الأحداث الغريبة التي تقع ليلة اكتمال القمر - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الأحداث الغريبة التي تقع ليلة اكتمال القمر

التحيزات اللاعقلانية للعقل

  نشر في 19 أكتوبر 2016 .

خلال العصور الوسطى، في أوروبا، اعتاد الناس أن يلوموا البدر على التصرفات الطائشة والأحداث الغريبة؛ كان الاعتقاد لديهم راسخا بأن البدر يسبب الصرع والحمى ويحول الناس إلى مستذئبين.

ما عادت أوروبا تعيش في العصور المظلمة، وما عاد الناس ينسبون الأمراض إلى دورات القمر، لكن الإنسان الغربي ما يزال يربط بين البدر والتصرفات الخرقاء، رغم كثرة الدراسات التي أكدت غياب السببية بين البدر والأحداث الجنونية التي يُعتقد أنها تكثر تلك الليلة. بل إن كلمة lunatic، في الانجليزية الحديثة، التي تطلق حاليا على الطيش والتصرفات الجنونية، مشتقة من الأصل اللاتيني luna، التي تعني القمر!

خلال دراسة أجراها سنة 2005 الدكتور ديفيد مندل، وجد أن 69% من ممرضات قسم الجراحة في بنسلفانيا الجنوبية تعتقدن أن البدر يسبب الكثير من الفوضى والمزيد من تدفق المرضى. فهل أولئك النسوة مجرد هستريات غبيات تؤمن بالخرافات؟

كلا. هن نساء واعيات مثقفات. فلماذا إذن تقعن، كما يحدث أيضا مع رجال الشرطة، في فخ الإعتقاد الخرافي بأن ليلة اكتمال القمر تسبب تدفقات أكبر على أقسام المستعجلات، ويحدث خلالها الكثير من حالات الانتحار والقتل وحوادث السير المجنونة؟

الارتباطات الوهمية الخادعة

يصف علماء النفس هذا الانحياز العقلي، الذي يقود شخصا مثقفا واعيا إلى الإيمان بمثل خرافة تأثيرات البدر، بـ ”الارتباط المُوهم Illusory correlation“، وهي ظاهرة الإدراك الزائف لوجود علاقة بين إثنين من المتغيرات، حتى عندما لا توجد أي علاقة فعلية بينهما.

لنأحذ مثالا: قررتَ أن تقوم برحلة سياحية إلى دولة ما. في المطار طلب منك ظابط الجمارك بضعة دولارات حتى لا يفتش حقيبتك تفتيشا دقيقا. خلال إحدى جولاتك حين ركبت سيارة أجرة بدأ السائق يتحدث في الهاتف ثم انطلق في نوبة بكاء وهو يتحدث مع الطرف الآخر عن ابنه المريض الذي يحتاج فورا دواء غاليا جدا وإيرادات اليوم هزيلة جدا، بغرض استدرار عطفك وكرمك. بعد ذلك ذهبتَ إلى مقهى فاخر، لكن النادل أخطأ في تلبية طلبك وتعامل معك بوقاحة غير مبررة…

كيف ستصف رحلتك السياحية بعد عودتك؟ لا شك أنك ستتذكر بسهولة كل تلك الأحداث السلبية وستقول بأنها كانت سيئة وبأن شعب ذلك البلد أوغاد وقحون وجميعهم متسولون جشعون.

هذا غير صحيح طبعا، فأنت نسيت وتجاهلت مواقف أخرى كثيرة أظهرت طيبة ذلك الشعب؛ ذلك الشاب الذي سألته عن وجهتك فشرح لك بالتفصيل وحماس كيف ستصل إلى هناك. عدد سيارات الأجرة التي ركبتها ولم يتسول منك سائقوها. كثرة المطاعم والمقاهي التي جلست فيها وخدمك فيها النُدل باحترافية، إلخ.

ما حدث أنه خلال تلك المواقف العادية لم يقع حدث غير متوقع. أي بصيغة أخرى لم يحدث شيء. كل شيء طبيعي. النتيجة أنك تتذكر بسهولة الحالة التي تعامل فيها معك النادل بوقاحة، لأنها حالة شاذة، وتنسى عشرات الحالات الطبيعية التي تعامل فيها معك نُدل آخرون بطيبة.

الكثير من الدراسات النفسية أكدت ميلنا إلى المبالغة في تقدير الأحداث التي يسهل علينا تذكرها، في مقابل التقليل من قيمة، والاستخفاف بأهمية، الأحداث التي نجد صعوبة في تذكرها. أي أننا كلما سهل علينا تذكر أحداث ما، كلما كان ميلنا أكبر لإيجاد علاقات رابطة بينها، رغم الغياب الفعلي لأي علاقة ربط بينها.

هفوات الذاكرة المميتة

الارتباط المُوهم هو تحيز عقلي يجمع بين نوعين آخرين من الإنحيازات العقلية، هما التوافر الارشادي والانحياز التوكيدي.

”التوافر الارشادي Availability heuristic“، هو حالة من القصور العقلي تتعلق بالنماذج التي تحضر بشكل سهل إلى وعي الشخص عند مراجعة أو تقييم موضوع أو قرار معين. هنا، وبشكل غير واع، تعتقد أنه إذا كان سهلا استذكار نموذج ما، فإنه لا شك ولا بد أن يكون مهما جدا، أو على الأقل أكثر أهمية من الخيارات الأخرى غير الحاضرة في الوعي بسهولة.

يتفرع عن التوافر الارشادي نوعين آخرين من التحيزات العقلية:

”سهولة التذكر Ease of recall“: إذا كان الشيء سهل التذكر فإنه لا محالة يحدث بقابلية احتمال عالية جدا. وهنا يفرض الاعلام سطوته، فالأحداث النادرة حين تقع تحصل على تغطية إعلامية واسعة ومستمرة، مما يضع تلك الأحداث في مستوى وعينا ويجعلها سهلة التذكر وحاضرة باستمرار، فتكون النتيجة أننا نعتقد أن تلكم الأحداث (التي يفترض أنها نادرة) هي أحداث تقع كثيرا، لأننا صرنا نجدها باستمرار حاضرة في وعينا.

”قابلية الاستخراج Retrievability“: بسبب محدودية الذاكرة وقصور آليات البحث، فإننا نميل إلى أن نكون منحازين في تقدير تردد وتكرر الأحداث. فكلما كان حدث (أو موضوع) ما مرتبطا بأحداث ومواضيع أخرى سهلة التذكر، كلما زادت قابلية البحث عنه في الذاكرة، أي سهولة استخراجه، وبالتالي تزيد أهميته.

تحيزات قابلية الاستخراج وسهولة التذكر توضحان أن التوافر الارشادي يمكن أن يؤثر على أحكامنا وقرارتنا بشكل كبير ودون وعي. إذ نفترض بسهولة أن الحالات التي نتذكرها هي حالات شاملة وحقيقية، ونتجاهل دون وعي كل الأحداث غير المتوفرة في ذهننا وذاكرتنا النشطة.

خطورة الارتباط المُوهم تتعاظم حين يحضر الانحياز التأكيدي، الذي يمكننا اعتباره أب الشرور.

”الانحياز التأكيدي Confirmation Bias“ هو الميل إلى تجميع، تذكر، وتفسير المعلومات بشكل انتقائي بحيث تتوافق مع معتقدات وافتراضات الشخص، مع تجاهل كامل للأدلة المناقضة. ومن ذلك تفسير، أو بالأحرى تأويل، الأدلة الغامضة، بشكل حصري في اتجاه اثبات الموقف الحالي للشخص.


التحيزات اللاعقلانية للعقل يمكن أن تسبب تأثيرات كبيرة وخطيرة على مستويات وقدراتنا على اتخاذ القرارات، فكثيرا ما تدفعنا الانحيازات اللاواعية لاتخاذ قرارات خاطئة للغاية، سواء على المستوى الشخصي أو المهني. وإلمامنا بحالات القصور هذه هو خطوة أولى لتجاوز نقاط ضعفنا وتحسين قدراتنا على اتخاذ القرارات الصائبة.


  • 1

   نشر في 19 أكتوبر 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا