أمة عربية على شفا الانطفاء - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

أمة عربية على شفا الانطفاء

18/7/2018م

  نشر في 18 يوليوز 2018  وآخر تعديل بتاريخ 26 يوليوز 2018 .

أمة عربية على شفا الإنطفاء

هيام فؤاد ضمرة

هذه المقالة كنت بدأت بكتابتها منذ ستة أشهر وكنت أعاني حينها مشاكل حادة في النظر، ومع تزايد الصعوبات بالرؤية حد الغباش التام لجأت للطب واكتشفت الآفة، واقتضى العلاج التعرض إلى عملية جراحية لتغيير عدسات العينين التي غطتها المياة البيضاء (المي البيضة) وتماثلت والحمدالله للشفاء، وسافرت شهرا خارج البلاد لقضاء فترة نقاهة لإراحة النظر، وعدت في رمضان ومضت الأيام ونسيت أمر المقالة حتى فتحت ملفاتي ذات يوم واكتشفتها مصادفة، وكنت وضعت لها عنوانا قبل البدء بالكتابة ب(ذكريات رجل عابر كفاح) لكني سرعان ما انزلقت بالمقالة إلى اتجاه آخر وجدته هو المسيطر عليّ بعد التمهيد

كقارئة عربية مثقلة بقضايا وطنها وبلاد العرب بالعموم، والقضية الفلسطينية بالخصوص، يظل هوس متابعة القضايا من خلال عدد من أصحاب الرأي والفكر على اختلاف وتعدد وجهات نظرهم يشدني من تلابيبي، كونهم نخبة النخب في الميدان الفكري الوطني والسياسي العاصف بالكثير من الأحداث والأكثر من الرؤى والمسالك، وما أغناها من رؤى حين يكون الكاتب واحداً من محركي الأحداث أو من المؤثرين في الرأي العام والفكر السياسي على اتساع مداه، هدفهم الرئيسي النهوض بقضايا وطنهم وقضايا أمتهم وعروبتهم، وايجاد الطرق المثلى لحل الأزمات وتجاوز آثارها، وبعث الأمل من جديد في أوصال هذه الحياة المتهالكة.

أسئلة عدة تظل تدور في خلدي وما زلت أبحث لها عن إجابة شافية تسكت ذلك الضجيج العافر داخل جمجمتي..

لماذا نحن العرب نظلّ بالمؤخرة حضارياً وإنْ تقدمنا خطوة نتأخر بالمقابل خطوات؟؟

ولماذا انشغل الخليج العربي المالك للثروة على التنافس ببناء الأبراج المخترقة عباب السماء، ونسوا أن الوطن العربي يحتاج إلى مشاريع استثمارية انتاجية وصناعية وإنشاءات عامة ضخمة تفتح أمام أجيال الشباب المتخرج سنوياً على اختلاف تخصصاتهم فرص العمل والتعليم المتقدم؟ كان بإمكانهم إنشاء مشاريع استثمارية تحقق الفائدة المشتركة على مبدأ فيد واستفيد، فبدل أن تفتح حدودها لاستقبال الأيد العاملة حتى يصبح تعداد ما تستقبله ضعف تعداد الوطنيين من أبناء البلد، كان بإمكانها إقامة مشاريع ريادية صناعية ضخمة تشغل الأيد العاملة داخل بلادهم وعلى أرضهم وتجني فائدتها.

لماذا ونحن نتنادى بإقامة مشروع حضاري عربي اسلامي ونتخذ القدوة بتجربتين رئيستين كتركيا وأندونيسيا ونمتلك كوطن عربي كبير ممتد من المغرب العربي حتى الخليج العربي كافة مقومات النهوض الاقتصادي والحضاري، ورغم ذلك ما زلنا نقف على حافة المنزلق نخشى العبور بقفزة ثابتة محسوبة العواقب والنتائج؟؟

هذه الأسئلة ألقيتها في وقفة جانبية على السيد. سالم الفلاحات الأمين العام الرابع للإخوان المسلمين أثناء التقائنا في إحدى ندوات منتدى الفكر العربي، وكان هو مشاركاً رئيسياً فيها، وقدمها يومها رئيس تحرير مجلة المنتدى د. محمد أبو حيمور خلال الشهر الأول من العام 2018م، فوعدني بكتاب يُجيب على كل أسئلتي، وصدق بوعده أن منحني الكتاب إضافة إلى مجموعة من مؤلفاته تلك التي تتحدث في فكر الأحداث المهمة التي مرت على الأمة وكان له مواقف محددة وواضحة معنية بالقضية الرئيسية قضية فلسطين والقضايا الداخلية بالعموم .. وكنت في الوقت ذاته حصلت على كتاب مجلة المنتدى وموضوعه الرئيس "الاسلام وبناء السلام محلياً وإقليمياً" مستخدما مدخل الكتاب موضوع نحو إعادة قراءة النهضة العربية، وقطوفها الدانية "الإسلام وبناء السلام محلياً ودولياً" من خلال عرض فكري لتصريحات سمو الأمير حسن بن طلال لإذاعة صوت العرب المصرية، والمنطقة تقبل على مرحلة حل دولي ينتظر أن يعيدها لمربع السلام.. وعرض فكري لعدد من المفكرين الجهابذة في موضوع نحو نهضة حضارية عربية جديدة في مواجهة أزمة القيم والتطرف، ووجدت نفسي وبين يدي مجموعة طيبة من المراجع تنوف على العشرة إضافة لما وصلني من عدد من الكتب الثقافية الأدبية تحتاج كلها إلى نبش دقيق يشبع نهم المعرفة والفهم السياسي المعني بقضايا العرب.

هل حقاً من الممكن أن تنهض أمة العرب من رقدة طال أمدها بين خرائب التخلف؟؟

حين التعمق في أدبيات الوعي السياسي، لا بد لعودة متأنية للخلف لانتشال عبرة أو درسا، فقراءة التاريخ لم تعد ترفاً ثقافياً، فالتجارب تمنح الدروس وتنقذ من المهالك لو استنبطت منها العبر والفوائد، فأحداث التاريخ لا تنقطع عن الحاضر فهي مرتبطة بها بسلسلة متعاقبة من الأحداث في كثير منها ما يوجب إدراكها جيداً، فالنجاة في استيعابها، وفكفكة فواصلها لكشف الستارعنها وفهم مدركاتها بشكل صحيح والاستدلال بدروسها، فالعالم العربي هذه الفترة يعيش مرحلة عصيبة من تفجر الفوضى، وأوطانه تشتعل بالخلافات والانقسامات، ويسيطر عليهم سطوة الفكر الغربي المتطرف بأشكاله القبيحة، باثاً في الثنايا الفكر الطائفي والتكفيري والأصولي والمذهبي، مما أدى جراء ذلك أن أحدث هذا التفكك شرخاً فكرياً عميقا، أدى إلى حدوث مآسي إنسانية واجتماعية وقيمية جعلها تتخلف للوراء خطوات كثيرة، في الوقت الذي يتقدم فيه العالم للأمام، ليس بخطوات بل بقفزات طويلة..

وإذ تتفاقم الصراعات الدامية في عدد من الدول العربية، وتتزايد أسباب الفرقة والانقسامات، يهجم الفقر بأنياب دامية نتيجة نظام العولمة إلى بعض الجسد المتهالك الموشك على السقوط.. فهل يمكن وسط أزمة الفقر والتخلف والتراجع الحضاري أنْ نقدم تصوراً مقنعاً عن الانسانية على ما أبداه الله في محكم قرآنه الكريم جاعلا الإنسان محور الكون وداعيا إلى العدالة والتطور وتحقيق السلام .. فأين من كل ذلك السلام..؟

وقد ظهرت بالآونة الأخيرة كثيرا من الدراسات لعلماء جهابذة، قدموا دراساتهم ومشاريعهم بما يفيد في الخروج من عنق الزجاجة، والانطلاق نحو الحل بالنهضة العربية المشرقة والتي أشار إليها شهاب الدين السهروري في كتابه (حكمة الإشراق) من خلال التقدم برسالة النهضة العربية وإشراقاتها بعيداً عن فكر الأدعياء.

فأين مكانة الوطن العربي من قضايا التطور السياسي والاجتماعي والاقتصادي والعلمي..؟

فالبعد الانساني بات الشغل الشاغل لأولئك المنشغلون بوضع الحلول وعرض المشاريع وإيلاء القضايا الرئيسية المهمة كل الأهمية، حيث يشكل (الاستثمار بالإنسان) ركيزة مهمة على طريق التطور الحضاري ومن ثم (الاستثمار بالابداعات والعقول العبقرية) من أولئك الذي قال الرسول الكريم عنهم ( إن الله يحب أولئك الذين يضجعون على جنوبهم وهم يتفكرون) فالفكر أساس انبعاث الاشراق بالفكر التنويري الاصلاحي من خلال تجديد الفكر وتعميق الرؤية، والتجديد هو انبعاث الفكر الواقعي الصادق على ما فيه من قيمة عالية وإدراك سوي.

وكلما أمعنا النظر في حال هذه الأمة العربية، لاحظنا وبكل ألم، أنها تعيش عصر سقوطها الذريع باتجاه الأسفل، فهناك مؤشرات واضحة باتت تطفو على السطح تبين على أنها تؤول نحو الذوبان والانقراض التدريجي، مقارنة بالتقدم الحضاري المتسارع الجاري في العالم، والذي أدى إلى إحداث فجوة حضارية عميقة تجاوزها يحتاج لقوة جبارة وعزيمة صادقة وتحرر وتفرد بالقرار، وتحولت دول العرب إلى حالة من التبعية الواضحة لمراكز القوى العالمية سياسيا واقتصاديا وعلميا وثقافيا واجتماعيا، أي باتت تظهر عليها وبتزايد مستمر علائم التخلف، ومعها ارتفعت معدلات الاستبداد في المنطقة وتغطيته بمصطلحات تلونه بغير حقيقته، وزادت التبعية الخارجية حد الاستعمار والتغول بصورة جديدة، أي استعمار بلبوس معاهدات وتطبيعات وانزلاقات وتبعيات مع فقد القرار الذاتي، والانعزال عن العالم بغية التنقيب عن حلول ومخارج تنقذ ما يمكن إنقاذه، تماماً كذا الحال كان علية أيام سقوط دويلات الأندلس حتى لحظة الارتطام الصاعق بالقاع وانتهائها الأبدي.

من خلال النظر إلى الأوضاع الاقتصادية العربية نجدها تعاني الانهيار الذريع، ومع تلاعب قوى الشر الدولية بالأسعار العالمية، بحيث تخفض نسبة العملة الداخلة إلى العالم العربي وترفع نسبة العملة الخارجة منها، فإن الدول العربية باتت تعاني الضائقة الاقتصادية الأخطر على الاطلاق، مما يؤثر على أي برامج حضارية ممكن اتخاذها، وعلى البنية الاقتصادية بالعموم، هذا لو افترضنا أن النية باقامة المشروع الحضاري باتت موجودة لدى المسؤولين، وهذا التردي الذي وصل إليه العالم العربي جزء من أسبابه داخلية بامتياز، والجزء الآخر الخارجي تم العمل عليه من قبل برامج الغرب منذ أمد طويل للوصول إلى ما وصل إليه الحال العربي بصفة خاصة، لتجد نفسها دول العرب مسجونة داخل الحصار الاقتصادي، مما يفقدها قرارها بالنهاية مع تراكم ديونها الدولية، فترضخ لقبول الحلول السياسية للمنطقة التي كانت مرفوضة، وتوقع على استسلامها الأخير بقبول دولة الاحتلال اليهودية والاعتراف بها والتطبيع معها، وربط البنية الحضارية الرئيسية بالماء والكهرباء والغاز والتجارة البينية بينهما، وكأنّ لسان حال الغرب يقول للعرب "لا تقدم حضاري لكم بدون الرضوخ التام لإرادتنا وقبول دولة الاحتلال ونسيان أمر فلسطين"

هناك احساس غامر أن استمرار الدول العربية بظروفها الاقتصادية وتراجعها الحضاري وغلبة الحروب الأهلية التي تأكل فيها الأخضر واليابس، وتدمير البنية التحتية في أغلبها، والهجرات القسرية والطوعية، والإبادات الجماعية، والاحتلال المباشر لبعضها، والاحتلال غير المباشر للبعض الآخر، ووصول بعض دولها إلى حالة الحائط المغلق لا يمكن تجاوزه ولا قدرة لها على التقدم خطوة واحدة، والغزو الثقافي المتجلي عبر منافذ التكنولوجيا، وتأثيراتها في تمييع فكر وقيم الأجيال الشابة، وسيطرة المركز على سياسات واقتصاديات بعض الدول إنْ لم يكن غالبيتها، واضعاف الانتماء للوطن وللدين أمام تغول الفقر، وغيرها كثير .. كلها ايماءات ومؤشرات تدفع بالعالم العربي إلى الانتهاء التدريجي فيما لو بقي الحال على ذي الحال.

والأدهى من هذا كله أن السواد الأعظم من الناس غير مدركة حجم المخاطر المحيقة بدول العالم العربي والاسلامي، وأن الفئة الواعية هي فئة محدودة العدد قياسا بالعامة الذين يؤثرون عدم التدخل بالسياسة لأنها في رأيهم متعبة، ولا يرغبون أن يرهقوا عقولهم بالتفكير بها، وهذا الانسحاب مرده إلى تعرض العامة إلى فترة طويلة من الاستبداد مما جعلهم يؤثرون الابتعاد عن كل ما يعرضهم للمساءلة من قبل الجهات الأمنية.

ومع هذا هناك فئة مثقفة تتوسع دائرتها وتتشكل رؤاها بكفاءة عالية تحمل على عاتقها التفكير الايجابي في طرق المعالجة والمباشرة بطرقها السلمية إلى تعزيز عملية التغيير، هذا الكلام لا يقال هنا بمقاصد خبيثة ولا مساً بأحد، ولكنه واقع؛ تتبدى حالته عارية من كل تجميل.. لكن هذه الأمة ما زالت تنتظر منقذها بفارغ الصبر الذي سينتشلها من الغرق الأخير وتوقف الأنفاس النهائي، فالمسؤولية تتعلق بكل مواطن عربي ومسلم شريف عليه أن يضع لنفسه برنامج يبدأ من عنده في التغيير، بدءا بالتغيير الأخلاقي من خلال المبادئ والقيم، واسترجاع قيم الأصالة التي حفظت المجتمعات العربية، ومن ثم الاهتمام الثقافي وفهم التغييرات السياسية نحو الأفضل والدفاع عن الحقوق العامة، مما يساعد في بروز الأكفاء من قيادات تسعى نحو خلق مواطن متحمل للمسؤوليات، كمثل المواطن الياباني الذي يحس بمسؤولياته دون رقيب فيقوم بدوره بأمانة وإخلاص، من هنا يبدأ التقدم نحو الأمام.

لقد أشبع المنظرون والمفكرون العرب والمسلمون موضوع المشروع الحضاري العربي دراسة وتمحيصاً وأدركوا لزوم وضع تصوراتهم من فكر أصيل مستمد من المفاهيم الإنسانية الاسلامية الجامعة، ليكون نبراساً منيراً يفتح الآفاق أمام خطوات التطور، لضمان أن يكون البناء على أساس متين ويكون مشروعهم بما يتناسب والبيئة القيمية للمسلمين وبلادهم، بديلاً لأي مشروع وافد لا تتراكب مبادئه وبيئة المجتمعات هنا، وبالنهاية والمؤسف بالأمر إن دراساتهم كانت تعود لتعيش يتمها الحزين بعد ذلك على الورق وفي ثنايا الملفات، ولا تجد المنافذ التي تخرجها إلى أرض الواقع، والمتهم هنا بالطبع السياسي الذي تجاهل الأمر ومر من جانبه دون الالتفات لوجوده، وما من مشروع وصل حد التطبيق حتى هذه اللحظة، فالعقبات تتكاثر حد الازدحام أمام اتخاذ الخطوات الأولى، ويعلق الأمر على الأوضاع الأمنية المتزايدة سخونة، وعلى الأوضاع الاقتصادية المتدنية لدول العرب أمام انخفاض أسعار النفط وارتفاع أسعار السلع العالمية، وهنا لا بد أن نتساءل، من هو المعني بتحديد الأسعار صاحب السلعة أم مستوردها، إذن ما دور بلاد العرب المصدرة للنفط في تحديد أسعار النفط، فهل حقا قل الطلب على سلعة النفط وارتبك سوقه؟

ما الذي يمنع دول العالم العربي من أن تقيم اتحادا فيدرالياً عظيما بينها، مع تفرد كل بلد في سياساته الداخلية لمواجة كافة التحديات والعقبات التي تواجهه منفردة ومجتمعة، فالوطن العربي تجمعه أصوله ولغته وديانته وتاريخه فلما لا تجمعه مصالحة العامة ويتخذ موقف تبني السياسيات الجامعة؟ هو سؤال لطالما أثارة الفضول وحرك ثورة العقول.. فبأي متاهة نسطيع أن نجمع أركان الإجابة.

فطالما عوامل الوحدة الكونفدرالية متوفرة وقائمة، وتمثل الثقافة الاسلامية ثقافة الوطن العربي من مشرقه حتى مغربة، فما الذي يمنع وحدة دوله في بوتقة النهوض الحضاري المتشارك على غرار الولايات المتحدة مثلاً..؟


  • 1

  • hiyam damra
    عضو هيئة إدارية في عدد من المنظمات المحلية والدولية
   نشر في 18 يوليوز 2018  وآخر تعديل بتاريخ 26 يوليوز 2018 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا