أموي دمشق .. وعبق التاريخ الإسلامي - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

أموي دمشق .. وعبق التاريخ الإسلامي

مسجد بني أميّة الكبير بدمشق

  نشر في 21 مارس 2017 .

يقع مسجد بني أُميّة الكبير الذي يعود تاريخه إلى 1200 سنة ق.م في دمشق،  أقدم مدينة مأهولة في التاريخ، وواحدة من أعظم المدن وأقدمها على وجه الأرض. وفي دمشق القديمة تحديداً، بُني الجامع الأموي، ليكون وجهة السيّاح، الأجانب منهم والمسلمين، ومحراب المُصلّين من كل أنحاء المعمورة. وقد رزقني الله تعالى زيارة هذا المسجد والصلاة في محرابه مرات عديدة، والاستمتاع بالأذان الذي يُؤدَّى بشكل جماعي وعلى مختلف المقامات بدايةً بالصِبا فالحجاز والبيات ثم الرست والسيكاه والنوى.

تاريخه منذ البداية وحتى الفتح الإسلامي:

لقد مرَّ المسجد الأموي بفترات كان بها معبداً يُعبد فيه الأوثان، وقد بناه لهذا الغرض الآراميين، ثم تحول على أيدي النصارى إلى كنيسة، إلى أن جاء الفتح الإسلامي بقيادة الصحابي الجليل خالد بن الوليد و أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنهم أجمعين. ولأن خالد قد دخل عنوة، و أبو عبيدة صُلحاً. فقد تمَّ الإتفاق على تقسيم الكنيسة إلى قسمين، فيكون الأول مسجداً والآخر كنيسة. وقد بقي الحال على ما هو عليه إلى أن وصل الخليفة الوليد بن عبد الملك إلى الحُكم، فأمر بعد اكتشافه أن الكنيسة بأكملها من حق المسلمين بهدم حيطان الكنيسة وإعادة بنائها من جديد عام 86هـ 705 م .

عمارة الجامع وأجزائه:

1- أبواب الجامع: يتألف الجامع الأموي من أربعة أبواب، وكانت غالبيتها تُجدّد وتُحسّن كل فترة، فكانوا يُركّبون لها صفائح من النحاس الأصفر لتكون متينة داخليَّاً ويُزيّنوها لتصبح رائعة الجمال خارجيَّاً، وأسماء هذه الأبواب هي:

1- باب البريد/المسكية

2- باب جيرون/النوفرة

3- باب الزيادة

4- باب العمارة/الكلاسة

* وقد أخذت بعض الأبواب أكثر من اسم نسبةً إلى الساحات والأحياء التي تقابلها.

باب جيرون/النوفرة


2- الحرم: يتواجد في حرم المسجد محاريب أربعة وهي محراب (الخطيب، الشافعي، المالكي) ومحراب الحنبلي.

محراب الجامع الأموي

3- صحن الجامع: كانت أرضية صحن الجامع مغطاة بفصوص من الفسيفساء وذلك حتى حريق عام 461 هـ،  الذي تحولت فيه هذه الفصوص إلى تراب. وقد تم تجديد بلاط أرضية الفناء خلال أعوام عديدة ما بين 611 هـ وحتى عام 670 هـ ثم في عام 1300 هـ . يوجد في صحن الجامع أربعة قباب وهي:

1- قبة النسر

2- قبة الخزنة/بيت المال

3- قبة البحرة

4- قبة الساعات

* غُطيت قبة النسر التي أقامها الوليد بن عبد الملك بالرصاص بدلاً من الذهب، وذلك بعد سماعه لرأي العقلاء واقتناعه بكلامهم.

قبة الخزنة يسار الصورة وقبة البحرة يمين الصورة 


قبة الساعات إلى يسار الصورة وقبة النسر تتربع فوق مثلث الواجهة الفسيفسائية للجامع

4- مآذن الجامع: للجامع ثلاث مآذن موزعة ما بين شرقه وغربه وشماله:

1- المئذنة الشمالية أو مئذنة العروس: بناها الوليد بن عبد الملك، ويتألف طرازها من الطراز المعماري الأموي والأيوبي والعثماني.

2- المئذنة الشرقية أو مئذنة عيسى عليه السلام

3- مئذنة قايتباي: سميت بذلك نسبة للسلطان المملوكي "قايتباي" التي جددت في عهده المئذنة.

مئذنة قايتباي


مئذنة العروس وهي  أول مئذنة بُنيت في المسجد


المئذنة الشرقية أو مئذنة عيسى

يقول الوليد بن عبد الملك وهو على المنبر يخطب بالمسلمين: 

"يا أهل دمشق، إني رأيتكم تفخرون على الدنيا بأربع : هوائكم، ومائكم، وفاكهتكم، وحماماتكم، فأحببت أن أزيدكم خامسة وهي هذا الجامع"

5- المشاهد: وهي صالات أو قاعات كبيرة مستطيلة الشكل، وهي أربعة تقع شرق الجامع وغربه:

1- مشهد أبو بكر الصديق

2- مشهد عمر بن الخطاب

3- مشهد عثمان بن عفان

4- مشهد الحسين

*وقد سُمّي الأخير بهذا الإسم، لأن رأس سيدنا الحسين قد وُضعت في هذا المقام قبل نقلها إلى مصر.

5- جدران الجامع و واجهته: غطيت جدران المسجد وواجهته المثلثية الشكل بالفسيفساء التي تتألف من فصوص صغيرة من الحجر والزجاج والرخام والصدف، مُشكّلةً بذلك صوراً بديعة لأماكن كثيرة من مختلف البلدان وللطبيعة الخضراء من أشجار وأنهار.

واجهة المسجد الأموي والتي يقع فوقها قبة النسر


صورة مقرّبة من الواجهة والتي تظهر بها عناصر الفسيفساء


تابوت يحيى بن زكريا عليهما السلام:

نقل ابن عساكر ( وهو مؤرخ مدينة دمشق) أن الوليد بن عبد الملك وجد كنيسة صغيرة في أحد أرجاء المسجد، وعندما نزل إليها وجد فيها صندوق به رأس وقد كُتب عليه " هذا رأس ليحيى بن زكريا" فأمر بوضع علامة مميزة عنده، ثم وبعد فترة وضع تابوت فوقه وعليه اسم يحيى، وفي وقت لاحق، تم إنشاء قبة فوقه.

* لم يأمر الوليد بوضع قبر ليحيى، لأن إقامة القبور في المساجد ممنوع في الإسلام وملعون فاعلها.

*وكما يوجب علينا ذكره، أنه لا يوجد دليل حتى الآن على أنه رأس يحيى فعلاً ولا يوجد دليل على نفي ذلك أيضاً.

مقام النبي يحيى عليه السلام

اهتمام الوليد الزائد:

أدى اهتمام الخليفة الوليد بن عبد الملك الزائد بالجامع الأموي، وإنفاقه الكثير من الأموال ليخرج المسجد بحلة جميلة ترضيه، إلى تضايق الناس منه والتحدُّث فيما بينهم عن كمية الأموال التي أنفقها الخليفة على المسجد. فأراد الوليد إثبات عكس ذلك، فأمر بجمع الناس في المسجد ثم أحضر أموال الدولة من الخزنة ووضعها بين المجتمعين، لتُحدث من كثرتها تلٍّ حجب رؤية من كان يجلس من الناس ناحية اليمين ويُبصر ناحية الشمال.

يقول الخليفة عمر بن عبد العزيز واصِفاً المسجد الأموي:

"لا أرى مسجد دمشق إلَّا غيظاً على الكفار"

الحوادث والنوازل التي لحقت بالجامع على مر التاريخ:

تعرّض الجامع الأموي للكثير من الأحداث التي أثّرت بملامحه، فمن حريق عام 562 هـ، إلى حريق جزئي آخر عام 570 هـ، فحريق 681 هـ و 740 هـ، كلها تواريخ لنيران أصابت أبواب المسجد تارةً ومآذنه وجدرانه وصحنه تارةً أخرى.

كما تعرّض المسجد للعديد من الزلازل التي كان آخرها سنة 1173 هـ، والذي سقطت بسببه قبة عائشة، كما تصدّعت بعض الأجزاء منه. ولكن وبالرغم من كل هذه النوازل، إلّا أن المسجد قد حافظ على هيئته الأصلية وخصائصه المعمارية الأموية والعباسية والمملوكية والعثمانية إلى أن اكتسب الطراز المعماري الشامي بعد الحريق الأخير عام 1311 هـ.

الحريق الأخير عام 1311 هـ 1890 م :

في أحد أيام التاريخ المذكور أعلاه، اشتعلت النيران بالجامع الأموي دون سابق إنذار (وقد تم إنشاء وإيجاد وحدة للإطفاء في دمشق بعد هذه الحادثة المؤلمة)، ثم ما لبث أن رأت أعيُن أهل الشام الدخان الأسود يتصاعد من سقف الجامع وبعض الأجزاء الواسعة منه. 

أثّرت هذه الحادثة في نفوس أهل الشام، ليبذلوا بعد ذلك الغالي والنفيس، في سبيل إعادة بناء أموي دمشق مرة أخرى، فأخذوا يجمعون الأنقاض المتراكمة، ثم قرروا جمع المال، فكان المبلغ الذي جُمع من عطاء أهل الشام سبعين ألف ليرة ذهبية، أي ما يعادل 100 مليون ليرة سورية تقريباً إذا ما عادلناها بقيمتها هذه الأيام.

اقترح السيد عبد الله الحموي ( وهو من أهل الشام ) إنشاء عربة لنقل الأعمدة الثقيلة من جبال منطقة (المزّة) إلى المسجد، وقد تم ذلك بنجاح بفضل ذكاء الحموي وسداد رأيه.

لتكون الهيئة الحالية للمسجد الآن هي من صنع سواعد أهل الشام (دمشق)، فخلال تسع سنوات فقط ( من 1311 إلى 1320 هـ ) (1890 - 1899 م) استطاع أكثر من 500 عامل، كان يعمل يومياً، من بناء تحفة معمارية مبنية على قواعد معمارية رئيسية أموية وعباسية ومملوكية وأيُّوبيَّة وعثمانية، مزخرفة بأشكال وألوان هي من صُنع مجموعة من النجّارين الشاميّين الذين لم يحصلوا على شهادات تخرج في الهندسة من الجامعات. ومن هؤلاء العباقرة أذكر منهم على سبيل الذكر لا الحصر: (عبد الله الحموي) (أولاد أبو نجيب الدهان الشامي العامي) (عائلة التوام) (وعائلة ملَص) .

الإصلاحات الهامة التي حصلت من عام 1919 م وحتّى عام 1959 م:

تمت هذه الأصلاحات المهمة بإشراف مديرية أوقاف دمشق بالتعاون مع القائم على أعمال المسجد، وقد كانت تلك الإصلاحات تتضمن (تبليط باحة المسجد ، ترميم الأقواس والترابزينات ، تدعيم الأسقف والجدران ، إصلاح المنارات وترميم الواجهة المثلثية الخارجية ، تجديد رصاص السطح ) وقد تم إنجاز الكثير من الأعمال لإصلاح وتدعيم الفسيفساء بقطع بلَّورية مطلية بالذهب والفضّة، وقطع رخاميَّة ملوَّنة. 

لقد كانت تلك الإصلاحات من الضروريات الهامة لإبقاء المسجد على هيئة واحدة ذات طابع أصيل وتاريخ معماري طويل ابتدأ بالآراميين ولم ينتهي حتى يومنا هذا. وبالرغم من مدافع تيمورلنك التي نُصبت في صحن الجامع لاستهداف قلعة الدمشق، وقذائف الهاون التي سقطت بالقرب من المسجد اليوم، إلَّا أن مآذن الأموي ستبقى صامدة ومحاريب الحنابلة والشافعية والمالكية ستبقى عامرة بالمُصلِّين وسيبقى هذا الأسم صرحاً إسلاميّاً يفخر به أهل سوريا أمام العالم أجمع.

المصادر:

كتاب الجامع الأموي في دمشق (للشيخ علي الطنطاوي رحمه الله) عن:

-ابن عساكر

-محاسن الشام

-مسالك الأبصار

-البداية والنهاية

-معجم البلدان

-تاريخ ابن القلانسي

-الروضتين






  • 2

  • غزوان الحمصي / Ghazwan al-Homsi
    مؤلف Booklet "قصص الصحابة" || مدوّن لدى موقع Aljazeera.blogs || كاتب مقالات لدى منصة Makalcloud وموقع MqqalCom || مُحب للقراءة والبحث والمطالعة || هدفي تبسيط وتلخيص المعلومة للعامّة || ما أنشره هو رأي شخصي لا أُلزم فيه أحد.
   نشر في 21 مارس 2017 .

التعليقات

بسمة منذ 8 شهر
سررت كثيرا بالتعرف على تاريخ هذا المسجد، فقد كنت اطلع على صوره قبل مده ....
" كعادتك تتميز بإختيارك للمواضيع "
دامت افكارك .
0
غزوان الحمصي / Ghazwan al-Homsi
شكراً لكِ على هذا الإطراء اللطيف .. أنا أحاول دائما تبسيط المعلومات التي أقتنيها من مصادر موثوقة وعرضها على العامة بأسلوب سهل وممتع

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا