الإرهاب والحرب على الإرهاب أولاً وأخيراً: جرائم لا يحكمها قانون - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الإرهاب والحرب على الإرهاب أولاً وأخيراً: جرائم لا يحكمها قانون

  نشر في 24 مارس 2016  وآخر تعديل بتاريخ 31 مارس 2016 .


فكري آل هير

..

لم تكن دول الاتحاد الأوروبي وقبلها الولايات المتحدة بحاجة الى حدوث التفجيرات الإرهابية التي حدثت في بروكسل مؤخراً، لتتذكر بأن هناك كائن شبحي يهدد أمن العالم والسلام الدولي، أطلق عليه ذات يوم اسم "الإرهاب"، فقد حدثت تفجيرات مماثلة من قبل في باريس، وقبلها في لندن، وقبلها في نيويورك، فضلاً عما يجري أمام عيون العالم في الشرق الأوسط من تغول للجماعات الإرهابية المتطرفة، واقتطاعها مساحات واسعة من دول بأسرها كالعراق وسوريا.

كان الإرهاب ولايزال يحتل مرتبة أولى من بين ما يجري تناوله يوميا على ساحات السياسة الدولية والإعلامية بكافة وسائلها وتوجهاتها، أو من خلال ما يتم تداوله على مستوى المؤتمرات الدولية أو الإقليمية أو المحلية. بل إننا نستطيع القول بأنه لا يخلو يوم من الأيام إلا وتناهى إلى مسامعنا بعض القضايا المرتبطة بالإرهاب أو مشتقاته أو مصطلحاته الكثيرة. مع هذا فإن موضوع الإرهاب وخصوصًا بعد هجمات الحادي عشر من أيلول أصبح يواجه مفاهيم جديدة استحدثتها ما أسميت بالحرب الأمريكية على الإرهاب، وظهور ما بات يعرف بالجريمة الإرهابية.

وإذا كان تصنيف الجريمة الإرهابية كقاعدة عامة، ويرتبط بالوصف الذي يمكن أن تقترن به والذي تتحكم فيه دواعي شخصية ذاتية ومعايير موضوعية. وإذا كان المبدأ الفقهي- القانوني قد أفضى إلى القول بوجود أصناف متعددة من الجرائم، انطلاقا من الجريمة الكلاسيكية التقليدية والجريمة السياسية والجريمة الإرهابية وغيرها من الجرائم التي قد تفرزها وتؤدي إلى ميلادها مستقبلاً، التطورات المتلاحقة للجريمة وعالم الإجرام داخل المنظومة المجتمعية بحكم أن الجريمة كظاهرة علمية هي مكون طبيعي متطور يخضع لتأثير الظرفية الزمكانية التي يتم وقع فيها.

وفي مقابل ما يحتمله مصطلح الجريمة الإرهابية من غموض وقصور جم في التحديد والتوصيف والإحاطة والمنع الاصطلاحي، يأتي مفهوم "الجريمة السياسية" ليغدو من أكثر المفاهيم القانونية غموضا وتعقيداً، التي استعصى على الفقه والقضاء إيجاد تعريف محدد لها، وعزفت جل الدول عن وضع تعريف لها في تشريعاتها الوطنية رغم المبادرات المتعددة للمنتظم الدولي في هذا الإطار، وترجع هذه الصعوبة في تحديد المفهوم أساسا إلى الطبيعة المعقدة للجريمة السياسية في حد ذاتها واختلاف رؤية الدول في معالجة هذا النوع من الجرائم حسب طبيعة نظامها السياسي، وكذا إلى صعوبة وضع تعريف محدد لمصطلح "السياسة" نفسه الذي ما يزال معناه غامضاً ومطاطاً مفتوحا لكل التأويلات يصعب أن يكون أساسا لنظرية معينة في صلب قواعد القانون الجزائي المتسمة بالثبات والاستقرار.

وفي هذا السياق، تختلط مفاهيم وتصورات جرائم الإرهاب في الأذهان مع جرائم أخرى يتخللها قدراً متبايناً من أعمال العنف، والتي وإن كانت تتفق معها في بعض الخصائص، إلا أنها تختلف معها اختلافاً جوهرياً في بقية الخصائص. إذ تختلط جرائم الإرهاب في أذهان البعض بالجرائم السياسية وبالتحديد جرائم العنف السياسي نظراً للتقارب الشديد بينهما، فكل منهما يهدف إلى تحقيق أهداف سياسية وكل منهما يستخدم وسائل عنيفة وبصورة منظمة وعلى وجه غير مشروع وكل منهما يمثل خروجاً على المألوف والمتعارف عليه من قيم وعلاقات.

تشترك الجريمة الإرهابية مع عدد من المفاهيم القانونية والسياسية ولاسيما الجريمة السياسية والكفاح المسلح وأعمال المقاومة وحرب العصابات الخ، في عدد من العناصر، مما أوقع الكثير من الخلط في هذه المفاهيم لصعوبة التمييز فيما بينها، ومما فتح الباب على مصراعيه لتفسيرات وأوصاف مختلفة ومتناقضة لفعل واحد، فكل يفسر الفعل وفقا لمصلحته السياسية، فسادت على نطاق واسع سياسة ازدواجية المعايير أو ما يطلق عليها سياسة الكيل بمكيالين وخاصة على المستوى الدولي، فعلى سبيل المثال تم توصيف أعمال إرهابية قامت بها إسرائيل على إنها أعمال دفاع عن النفس. في حين تم توصيف أعمال مقاومة قام بها الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال الإسرائيلي على إنها أعمال إرهابية.

ومما لاشك فيه، أن الانتشار الواسع للجريمة الإرهابية في عالم اليوم المفتوح، وما ترتب عليها من ردود فعل وإجراءات قام بها تحالف الدول الكبرى، ابتداءً من احتلال أفغانستان وانتهاءً باحتلال العراق والخروج منه ليبقى في دوامة الفوضى، أدى إلى أن تحظى الجريمة الإرهابية بالمزيد من الاهتمام من قبل الهيئات التشريعية والهيئات القضائية وفقهاء القانون الجنائي على الصعيدين الداخلي والدولي، فصدرت تشريعات خاصة لموجهة الإرهاب في العديد من دول العالم بسبب عدم كفاية النصوص العقابية الواردة في القوانين الجنائية العامة في هذه البلدان لمواجهة هذا الخطر المتعاظم.

أضف الى ذلك التداعيات التي أسفرت عنها أحداث السنوات الخمس الأخيرة في الشرق الأوسط، وانعكاساتها السياسية والتشريعية على جرائم الإرهاب والجرائم السياسية على حد سواء، فمن جهة بدأت تظهر للعلن وشائج وروابط فكرية وأيديولوجية بين جماعات سياسية كانت تحظى بمشروعية التواجد والنشاط السياسي على الأرض، وبين جماعات متطرفة تمارس الإرهاب وتحرض عليه، ومن جهة أخرى استدعت الظروف والمتطلبات الأمنية الجديدة لمحاربة الإرهاب اشكاليات جديدة، منها تحفظ العديد من القوى على تشريعات محاربة الإرهاب باعتبارها تشريعات تقيد من الحريات السياسية، وهذا بالضبط ما بات واقعاً كإشكالية سياسية وتشريعية قائمة حالياً.

لقد صار من الضرورات القصوى بالنسبة لعالم اليوم، أن يكون المدخل القانوني هو الأساس الذي ترتكز عليه كل الجهود الدولية لمحاربة الإرهاب وكافة أشكال التطرف وصور العنف المرتبطة به، خاصة وأن جزءً كبيراً من هذه الجهود لازالت تذهب أدراج الرياح دون أن تحقق أهدافها، الأمر الذي يعزى الى أن الإرهاب كسلوك اجرامي، مازال يفتقر للتأطير والتعريف القانوني الدقيق الذي يحدد ويصف على نحو واضح، محدد وموحد ماهية هذا السلوك الذي يطلق عليه الجميع بدون أي اتفاق اسم "الإرهاب". الأمر الذي يفترض أيضاً أن يجري معه تمييز الجريمة الإرهابية عما يشبهها من الجرائم الأخرى المماثلة.

وفي المقابل فإن الحرب على الإرهاب في سقفها الأعلى المتمثل باللجوء الى القوة العسكرية، وكذا الطرق والأساليب الأمنية المتبعة في ملاحقة العناصر المتورطة والمتهمة في ارتكاب جرائم إرهاب في سقفها الأدنى، لازالت هي الأخرى تفتقر في العديد من جوانبها الى المشروعية القانونية، أو الى التنظيم القانوني الموحد عالمياً والذي يتكامل مع المواثيق والعهود الدولية ونصوص القانون الدولي المتعلقة بالحقوق والحريات، مما جعل البعض منها تبدو بالفعل ممارسات لا تقل إجراماً عن الإرهاب نفسه.

والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: لمصلحة من بالضبط بقاء جريمة الإرهاب خارج نطاق التوصيف والتنظيم الشامل والموحد في نطاق القانوني الدولي الملزم للجميع؟!- بلا شك أن الأمر على هذا النحو لا يخدم الإرهاب نفسه فحسب، بل ويخدم القوى المستفيدة من وجوده والتي لازالت تقف كحجر عثرة أمام كل المحاولات الدولية للوصول الى تشريع قانون دولي موحد وشامل لكل الجرائم العابرة للحدود، وعلى رأسها جرائم الإرهاب، وعلى المجتمع الدولي أن يقف بجرأة أمام سياسات الدول الكبرى في هذا الشأن، لأنها وبحق أثبتت أنها واحد من أقوى العوامل التي كانت ولازالت متسببة في اتساع نطاق هذه الجرائم، فضلاً عن وجود ما يشير الى أنها قد تكون متواطئة في وقوع تلك الجرائم.


  • 1

   نشر في 24 مارس 2016  وآخر تعديل بتاريخ 31 مارس 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا