ليس العيد من لبس الجديد - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

ليس العيد من لبس الجديد

السلام عليكم

  نشر في 09 مارس 2016 .

عيد الفطر يحتفل العالم الإسلامي في جميع بقاع الأرض المعمورة في هذا العيد في غرة شهر شوال في كل عام ويفرح المسلمون بقدومه بعد أن خرجوا عن المدرسة الرمضانية التي أخذوا فيها دروسا كثيرة في الحياة كالحلم والصبر والتقى وتكللت فيها بالنجاح الباهر حيث عمروا لياليه بالذكر والدعاء وتلاوة القرآن وقيام الليل وقضوا في نهاره في الصوم والعمل الدؤوب الذي يقربهم من الله وينفعهم في الدارين فيخرجون من هذه الساحة وقلوبهم عامرة بالإسلام والإيمان ويستقبلون العيد بالأفئدة الرحبة والصدور العاشقة ملوحين رمضان بالدعاء ويودعونه بالتهليل والتكبير وقد وجدوا منه زادا يطعنون به الطريق الطويل والسفر البعيد ويتجاوزون به العقبات الكؤودة في سبيل تحقيق الحياة السعيدة في الفانية والباقية

وقد شرع الله العيد لاستراحة يسيرة وإجازة يومين يأخذها العبد المؤمن ويستريح من عناء العمل وعناء الصوم عقب هذا الشهر الفضيل فينسى فيه هموم الدنيا ويتفرغ لعبادته وتقواه فيدخل السرور في وجدانه بالفطر في يوم العيد وللمؤمن فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه

وفي ليلة العيد يبيت الناس فيها وينتظرون بقدومها بفارغ الصبر وبأحر من الجمر فترافق الأم أولادها إلى السوق لشراء ملابسهم الجديدة ويبقى الأب في حراسة البيت يراقب الحركات والسكنات ينتظر قدوم فلذات أكباده وزهرة حياته ويستمع قرع الباب عن كثب بأذن صاغية وعند منتصف الليل يؤوبون بعد أن اشتروا حاجاتهم وأغراضهم المنزلية في يوم العيد فتملأ الفرحة البيت وتبدأ فيه الحياة من جديد فالبيت نظيف والجو عطر وفي صبيحة العيد حين يتنفس النهار وتطلع الشمس من المشرق تغدوا العائلة إلى الصلاة وتمتلئ الساحة بالراكعين والساجدين ويعم الفرح وتتعانق النفوس وتحظ عنها الذنوب والخطايا وتحتات كما يحتات الأوراق اليابسة عن الشجرة في فصل الخريف ويهللون ويكبرون وترتج المدينة بوقع أقدامه وترتفع أصواتهم إلى عنان السماء ويطلقون عنان ألسنتهم بالتكبير والتهليل (الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا) فتكتظ الساحة بالمصلين من شتى الأعمار وتعج بالمارة والقادمين وقد فصل المكان بين الجنسين وما رأيت منظرا يعدل بهذا الجمع الغفير الذي جاء من كل فج عميق يؤدون شعائر الله بأفضل طريق وحين تنقضي الصلاة وتنتهي الخطب والنصائح فيبدأ العيد البهيج فيتصافح الأصدقاء والزملاء وتتعانق النفوس وتلتقي الأحبة في هذا الميدان في هذا الملتقى الديني وتبدأ الأناشيد والرقصات القديمة في تقاليدنا السامية ويلعب الرجال بهذه الرقصات المشهورة في أوساط هذا المجتمع العريق وتبارك بها النساء ويشاركنهم بصوتهن الشجي وألحانهم العذبة فمن هنا تشعر بموقف عيدي أنيق يأسر القلوب ويأخذ الألباب فتعلوا نفسك حين تسمع رنات الراقص التقليدي وترتفع همتك وتسترجع ماضيك وإرثك القديم وتتذكر الآباء والأجداد وتتطاير منك شرارة الحب والعشق لهذه الرقصات الكلاسيكية التي تمارس في هذا الوطن وتمرز لقومية عريقة فيها ويفترق الجمع في لحظات فرح وسرور النادرة ويودع بعضهم بعضا يحملون على أكتافهم الذكريات الماضية العريقة ويضمرون الحب والشوق العميق لهذا الشهر الفضيل الذي يجتمعون فيه في واحة الاستراحة واحة عيد الفطر المبارك متمنين أن يبلغوا السنة القادمة بمثل هذا اليوم ويواصلون سيرهم نحو بيوتهم بعد هذه الإحتفالية البسيطة العميقة ويذهبون إلى بيوتهم ويتناولون كعكعة العيد ثم يشرعون الزيارات ويتجولون في المدينة ثم يرجعون إلى بيوتهم في المساء وقد غنموا واستفادوا وعمروا يومهم بالعمل الصالح وما أكثر الحديث في يوم العيد فينقسم الناس إلى أقسام في هذا اليوم فهناك هذا الصنف الذي تحدثنا عنه في الصفحات السابقة والذي عرف ربه وعظم العيد وقام وصلى وعظم شعائر الله واستفاد وأفاد وأجاد وهناك أصناف أخرى تجدر بهم الإشارة على سبيل التلميح والملاحظة على شؤونهم نقف عليها في السطور القادمة

فالصنف الأول فمنهم (أي من الناس) من جعل يوم العيد يوم الفرح والسرور فقط ينظر الحياة بالمنظار الضيق لا يأبه بما يدور حوله من أحداث ومستجدات متسارعة فهو يعيش كوحيد القرن والغزال يعيش وحده في ناحية أخرى من المدينة في غيضة كثيفة وفي بيت فاخر وهم من علية القوم

فهم يتزاورون فيما بينهم وقديما قالوا (الطيور على أشكالها تقع) فما أكثر هؤلاء ومن شاكلهم من المجتمع في جميع شرائحه وطبقاته الذين يجعلون أوقاتهم أوقات المرح ويقضونها على اللهو واللعب مع أنفسهم وأولادهم ناسين الحقوق الدينية والواجبات المفروضة عليهم من قبل العزيز الحكيم وينهي الغافل جميع ساعات نهاره بهذا العبث واللعب لا يعرف ما يضمر له الزمان وتنسج له الأيام خيوطا رفيعة بالخير والشر فهو يداعب مع بطنه يفرح إذا شبع ويحزن إذا جاع ويضحك ويلعب مع أفراد أهله غافلا عن الحق ونظام الحياة المنوطة عليه وما أكثرهم في هذا الكون !

والصنف الآخر ومنهم (أي من الناس) من جعل هذا اليوم يوم لهو ولعب يلهوا مع نفسه ويرتع الحرام والحلال ولا يميز بين الطيب والخبيث يتلذذ ويأكل بشراهة بهذه النبتة المسمومة التي أبتلي عليها السواد الأعظم من المجتمع والتي يكثرون حديثها وذكرها في ليالي العيد من جميع فئات المجتمع وفي ظهيرة يوم العيد يقف الناس صغارا وكبارا على قدم وساق تحت الشمس الحارقة يضعون أكفهم على رؤوسهم وكأن نازلة نزلت عليهم نعم نزلت عليهم النازلة ولم يوقظهم من القيلولة إلا الشيطان استحوذ عليهم فأعمى أبصارهم وأنساهم ذكر الله فهاهم يشتعلون حرقا وعيونهم شاخصة نحو الشوارع لا ترى منهم همسا فقد وقعوا في حبائل الشيطان يتسابقون ويتنافسون أعلافه (القات) فليست هي علف الحيوان بل هي علف الشيطان وأصحابه ناهيك أن تكون علفا للإنسان إلا إذا ابتعد عن الحق وصار قرين الشيطان فبئس القرين ألا تراها أيها المسلم العاقل أنها لا تسمن ولا تغني من جوع كالضريع الذي نعته بهذه الصفة ألا تراها تفرق بين الأحباب والعاشقين وتدمر البيوت وتفكك الأسر جراء استهلاكها كما دمرت أول بيت في الأرض بيت حواء وآدم وفرقت شملهم وأخرجتهم من نعيم مقيم إلى أرض التعاسة ألا تراها صنوا لها في الصفات فالمدمن عليها يبني ديارا وعمارات لا مثيل لها في الليل وفي النهار لا ترى لها أثرا (كلام الليل لا يمشي بالنهار) (أليس هذا شبيها بقول الشيطان لحواء وآدم ألا أدلكم على شجرة خلد لا مثيل لها وملك لا يبلى)

إنها شجرة الزقوم التي تغلي في البطون كغلي الحميم ومستهلك والمدمن بهذه النبتة تغلي بطنه وتحترق أمعاءهم ولا يمكث قليلا عند مضغها فتراهم صفوفا بأماكن الحاجة والخلاء ألا يشتبهان بهذا الوصف بلى وألف بلى سمي ما شئت من أسماء قات وكلمي وفرحان وعلى عل وضريع وقوت الأولياء فإنها تجتمع بإسم واحد وتلتقي به (بالزقوم) شئت أم أبيت إسأل المجرب ولا تسأل الطبيب وعند جهينة خبر اليقين هؤلاء الصنف الذين في صدد حديثهم حين يتناولون هذه الشجرة ويعتريهم وتغلي في عروقهم الوسوسة الشيطانية وأحاديثه وأكاذيبه يتأبطون الشر للناس ويقفون في الطرقات فاقدين الوعي والإحساس ويتعرضون للجواري ويغمزون لهن وكأنهم أصابهم مس من الجن ولا يكادون يتبينون بين عجوز وفتاة ينتشرون في أسواق المدينة ويرتكبون المعاصي والفواحش جهارا نهارا ومن الأمثلة النادرة من نوادر القات وفضاعته وخبثه وسكرته التي تفضيه إلى التحريم

أن رجلا كان سائقا ومدمنا عليها وفي يوم من الأيام أكل وشبع منها فأراد أن يقود سيارته ويذهب بها إلى محطة البنزين ولكنه ذهب من دون سيارة فقد نسي سيارته بسبب سكرته بالقات وقاد نفسه مع المفتاح إلى المحطة وطلب من أصحاب المحطة أن يملؤوا لها بالديزل فضحكوا عليه وقالوا له قد بلغت من القات مبلغا ولن ينتبه إلا والمفتاح في يده أليس هذا مسكرا فهللا تركت عن مضغه ومديحه) ونوادر القات كثيرة فاستزد من أهلها وأصحابها

وهناك الصنف الآخر وما زلنا نعدد أصناف الناس يوم العيد وهذا الصنف هو الصنف الرابع وهم أهل العبادة والسعادة الذين قيل عنهم إن لله عبادا فطنا طلقوا الدنيا وخافوا فتنها

نظروا فيها فلما علموا                                          أنها ليست للحي وطنا

جعلوها لجة واتخذوا                                           صالح الأعمال فيها سفنا

يعمرون أوقاتهم بالعبادة والأعمال التي تقربهم إلى الله ويجعلون هذا اليوم مطية على أعمالهم فهؤلاء هم القلائل والأكياس والعقلاء الذين فهموا مقصد الحياة وعرفوا ما لهم وما عليهم ونجوا عن حبائل الشيطان ومكره وكيده في هذا الجو العكر المليء بالموبقات والمهلكات وانقذوا أنفسهم وانقاذوا لأوامر الله وطاعته وسلموا أنفسهم تسليما فعلى هؤلاء العارفين بالله أن يمدوا يد العون لهؤلاء الغارقين في المعاصي والمنكرات وأن يقدموا لهم المواعيد والنصائح لعل وعسى أن تنفعهم لأن الدين نصيحة ليرجعوا عن قيهم ويعودوا إلى رشدهم فليس العيد أن تلبس الجديد وأن تفعل ما تشاء بعد العشاء ولكن العيد أن يجتنب المرء عن محرمات الله وأن يلتهم بطاعة الله وأن يتعيد بالطيبات من الرزق لا بالخبائث التي حرمها الله وأن يكون على علم ودراية ما يدخل في جوفه أحلال هو أو حرام (من اتقى عن الشبهات وقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ألا وإن لكل ملك حمى فحمى الله محارمه) فعلى المرء أن يجتنب أصدقاء السوء ومجالس الأشرار وأن يتخير أصحاب الخير ومجالس الصالحين فأمثالهم كأمثال حامل المسك وأن يتمسك بكتاب الله وسنة نبيه القائل (تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدي كتاب الله وسنتي) وعلى المرء أن يقتدي بالصحابة الكرام فما أحوج على المسلمين في هذا الزمان أن يأخذوا آثارهم وأن يتبعوا خطواتهم شبرا بشبر (ومن تشبه بقوم فهو منهم) وعلى العصاة أن يرجعوا من غيهم وأن يتوبوا إلى الله توبة نصوحة

مابال دينك ترضى أن تدنسه                                  وإن ثيابك مغسول من الدنس

ترجوا النجاة ولم تسلك مسالكها                            إن السفينة لا تجري على اليبس



  • المنتصر بالله
    أنا اسمي المنتصر بالله عندي أربعة أطفال أجتهد في عملي وأقوم بتدريس أولادي في المساء
   نشر في 09 مارس 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا