شِيــــكٌ من خشب - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

شِيــــكٌ من خشب

  نشر في 29 ديسمبر 2018  وآخر تعديل بتاريخ 30 ديسمبر 2018 .

"هل تعلمون لماذا كنّا نحبّه ولا نزال؟"

سأل الشرطي المتقاعد جلاّسه حول طاولة صباحية على رصيف مقهــى الشارع الكبير، ثم صمت برهة كأنّما ليمكّنهم من إلقاء نظرة على الفنّان وهو يمرّ أمامهم، قبل أن يسترسل: "ببساطة، لأنّه كان يعرف كيف يدغدغ مشاعرنا ويوقظ فينا إنسانيتنا التي كنّا نكتم أنفاسها وراء ستار تطبيق القانون... معه هو، لم نكن نطبّق القانون... كانت إنسانيته تكتم أنفاس القانون...

أذكـــر ذات دورة من مهرجان الأغنيـــة، كان الاختتام في ليلة شتوية باردة وممطرة... جاءنا إشعار بأنّ موسيقيا سكرانا يحدث هرجا في قاعة المسرح قبل انطلاق الحفل... كان غاضبا من إدارة القاعة التي لم توفّـــر جهاز بيانو ضروريا لتنفيذ أغنيته... ثار على قائد الفرقة الذي قال أنّه سيتدبّر أمره وينفّذ ما كتبه الملحّــــن للبيانو بآلة الأورغ... لمّا وصلنا هناك، وجدناه يقول كلاما عن الفرق بين البلّـــور والكريستال، والحاضرون موزّعون بين ضاحك وغاضب... خاطبه الضابط باسمه في لهجة حادّة، وكان بينهما سابق تعامل بسبب صعلكات ليلية. ولكنّ الفنّان ردّ عليه بأنّه ما بقي إلاّ الشرطة كي تفضّ إشكالا موسيقيا صوتيا... كنّا نبتســـم مستلطفين ذهابه مباشرة إلى الموضوع وتسميته الأشياء بأسمائها دون مراوغة ولا ماكياج. ولكنّ الأوامــر كانت واضحة: "علينا إيقاف الموسيقي المعربـــد، قبل وصول موكب وزير الثقافة وانطلاق النقل التلفزي المباشر لوقائع الحفل."

في مركز الاستمرار الليلي الذي يقع على بعد أمتار من قاعة المسرح، جلس الموسيقيّ يشرح لنا ما حصل مصرّا على تسجيل شكوى ضدّ مدير القاعة وقائد الفرقة الموسيقية ومدير المهرجان... في الأثناء كنّا نتابع وقائع الحفل على شاشة التلفزيون.

لمّا نودي على اسمه متوّجا بالجائزة الكبرى للمهرجان، اشتعلت القاعة تصفيقا وتصفيرا. وكان هو يبصق باتجّاه الشاشة متمتما بكلام غير مفهوم. ونحن نقدّم التهاني، رنّ الهاتف ليُطلَبَ منّا إحضار الفنّان فورا إلى قاعة المسرح... وجدنا أنفسنا نتحوّل من شرطة إلى حلاّقين وأخصّائي تجميل، نغسل له وجهه ونبحث عن عطر نرشه به ونسوّي شعره بأصابعنا.

كان الخوف كلّه من أن ينفلت الفنّان بكلام غير محسوب يُنْقَـــلُ على الهواء. ولكنّ الفنّان كان وديعا شبه تائه كأنّه غير مدرك لما يحصل حوله داخل "علبة الحلوى"(1). سلّموه شهادة تقدير ومجسّما صغيرا وصورة شيك بنكي على لوحة خشبية كبيرة كتب عليها مبلغ الجائزة بأرقام بارزة...ثمّ سرعان ما نزل من على الخشبة رافضا الاستجابة لطلب المصوّرين الصحفيين بأخذ صورة إلى جانب الوزير ومدير المهرجان. كان يشاكس أصدقاءه الحاضرين في القاعة مداعبا تلك الأرقام رقما رقما...

انتهى الحفل وأمّنّا عودة الوزير وضيوف المهرجان وغادر الجمهور وانصرف الفنّان محاطا بأصدقائه وعدنا إلى مركز الاستمرار... ليلتها طاف الفنّان مطاعم الشارع الكبير متبوعا بأصدقائه كالقطط الجوعى وراءه، ملوّحا بخشبة الشيك البنكي عسى أحد المطاعم يمكّنه من الاحتفال على الحساب، ولكنّ أصحاب المطاعم كانوا يكتفون بالضحك ثمّ يغلقون أبوابهم في وجهه...

بعد يومين حضر الفنّان إلى المركز، قال أنّه أضاع بطاقة هويته، لذلك يحتاج أن نسلّمه شهادة رسمية تثبت أنّه هو وليس شخصا آخر حتّى تمكّنه إدارة المهرجان من الشيك البنكي الحقيقي... كان يتأبّط الشيك الخشبي الذي امّحت أرقامه وكتابته وسال حبره كالدمع..."

أخذا الشرطي المتقاعد رشفة من قهوته ثم قال "هذا فقط مثال يبيّن لكم لماذا كنّا نحبّه ولا نزال..."

ملاحظة:

1- علبة الحلوى la bonbonnière: هيكذا يسمّى المسرح البلدي بتونس العاصمة

2- كلّ تشابه مع أشخاص أو أحداث خيالية هو محض صدفة مقصود



  • 3

   نشر في 29 ديسمبر 2018  وآخر تعديل بتاريخ 30 ديسمبر 2018 .

التعليقات

فوزية لهلال منذ 3 أسبوع
سرد رائع..استمتعت بالحكي حتى آخر حرف.. ألف شكر على إبداعك هذا
0

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا