أما آن الأوان لكسر الحواجز بينكما؟ - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

أما آن الأوان لكسر الحواجز بينكما؟

( النفس ) كلمة السر و المنطلق

  نشر في 07 فبراير 2016  وآخر تعديل بتاريخ 21 يونيو 2017 .

و من منا لم يمر بمثل تلك اللحظات حيث يتصرف كرد فعلٍ لما يدور بينه و بين نفسه ، ولا يدري حقا ما الخطب الذي أصاب نفسه ؟ .

أؤمن أن العلاقة بين المرء و نفسه هي التي تحدد العلاقة بينه و بين الآخرين و تحدد موقعه من الحياة . مالذي يفعله؟ مالذي يقوله؟ مالذي يجعله يسير في خط مستقيم أو منحنى ؟ مالذي يجعله يؤمن لدرجة كبيرة أو لا يؤمن ؟

إن هذا الخطب الذي نلاقيه مع أنفسنا هو العين التي نرى بها الحياة .

هذا المرء الذي يصرخ كثيرا حينما يتحدث مع الآخرين هو في الحقيقة لا يصرخ إلا في نفسه ، على الأرجح لم يصل إلى وفاق مع نفسه بالقدر الذي يسمح له أن يكون هادئاً في حديثه مع الآخر ، فالنتيجة إذن أن الصراخ يظل لغته التي يعرفها ؛ فببساطة هو فقط يحاور الآخرين كما تعلم أن يحاور نفسه .

نظرة عدم الرضا التي تلحظها في أعين البعض الذين إذا ذكرت أمامهم أي شيء لا يلبثوا أن يستعرضوا فيه من العيوب ما فيه و ما ليس فيه و لو كان طيباً ؛ لا يرون فيه مزِّية واحدة ، اعلم أن أول من تصيبه نظرات السخط هذه هو "أنفسهم" ،لم يرتضوا بها و تفننوا في الحط من قدرها لذا فأي شيء آخر يغدو غير مرضٍ بالنسبة لهم .

من منا لم يحتج بين الفينة و الأخرى أن يترك صخب الحياة و يرتكن إلى ركن هاديء وحيد و لم يلقى صدَّا في ذلك إلا من ِقبَل نفسه ؛ فإذا تصادف و أصبحت وحدك مدة دقيقتين على سبيل المثال في غرفتك صدقني سينتابك ذعر و غربة، لن تمر الدقيقتان إلا و أنت تقبض على الهاتف تحاول الاتصال بالشبكات الاجتماعية ليس بالضرورة أن تحدث أحدا لكن يكيفك أن تراقب ما يكتب الآخرون لتشعر بالراحة و الأنس حتى و إن كان كلاماً تافهاً لكن على أي حال هذا أكثر راحة من أن تجلس وحدك مع هذا الغريب الذي يسكن أنفاسك و يسمى "نفسك" .

هكذا الإنسان يفضل الهروب ألف مرة على المواجهة ، حتى و إن ادعينا غير ذلك ألف مرة ،نحن نختار الهروب لأنه مريح حتى و إن كنا نعلم أن فيه هلاكنا لكن إذا كنا لا ندرك الألم فلا بأس أن نغض الطرف !

قد نتقبل فكرة العذاب طالما لا يرافقه الألم !

في الحقيقة نحن نسعى إلى "الراحة" من المشكلات و لا نسعى تحديداً إلى "حلها" .

هكذا نحن مع أنفسنا نخشى سماع صوتها فنعلي أصوات الآخرين بداخلنا ، وهكذا اعتدنا الاستئناس بالجميع إلا أنفسنا _إنها حيلة ذكية حقاً _ حتى لا نضطر يوما للإنصات لصوت النفس الداخلي لأننا نخشى أكثر ما نخشى مواجهة جوهرنا الخالص العاري من أي زينة أو ستر أو نفاق.

هنا تتضح السنة الكونية وضوح الشمس في ذروة النهار أن " الشيء الذي يُهمل يَضمر " هكذا هي نفسك التي تركتها منذ أعوام تراكم عليها ما تراكم من أحداث الحياة و لم تكن متوفراً من أجل العناية بها و مناقشتها و مراجعتها و إصلاحها و تسويتها و تقويمها ؛ لم تكن موجوداً بينما كنت منشغلاً بأصوات الآخرين ؛ و كنتيجة طبيعية تتوقف نفسك عند هذا العمر الذي توقفت فيه عن إشراكها في جديدك ، و تخليت عن رفيقك الذي يكسبك لونك الخاص فبت ضائعاً بين ألوان الآخرين و أمسيت باهتاً في ربيع الحياة .

فقد يكون عمرك الزمني ستين عاماً لكنك لازلت حبيس السادسة عشر ، فهنالك إذن فجوة كبيرة تكونت بينك و بين نفسك منذ هذا التاريخ ، و منذ تلك السنة و أنت تدور في نفس المشاعر وتعيش على ذكريات آخر سنة كنت فيها على تواصل مع نفسك ، أما بعد هذا التاريخ فأصبح كل عام جديد ما هو إلا نسخة ماسخة مكررة باهتة و لازالت نفسك حبيسة عمر معين ، أنت في زمان و نفسك في زمان آخر ، هكذا تصبحان حرفيا كالغريبين في غرفة واحدة أو بالأصح في جسد واحد !

النفس رفيقة المرء و صاحبته ، على المرء أن يستمع إلى نفسه و يجالسها و يستوضح الأمور بنظرتها و بنظرته في حياد تام ، عليه أن يصل إلى درجة من التفاهم و الوفاق مع نفسه قبل أن يجدد لقاءه بالعالم ، فالنفس ما أشبهها بتطبيق الحاسوب أو الهاتف تحتاج معالجة مستمرة للأحداث و تحديث دائم كي تظل تعمل بالكفاءة المرجوة .

فلتبذل في سبيل ذلك ما تبذل

فلتقض في سبيل ذلك من الوقت ما تقضي ..

كل منا عليه أن يرفق بنفسه لقد عشنا من الوقت ما عشناه ، عشناه بطريقة أو بأخرى ، لكن المؤكد أنها لم تكن طريقتنا الخاصة بنا نحن ، خُلقنا ألواناً مختلفة لكل منا لونه الخاص به ، أؤمن أن من يحدد هذا اللون هو درجة نجاحك في الوصول إلى نفسك و وفاقك معها ، فمن وجد نفسه و تراضى بها وجد لونه الخاص ، و من لم ينجح بعد في الوصول فهو يعيش بألوان الآخرين يعيش حالة من الانتظار و الشرود و حالة الحنين إلى تناغمه النفسي المفقود ، كل يوم يظن أنه شخص آخر و الحياة تمر و هو لا زال في بحث عما يضيع .

ذلك المجهود الضائع الذي يبذله ليبحث عن نفسه بين الآخرين، فقط لو أعطى روحه بعض الحرية ..

فقط لو استغنى عن قيود الآخرين ..

فقط لو ترك روحه تتشكل و تتخذ طابعها بعيداً عن التكلف و التصنع ..

فقط لو تحلى ببعض الثقة و المسئولية و المغامرة

بأن يتقبل الصورة التي سيجد نفسه عليها و من ثَم يبدأ رحلة التطوير كما يحب ..

فقط لو ابتعد عن الحوائط الأربعة : الواقع ، المفروض ، المتوقع  و المنتظر ،  و اندفع نحو المركز .لو وظفَّ جهده التوظيف الصحيح و اتجه إلى أعماقه بدلاً من اجتياح أبواب الآخرين المغلقة ، لوجد بداخله بقعة مضيئة وسط الظلام ملتفة حول بعضها مشدودة خائفة مترقبة تحاول الالتحاف بالظلام  عساه يطفيء ضيها ؛ لاعتيادها على ألا تُرى ألا تكون موضع اهتمامٍ أو حب ، هنا و في هذا المشهد لن تحتاج سوى بضع خطوات تخطوها في حنو نحو ها ..إنها نفسك.. مد إليها يدك في انبساط ستلين هي و تنهض إليك و تبتسم لتُنير الظلام من حولكما.. نعم إنه عصر الظلام الطويل ينتهي؛ و من ابتسمت إليه نفسه فقد زارت البسمة حياته زيارة لا ذهاب بعدها ولا رحيل .

و من أحسن إلى نفسه و لم يهنها فقد شكر خالقه على النعمة و أدى الأمانة في حق نفسه و استطاع و من هذه النقطة بالتحديد أن ينطلق ليحسن للآخرين و يحسن للعالم و يؤدي الأمانة التي يسر لها ؛ فهي النفس كلمة السر و نقطة المنطلق .

يقول جل و على [وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا (10)"]

(بالمناسبة ،هذا الوقت في الإجازات و قلة الخروج و الالتجاء إلى ركن هاديء في البيت بعيدا عن الصخب هو فرصة ذهبية و أفضل وقت لمد اليد نحو النفس و استحضارها وتحديد موقعها على خريطة الصحيح و الخطأ، مجالستها للتقييم والتقويم في كل مدارات الحياة و ما فات و ما هو آت ، و لا تنس تحضير كوبين من مشروب دافيء واحد لك و آخر لنفسك ) .


  • 22

  • ندى عبد الخالق
    حبي للقراءة و الاطلاع قديمان جداً لكن الاهتمام و الالتفات لهما لازال حديثاً .أبحث عن الحكمة أينما كانت و أود أن تصبح ثقافة الفهم و التعلم قبل التكلم متاحة للجميع
   نشر في 07 فبراير 2016  وآخر تعديل بتاريخ 21 يونيو 2017 .

التعليقات

مقاال رائع أختي .. استمتعت بقرائته ... .. .. .. ..



سلمت أناملك '-'
1
ندى عبد الخالق
سعيدة جداً لتعليقك و قراءتك لكلماتي البسيطة
شفاة اللمى منذ 4 شهر
رائع هو مقالك، أوتعلم، لم أكمله لأني سرعان ما نزلت بعد قراءتي لقولك:"وهكذا اعتدنا الاستئناس بالجميع إلا أنفسنا _إنها حيلة ذكية حقاً _ حتى لا نضطر يوما للإنصات لصوت النفس الداخلي لأننا نخشى أكثر ما نخشى مواجهة جوهرنا الخالص العاري من أي زينة أو ستر أو نفاق."
يالله، ما أجمل كلماتك، وما أصدقها ...
كلامك من واقع تجربة مررنا بها جميعًا، وقليل من يستوعبها، وملاحظتك هذه أعدها من أروع الملاحظات التي وظفها القلم ...
جزاك الله خيرًا .
ملاحظة يسيرة: أتمنى أن تجتهد في علوم اللغة العربية، لأنك بالفعل تمتلك الفكرة والأسلوب، لكن النحو، وترتيب الأفكار خاناك في بعض السطور ... شكرًا جزيلًا .
1
ندى عبد الخالق
أشكرك جدا لتعليقك و رأيك و سعيدة أن حروفي لامست شيئاً من واقعك و حياتك
سعدت بملاحظتك و نصحك جداً
سأعمل على تحسين لغتي و سأهتم أكثر بالنحو
ربما ترتيب الأفكار خانني بالفعل لكثرة تعديلاتي على النص الأصلي رغبة في التحسين لكن هذا أخل بترتيب الافكار فعلا
سعدت بقراءتي سطور هذا المقال ,, سلم فكرك وسلمت يمينك ..
1
مقال رائع..
2
ندى عبد الخالق
أشكرك جداً

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا