التفاح الأبيض - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

التفاح الأبيض

رسم وتهويل

  نشر في 26 مارس 2016 .

مَلّتْ الفواكه والخضروات من ألوانها التي تميّزها عن غيرها نوعاً وصنفاً ، فغَدَت تستجيبُ لما يحاوله الإنسان من تفسيخ وتفتيح لألوانها الدّاكنة بتلقيحات مسبقة تجعل منها عجَباً وخبَراً ، ليصِحّ لي أن أتكهّن بقُرب موسم التّفاح الأبيض ونحن على مشارف ربيعٍ فقَدَ الكثير من اخضراره نتيجة الهجمة الشرسة التي يشنّها عُمّال المَحَارة في تبييض كلّ المسوّدات ..

ومثلما فعَلَ الأمريكيَون بعد احتراق قصر الرئاسة ـ وفق ما تُورد القصص المزعومة ـ بأن صبَغوه باللون الأبيض ليُطلق عليه منذ ذلك الحين البيت الأبيض مشتهراً شهرة واسعة رغم سوادِ كثير من أفعال ساكنيه على المستويين الشخصي الاجتماعي والرسمي الدولي ، كذلك فعَل الرّاغبون في تجميل القبيح وترميم الحُطام وتخدير الانتقاد ..

فسلاحٌ أببض يقتُل ويُدمي ويزهق الأرواح ويشوّه الوجوه والأبدان هو المصطلح الذي يُطلقه الإخباريون والإعلاميون في نشراتهم وتحقيقاتهم وأخبارهم الصّحفية عن معارك دارتْ هنا أو هناك واستخدَمَ فيها الأبطال سلاحاً أبيض لا فرقعة ولا صوتَ له مع أنّ آثارَه ونتائجه ليست بيضاء بل حمراءَ قانية ..

والزّواج الأبيض تلك العبارة التي استخدمها كاتب رواية (أيام في العذاب) إحدى سلسلة روايات الأحلام التي شغفَ بها المراهقون والشباب زمناً طويلاً ، هو زواجٌ للحصول على مميزات اقتصادية أو اجتماعيّة أو تحقيق شروط تحتّمها السياسات والتنظيمات الإدارية في دولةٍ ما يستفيد منها أحد طرفي العقد أو الزواج الأبيض هذا دونَ أن يكونَ هناك لقاء أو حياة قد توصف بالزّوجية تُحيل حياة أحدهما (نيلةً) كما يقول إخواننا في مصر ..

وفي المجال العسكري والسياسي لا تمرّ سنةٌ من سنين القارة الأفريقيّة دون انقلابات بالألوان ، فبعضها أسود بقتلاه وجَرحاه ، وآخر أبيض دون نارٍ أو دخانها أو إطلاقها ، يُنفى فيه الرئيس أو يُحبس أو يمنع من دخول البلاد بعدَ أن غادرها رئيساً وتاهَ في الطريق مخلوعاً خُلعاً من غير ثمن ..

وقديماً علّمونا أن نحاول المُحافظة على (القِرش الأبيض) لليوم الأسود ، ونحن نعرف أنّ ذلك القرش أو الريال أو الدرهم بل وحتى الجنيه والدولار لم يكن أبيضاً بحال من الأحوال نتيجة عرقٍ وجهدٍ وشقاءٍ صاحَبَ الحصول عليه ، واسودادٍ طالَ صفحة وجهه وظهره من كثرة التداول والفحص والعدّ وربّما العضّ ..

والطّامة الكبرى والمصيبة العُظمى هي (الكذبة البيضاء) التي وعندّ سّماع ذكرها تتجّه الأفكار نحو ألوان الياسمين الأبيض والقطط الزاهية البيضاء وورد الفلّ ناصعة البياض ورُخام الجدران والحوائط التي تشعّ بياضاً وتألّقاً ، لتَنْصرِفَ بذهنك عن المأساويّة في الكلمة الأولى (كذبة) فالعبرة بالنّهايات ، والغاياتُ تَغسِل الوسائل بأجودِ أنواع المساحيق صنعاً وفعاليّة ..

وما يُدرينا لعلّ القلب الأبيض هو سُخرية مُبَطَّنَة نَصِفُ بها أُناساً يحملون خاصّية النّسيان بشكل كبير تجاه من أساءوا إليهم وتجاوزوا الحدود في حقّهم معهم ، وبهذا الوصف الازدواجيّ في الغرَض تكونُ الإشارة خضراءٌ دوماً للتعدّي على هؤلاء مراراً وتكراراً ممّا قد يسمح بهضم حقوقهم بالكليّة إن تبقّتْ لهم حقوق ، فالتّسامح مضمون وبياضُ القلب كفيلٌ بتمرير كلّ التعدّيات ..

وفي باب الجهل والأمّية يُطلِقُ العامّيون على خُلوّ العقل والفكر من المعلومات والدّراية بالأشياء وصفَ (مخّ أبيض) من باب الذمّ الذي يشبه المدح ، لأنّ البياض في الأصل لونٌ مرغوب في أغلب أحوالِه ، وهنا أُشيرُ إلى أنّ التّسمية تلك لم تأتِ من فراغ ، فسواد المعلومات وتراكمها وتفاعلها مع السنين والتجارب ومعتركات الحياة والتدارس والتحليل والاستنتاج لا يمكن أن يبقى معه بياضٌ لجزء من خلايا المخّ البشري ..

عندما تكون الصّفة البيضاء حقيقة ملموسة ومرئيّة وواقعية فهذا حافزٌ لقبولها والتأقلم معها سلباً أو إيجاباً حسبما ترمي إليه تلك الصّفة ، فبياض الوجوه من التعبيرات القرآنية الشهيرة التي تعني السرور والفوز يوم القيامة ، وفي ذات الكتاب الكريم قال تعالى (وابيضّتْ عينَاهُ من الحُزن فهو كَظيمٌ) كناية عن فقد البصر غير المحمود نتيجة الألم والفراق ..

لكنّ طِلاء التصرّفات بفُرْشاة البَياض رغبةً في تلميع غاياتها وإمعاناً في تشويه العُرف الاجتماعي والنّظرة السويّة للتفريق بين الخطأ والصّواب والحَسَن والسيّئ هو المشكلة والمعضلة التي يستخدمها غالب المُفلسين فكراً وتعليماً ، حتّى وصلوا بنا لتَبييض الأموال والذنوب والأخطاء والإجرام ..

والبَرَصُ الذي أصابَ الأخلاقيات والمصطلحات التي تدلُّ عليها ، إنما هو من آثار عدم المحافظة على الجسد الأخلاقي ذاته من بكتريا الهوى وفيروسات النّفس وجراثيم الشياطين ، لأنّ بَياضَ الجسدِ طبيعةً جميلٌ لمن يُحبّه ، وبياضُه برَصَاً من الأمراض التي يستعيذ منها كلّ ذي عقل سليم ، أَجارنا الله وإياكم منه ..



   نشر في 26 مارس 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا