مُــكَـــافَـــآتُ الــقَــدَر - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

مُــكَـــافَـــآتُ الــقَــدَر

لا تتوقف مهما كانت الأموج عاتية؛ أنت على مرمى حجر من النجاح.

  نشر في 06 يونيو 2017  وآخر تعديل بتاريخ 07 يونيو 2017 .

جرتِ الأقدارُ بأنّه ليس للإنسان إلا ما سعى، وأنّ المرء إذا اجتهد وقدّم ما يتعين عليه من واجباتٍ، أصابَ هدفَه وبلغَ بُغيتَه. وعلى الشخص ألاّ يتوانَ عن السعي إذا تأخرت النتيجة المرجوة، وأنّه على قدر المشقةِ في العمل تكون نشوة تحقيق المأرب المنشود، وأنّ الكمَ ينتج الكيفَ؛ ولذلك ترى أصحاب الهمم العالية يطرقون أبوابًا شتى فلا يقفون عند اتجاهٍ واحد، فتراهم يحاصرون أهدافهم من كل جانب وبمرونةٍ مدهشة، لا يدُب المللُ في أوصالهم، ولا يتمالكهم اليأس مهما كانت العقبات في طريقهم. 

قد أساء بعض الكُسالى لأنفسِهِم بدعوى أنّ القدر حالَ دون بلوغهِم شأوهم، وأنّهم قد قدموا كلَّ ما في طوقِهم، ولكن القدر أبى أن يكتُب لهم التوفيق والسدادَ فيما كانوا يريدونه. ولعلكَ ترى من هؤلاء من يتغنى ببيتٍ من الشعر لشاعرِ النيل حافظ إبراهيم يقول فيه: (لا تلُمْ كفي إذا السيفُ نبا *** صحَ مني العزمُ والدهرُ أبى). في حين أنّ طائفةً أخرى من الناس لم يركنوا إلى هذا التعلُل، تراهم وقد أقبلوا على تحقيق أهدافهم دون أن يتخذوا من القدر سببًا أو حُجةً للفشلِ أو تأخر الوصول لمرادهم.

هؤلاء الناس محصنون ضد العجز، لا أقول ضد الفشل؛ ذلك أن الفشل والنجاح ليسا نهاية المطاف. فالفشل خطوة تُصحِحُ المسارَ وتسبقُ النجاح، وربما كان الفشلُ باعثًا على الإبداعِ بقوة أكبر؛ لإصرار الشخص على إثبات قدراته وتفعيل ملكاته. وفي هذا السياق فإنَّ الشخصَ في سعيه لإنجازٍ ما –وقد أفردَ له الأيامَ والليالي– قد تقتادُه الأحداثُ أو الظروفُ المحيطة إلى طريقٍ لم يرْسُمه ولم يخطر له ببال. وفي هذه الأثناء إما أن يكون جامدًا يتصلب ويرفض السير في هذا الطريق الإجباري، وإما أن يكون مرنًا فيرى في هذا المسار غنيمةً باردةً يقتنصها، ولا تصرف اهتمامَه بالفكرة التي تجردَ لها في بادئ الأمر. هنا يكون المرء قد فازَ مرتين؛ الأولى بمرونته والثانية بتحديد المسار الأساسي الذي خطط له.

بالمثال يتضح المقال؛ كان ويليام هنري بيركن (1838 – 1907) يعمل مساعدًا للكيميائي الفذ هوفمان بلندن، وكان مركب الكوينين quinine مادة طبيعية مستخدمة في علاج الملاريا؛ فأسند هوفمان مهمة إجراء بعض تجارب تخليق الكوينين معمليًا لمساعده بيركن. سافر هوفمان لزيارة بلده الأم ألمانيا خلال عطلة عيد الفصح عام 1856 تاركًا بيركن يؤدي التجارب، وعكفَ بيركن على التجارب، وكان شغوفًا بالرسم والتصوير الضوئي؛ فشل بيركن غير مرة في الوصول للنتيجة المفترضة؛ وكان يحدثُ نفسه باستمرار قائلًا: «هناك شيء ما يدفعني للمحاولة مرة أخرى»، ثم تتكرر المحاولة ويتكرر الفشل دون يأس. حاول بيركن التعديل في الخطوات التي يُجريها، وكذلك في المواد التي يستعملها في التجربة؛ فاسترعى انتباهه ظهور مادة بلون أرجواني كثيف. هنا كان بمقدور بيركن التأفف لعدم تحصيل النتيجة المرجوة؛ وعندها كان سيجد مبررًا ليُقْلِعَ عن مواصلة التجارب؛ إلا أنه كان يتمتع بقدرٍ من المرونة امتزج بحب استطلاع دفعاه لإعادة التجربة ليتحصل على النتيجة ذاتها، وليجد اللونَ الأرجواني بدلًا من الكوينين.

على الفور خطر ببال بيركن أنه انحرف عن المهمة الموكلة إليه، فعمد إلى الاستفادة من المادة الجديدة؛ فقد كان اللون الأرجواني بالنسبة له أحد مكافآت القدر نتيجة المجهود المضني الذي قدمه في سبيل الحصول على الكوينين. أطرقَ بيركن طويلًا، وهداه تفكيره لضرورة الجمع بين مواصلة التجارب والانتفاع بمكافأة القدر، وتأسيسًا على ذلك قام بتقسيم وقته نصفين الأول لإجراء تجارب تخليق الكوينين، والنصف الآخر يقضيه في حديقة منزله بمساعدة صديقه آرثر شارش وأخيه توماس لإنتاج اللون الأرجواني الذي أطلقوا عليه «موفين Mauveine» والذي اعتبر فتحًا جديدًا في عالم صباغة الملابس لا سيما مع ثباته اللوني. وفي أغسطس 1856 حصد بيركن براءة اختراع موفين وهو ابن الثامنة عشرة، لم يرفض بيركن مكافأة القدر، ولم يتحجج بأنه لم يوفق في التوصل إلى نتيجة مرضية فيما يتعلق بتخليق الكوينين، فقد استثمر توصله إلى موفين كقوة دافعة لمواصلة تجاربه على الكوينين حتى تمكّن من الوصول للطريقة المناسبة لتخليق الكوينين، وفي نفس الوقت تمكّن من التوصل لتخليق أصباغ أخرى. فإذا ما دفعتكَ الأقدارُ في اتجاهِ ما لم يكن في حساباتك؛ فحاول قدرَ اجتهادِك استثمارَ مهاراتِك في الاستفادة من هذا الاتجاه، وتمتع بقدرٍ كبير من المرونة، فإن الأشخاص الأكثر مرونة هم الأقدر على التحكمِ بزمامِ الأمور. وتأكد أن مكافآت القدر لا تأتي عبثًا؛ فهي تتويجٌ للجهودِ المتواصِلة.

مكافآت القدر ينالها من لم يستسلم فتجد أنَّ المزارع الهولندي فان كلويفرت قد طَوَّقَتْهُ الأقدارُ مكافأةً فريدةً من نوعها ضمنت له سبقًا فريدًا غير معهود في تاريخه. كما أنَّ الخياط الألماني أوسكار شتراوس قد حظي بمكافأة الأقدار بعدما استنزف كلَّ وسائل البحث عن المجد. عليكَ أن تؤدي دورك بإخلاصٍ وتفانٍ مُدرِكًا أنَّ مجهودَك لن يضيع، وأنَّ أبوابَ المجدِ تمامًا كأبوابِ الملوك لا تُقرَعُ بالأظافِر؛ فاطرق الأبوابَ حتى وإن كلَّ مَتْنُكَ، وأنت على ثقة بأنَّ من طرقَ البابَ سَمِعَ الجواب.

قد تتأخرُ مكافأة القدر لأسباب متفاوتة؛ منها أنَّك لم تستعد لها بالشكل الموائم، أو أنَّ المجهود الذي بذله لم يرقَ بك للحصول عليها حتى الآن، أو أنَّك في حاجة لامتلاك مهارات تساعدك على استثمار مكافأة القدر على النحو الذي يضمن لك حياةً أكثر فعاليةً وأقوى نتيجة. ومهما كانت أسباب تأخُّر مكافأة القدر؛ فعليك أن تثق في قدراتك وتعمل دون كلل، كثيرون ممن استسلموا كانوا على وشك تسطير مجدٍ مُؤثَّل، لكنهم تراخوا في الوقت القاتل؛ فلا تَحْذُو حذوهم.  

مكافآت القدر تمر مرّ السحاب؛ يقتضي ذلك منك أن تكون يقظًا وتعرف كيف تستثمر الفرص التي تلوح أمام عينيك، ويجدر بك في هذا الإطار تنويع ملكاتك ومواهبك؛ فأنتَ لا تدري بأيٍ منها ستصِلُ إلى ما ترنو إليه. ولعلك تذكر أن أبا بشر عمرو بن عثمان بن قنبر، والمعروف للقاصي والداني بــ(سيبويه)؛ كان قد شَقَ طريقه في البداية قاصدًا حماد بن سلمة في البصرة ليأخذ عنه علم الحديث، فلما لَحَنَ بين يدي حمادٍ مرتين، كان هذا اللحن –على شناعته من منظور سيبويه– إحدى مكافآت القدر؛ ذلك أنَّه دفعَ سيبويه للاجتهاد والرفعة بين الناس، حتى صار كتاب سيبويه الموسوم «الكتاب» قرآن النحو كما يذكر العلماء. لذلك – عزيزي القارئ – عليك أن تتوقف عن الضجر والتأفُّف إذا ما كانت الأمور على غير مرادك، وعليك أن تشُقَ دربك دون كللٍ أو ملل؛ وعندها ستُبهِركَ مكافآت القدر، والله للساعينَ خَيْرُ مُعين.


  • 5

   نشر في 06 يونيو 2017  وآخر تعديل بتاريخ 07 يونيو 2017 .

التعليقات

عمرو يسري منذ 3 أسبوع
شكرا على هذا المقال الرائع المليء بمعلومات قيمة .
1
محمد الشبراوي
تسلم، بارك الله فيك أستاذ عمرو.
شيماء
مشكور على المقال القيّم الرائع الجميل مبنى ومعنى... حفّزني وأفادني
بارك الله فيكم
محمد الشبراوي
العفو وأتشرف، شكرًا جزيلًا. وفيكم بارك يارب العالمين.

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا