعي ( مذكر / مؤنث ) ، فالمذكر و المؤنث هما كيان اجتماعي جنساني جندري ، و ليس عضوي ، يتحددان بناء على القدرات و الأدوار التي يتمتعان بها داخل المحيط الاجتماعي ... و من هنا نفهم أن هذا الطرح سيقودنا حتما الى الاعتراف بالجنس الثالث ( المثلية الجنسية ) ! على اعتبار أنه لا وجود عضوي له ، بينما له وجود اجتماعي و وجوده ككيان يتحدد وفقا لدوره الاجتماعي و هويته الجنسانية ( و ليس الجنسية ) ...... رغم اندراج هذه القضايا ضمن موضوع علم الاجتماع الجديد و علم الاجتماع النسوي تحديدا ، لأنها تكرس التعددية ( ثقافية كانت أم جنسانية ) ضد علم الاجتماع العولمي إلا انني أجد النظرية النسوية ما هي الا محاولة يائسة لفرض الثقافة الغربية في إطار مشروع أدلجة العقول و تدجينها لصالح الثقافة الواحدة .. و هي المفارقة .

د/ لبنى لطيف 



  • د/ لبنى لطيف
    الدكتورة لبنى لطيف استاذة محاضرة بجامعة الجزائر 2 متحصلة على شهادة دكتوراه علوم في علم الاجتماع التنمية باحثة و مفكرة ، و كاتبة ناقدة في علم الاجتماع و الفلسفة و الدين و الاعلام و السياسة
   نشر في 28 نونبر 2016  وآخر تعديل بتاريخ 01 ديسمبر 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا