التعليم في الدول النامية هو مجرد وهم - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

التعليم في الدول النامية هو مجرد وهم

مأساة التعليم في الدول النامية

  نشر في 27 شتنبر 2014  وآخر تعديل بتاريخ 18 نونبر 2016 .

لو افترضنا أن هناك قبائل بدائية تعيش في العصور القديمة، تتنازع فيما بينها على الحكم وامتلاك الأراضي، باستعمال الأسلحة البدائية كالعصي و الحجارة، حتى نجحت واحدة في فرض نفسها، و التمتع بكامل السيادة في رقعة جغرافية كبيرة، جعلتها تشعر بقوتها التي لم تكن في الواقع سوى قوة جسدية تتباهى بها و ينتابها الغرور لأجلها ،في الوقت الذي تسعى فيه سكان بعض القبائل الضعيفة الى استعمال عقولهم من أجل تحسين سبل العيش كبناء المنازل و الاجتهاد في الفلاحة و صنع الأثاث، و كذلك تطوير الأسلحة المستعملة في الحروب لتمتلك السيوف و الدروع و حتى المنجنيق، فتصبح بذلك قوة كبيرة لن تنجح تلك القبيلة القوية سابقا التي أمضت الوقت تتباهى بنفسها في التصدي اليها، و من المؤكد أن سكان القبيلة القوية سابقا سيشملهم الانبهار عندما يرون المنازل و الأسلحة الجديدة، و سيرغبون في معرفة طريقة صنعها ،التي ستسعى القبائل القوية الجديدة الى حجبها عنهم، لكنها ستخشى في ذات الوقت أن ينجحوا في التوصل إليها باستعمال عقولهم ،لذلك فهي ستوهمهم بأنها تريد أن تعلمهم إيّاها لكنها في الواقع لن تجعل منهم إلا مجرد مساعدين لها في عملية الصنع، فهي تعلم جيدا أنه من الممكن حجب تقنيات الصنع عن المساعد و تكليفه بمجرد أعمال روتينية، كحمل البضاعة و نقلها و كل ما يحتاج الى القوة الجسدية من أعمال،و سيساعدها في اقناعهم التصورات المادية الساذجة التي تسيطر على عقول سكان القبيلة القوية سابقا، و التي تجعلهم يعتقدون بأن النجاح مرتبط أساسا بالتحصيل المادي و العمل الروتيني، و قد لا نعجب أيضا أنهم سيسخرون من كل من يحاول اعمال عقله فيما يقومون به من عمل ،و لا ننسى كذلك بأن القبائل القوية الجديدة ستنشئ أماكن في القبيلة القوية سابقا لتعليم سكانها، و أماكن للتشغيل تكون هي المشرفة عليها، و التي سيسعى سكان هذه القبيلة الضعيفة حاليا إلى العمل فيها لسببين، الأول هو الحصول على المال و الثاني هو أن تصبح لديهم قيمة اجتماعية يفتخرون بها، باختصار نستطيع أن نقول بأنهم قد جعلوا مصالحهم الشخصية فوق المصلحة العامة، أي على عكس المنهج الذي إتبعه سكان تلك القبائل الضعيفة سابقا لكي تصبح قبائلهم قوية.

لقد بدأت كلامي بسرد مثال بسيط يعتمد على المنطق في تماسكه، لتوضيح المشكل الحقيقي الذي يعترض دول العالم النامي في زمننا الحالي، و لا أنكر بأنني أشرت بالخصوص الى الدول العربية في حديثي عن القبائل القوية سابقا ،للتركيز أكثر على أن الغرور و الأسلوب الروتيني في العمل يضعان حاجزا قويا أمام أي تقدم محتمل في هذه الدول، كذلك لا يجب أن ننسى بأن التقدم الكبير الذي بلغته الدول الكبرى في زمننا هذا قد أصاب الكثيرين بالذهول، و جعلهم لا يسعون الى اعمال عقولهم اطلاقا، معتقدين بذلك أن التقدم لا يمكن أن يكون إلا بالعمل الروتيني و المادي، و التفكير في مصالحهم الشخصية ،و يظهر بكل وضوح العلاقة بين المثال الذي سردته و الحياة التي نعيشها اليوم، فالمقصود بالقبائل الضعيفة هي الدول النامية و القبائل القوية هي الدول المتقدمة التي تسيطر اليوم على التعليم في العالم النامي، فهي لم تحجب فقط تقنيات صنع الآلات عن التلاميذ و الطلبة في الدول النامية ،بل سعت أيضا الى جعل الجانب النظري من العلم يبدو غامضا لا صلة له بالواقع، لكى لا يستطيع الطالب أو التلميذ الاستفادة منه في فهم النظريات العلمية، لأنهم يعلمون أنه اذا تمكن المتعلم من فهم الجانب النظري للعلم فهو سيتمكن من التفكير، و بالتالي سيكون قادرا على الاختراع و الاكتشاف، و هذا لن يرضي الدول القوية ،لذلك أود أن أقول الى كل متعلم في الدول النامية أنه يجب عليه أن يفكر فيما يدرسونه اياه، و يبحث عن العلاقة التي تربطه بالواقع، لنستطيع بذلك بناء جيل قادر على الاكتشاف و الاختراع، لكنني مع الأسف ألاحظ بأن المتعلمين في العالم النامي لا يفكرون سوى في النجاح الدراسي، و هم يظنون حقا أنهم قد تعلموا ما درسوه ،لكن لو طرحت عليهم سؤالا واحدا حول علاقة ما يدرسونه بالواقع، لما تمكنوا من الاجابة عليه، و هناك بعض المتعلمين من يعتقد أنه لا فائدة من فهم الجانب النظري للعلم، و ذلك بسبب انبهارهم بالاكتشافات و الاختراعات الغربية ،لكنهم يخطئون الظن ذلك أن الجانب النظري هو الذي يعبد الطريق أمام الجانب التطبيقي ،فلو راجعنا تاريخ العلم جيدا سنجد أن الانسان قد بدأ في التفكير فيما هو نظري (مثل نيوتن) ثم انتقل الى الاختراع، و كما يقول أينشتاين فان العلم لا يتطور اذا اقتصر فقط على العمل التطبيقي.

يقودنا التحليل السابق الى حقيقة لا يجب أن ننكرها، و هي أن الأساتذة و المدرسين في الدول النامية لا يفهمون شيئا مما يدرّسونه، لذلك لا يجب أن نعتمد عليهم في النهضة الفكرية في العالم النامي، و لا أبالغ ان قلت أنهم سبب التأخر العلمي و الجهل الذي يسيطر علينا اليوم ،فهم دائما يلومون التلاميذ و الطلبة على تدهور مستواهم الدراسي و لا يلومون أنفسهم على جهلهم بالعلاقة التي تربط ما يدرّسونه بالواقع، و من الطبيعي أن يمل المتعلم الدراسة اذا كان كل ما يدرسه خيالي لا علاقة له بالواقع، أما لو فهم تلك العلاقة فسيصبح دون شك متحمسا الى الدراسة و التعلم كما هو الحال في الدول المتقدمة.

هناك من يتحدث اليوم عن البحث العلمي في الدول النامية ،و يعتقد حقا أن الأساتذة في هذه الدول يشاركون في البحث العلمي، لكنني أود أن أطرح عليه سؤالا واحدا ، كيف يمكن لمن لا يفهم علاقة ما يدرسه بالواقع أن يشارك في البحث العلمي ؟ أو كيف يمكن لمن لا يعلم كيفية صنع الآلات الموجودة حاليا أن يخترع و يأتي بما هو جديد ؟

الجواب واضح هنا و لا يحتاج الى الكثير من الذكاء، فهذه من حيل الغرب و ألاعيبه، المتمثلة في ايهام هؤلاء الأساتذة بأنهم أكفاء و قادرون على حل المشكلات العلمية، و الحقيقة هو أن المدرس في دول العالم الثالث لا يستطيع فعل شيء لوحده دون مساعدة أساتذة الدول المتقدمة، و السبب الحقيقي وراء ذلك هو أنه عندما كان تلميذا لم يفكر فيما يدرسه، بل كان يفكر في النجاح الدراسي دون التعلم، و أنا طالب بالسنة الرابعة في الجامعة أقر اقرارا كاملا بأني لم أتعلم شيئا من هؤلاء الأساتذة، و كل ما تعلمته هو من بحثي الخاص ومن سعي وراء معرفة الحقيقة.

هناك أمر آخر أود الحديث عنه ، فكلنا سمعنا بذلك الفريق التونسي الذي قام بصنع طائرة في تونس دون مساعدة الغرب، و يقال بأن هذا الفريق متكون من مهندسين و هنا أود أن أتسائل ، أي دور للمهندسين في هذا العمل اذا كان التصميم جاهزا، فكلنا نعلم بأنهم قد اشتروا التصميم من مهندس فرنسي(ملاحظة : لا يحق لهم تسويق الطائرة و لا حتى استعمالها لأنهم لم يقوموا بتصميمها) أي أنهم قد قاموا بدور العمال في هذا العمل العلمي، و نحن لا نحتاج الى عمال اليوم ،بل نحتاج الى عقول مفكرة تنزع عنا غطاء الجهل، و اؤكد قائلا بأن التفكير هو الطريق الوحيد الذي اذا سلكناه وصلنا الى ما لم نكن نحلم به في الواقع، و لقد حاولت صنع طائرة لكنني لم أتحصل على التمويل اللازم لذلك، بالرغم من أنه لدي تصميمي الخاص، و بالمناسبة أريد أن أقول الى كل من يقرأ هذا المقال و هو قادر على تمويل هذا العمل العلمي أن لا يحجم على ذلك ،لأنها ستكون الخطوة الأولى أمام ابراز الحقيقة و هي أن التعليم في الدول النامية هو مجرد وهم، كما ستكون اللبنة الأولى لبناء جدار الحضارة في هذه الدول، و انني لا أخفي على القارئ أنني تمكنت من فهم العلاقة بين ما درسناه في الفيزياء و الواقع و خاصة في الميكانيكا الكلاسيكية لنيوتن، و كذلك أمتلك عددا لا بأس به من التصاميم لمختلف الآلات، و أضع كل جهودي لمساعدة العالم النامي على النهوض و السير في طريق التقدم.

وأخيرا أود الإشارة إلى أمر هام، سيتساءل القارئ بلا شك عن الدور الذي يقوم به الأطباء في المستشفيات وكذلك المهندسون في أماكن عملهم في الدول النامية اذا كان التعليم هو مجرد وهم، و الاجابة هنا ستكون واضحة بلا ريب، و هي أن ما يعلمه الأطباء من طرق للعلاج و اجراء للعمليات الجراحية تم تدريسهم اياه بعد أن أصبحوا أطباء بالفعل ،أي بعدما إستكملوا دراستهم ، و يجدر الاشارة هنا الى أن سبل العلاج و اجراء بعض العمليات الجراحية في الدول النامية لا يحتاج الى الكثير من الزاد المعرفي الذي يمتلكه الأطباء في العالم المتقدم و الذين يفهمون جيدا علاقة ما درسوه في سنوات دراستهم بالواقع ، و هذا سبب تفوقهم و قدرتهم على القيام بعمليات جراحية كبرى، و على العمل أيضا في مجال البحث العلمي ،و لذلك أدعو مرة أخرى كل التلاميذ و الطلبة في الدول النامية الى اعمال عقولهم فيما يدرسون، وكذلك أدعو المسئولين السياسيين الى استقطاب الكفاءات الأجنبية من الدول المتقدمة ،و الذي أعتقد أنهم لن يمانعوا في مد يد العون الينا من أجل تجاوز هذه الأزمة.

ملاحظة :لا يوجد كفاءات من العالم النامي يعملون في الدول المتقدمة كما يعتقد البعض ،فهم لا يقومون إلا بأعمال روتينية وظيفية لا تسمح لهم بفهم كل ما يحيط بهم كما سبق و أن أشرت في المثال.        


  • 4

   نشر في 27 شتنبر 2014  وآخر تعديل بتاريخ 18 نونبر 2016 .

التعليقات

yecine منذ 6 شهر
Thank you .
that was the best description of our situation ever read. this is the first article en-light the misconception between theoretical/Applied Science that we 've been all confused with .I have taken many MIT and Harvard course(Especially Physics) on edX and there is big difference in the so called theoretical course.
1
مروان السالمي
شكرا لك أخي الكريم على هذا التعليق الموضوعي الذي يبرز بكل قوة موقفك من الأمر كما أنه يكشف النقاب عن الروح الفلسفية المعاصرة التي تتمتع بها ، شكرا لك أيضا على سعيك وراء معرفة الحقيقة ( يقول الفيلسوف نيتشه:عم نبحث؟ عن الراحة عن السعادة ؟ كلا لا شئ سوى الحقيقة ، مهما تكن مرعبة و كريهة..)
مقالك جميل خاصة من حيث الصياغة وهو كلام صحيح يدركه القليلون ويجهله الكثيرون للاسف ولكن المشكل الاساسي ليس في الطالب او الاستاذ فقط، بل في من يحكم هذه القرى اذا كانوا هم اصلا "جهلة"
1
مروان السالمي
شكرا على إهتمامكم

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا