الحب والمعجزات..إذ نأسى على ماضٍ تولّى - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الحب والمعجزات..إذ نأسى على ماضٍ تولّى

عبدالوهاب شعبان

  نشر في 05 ديسمبر 2018  وآخر تعديل بتاريخ 11 يناير 2019 .

طواه الزحام القاهري الذي لم يبق شيئًا مريحًا في شوارعها، فأصبح كوجبة سريعة لا مذاق لها، ولا اشتهاء، هذا تعريف مبسط للحب، في مدينة لا تنبت الحب.

(1)

حمل الفتى العشريني لوحته إلى وسط القاهرة، تنهد، وجلس، تفضح عيناه ما يخفيه من لهفة أخاذة، بدا مرتبكًا يستعجل موعده، كطفل يضم إلى صدره ملابس العيد، وينتظر صباحه على عجل.

 كشف عن لوحته فإذا بوجه أنثى خاطفة يشع ضوءًا من نوع خاص، سألني عن رأيي: قلت ما هذا بشرًا، فأخبرني أنها تنتظر الآن، وأنه سيفاجئها بعد غياب استمر 12 عامًا بأنها لا تزال مطبوعة في فؤاده، لم يخفت بهاؤها بفعل تتابع السنوات.

 مرت دقائق انتظاره، وهو يتنقل بين حكايات ما كان في لقائهما الأول بالجامعة، والحكي يغير ملامح وجهه شيئًا فشيئًا، اكتملت حُمرة وجهه مع اقتراب موعده، فاستأذن، وانصرف.

في الحب نفحةٌ روحانية يدركها مريدوه، يبقيها الشغف، ويصرفها السخف.

(2)

قف على حافة الانبهار، واترك فرصةً كافية للتأمل، فإن غواية القلب لاتعني بالضرورة رسوخ العاطفة..

وصلت رسالته مشفوعة بنظرة خجلة من الفتاة الحسناء، سهمُ نافذ من عينيها أسقطه في أسر دائم، لم يبرحه خلال سنوات أمضاها متأملًا طيفها، تحلق حول ذكرياته، موسيقاه العاطفية التي تذكّره بها، كتاباته العفوية التي تليق بـجنون حب البدايات، رسائله التي طوت سني الوحدة الغابرة.

كلفته بمهمة ذات مشقة، تجاوز بها شقاء البحث عن أنثى تشبهها، أغلق قلبه على حلمه القادم من الشتات، واستعان بالقاعدة"الحب يصنع المعجزات"، أخلص بما يفرضه قرب الحبيبة، مثلما فعل في غيابها، وانطلق في طرق واجه خطورتها منفردًا، على أمل حديث ليلي طويل يدفع عنه هموم سيره في اتجاهات لا يقوى عليها، ولا تتسق مع طبيعته المسالمة.

الذي كان يخبرني طوال الوقت بأن الأنثى التي لا تعرف التضحية لا تحفظ الحب، صار يمارس أقصى درجات التضحية أملًا في إدراك الحب.

(3)

لكل مريد "رضوى"، بشرط أن يستقر إيمانهما على أن الحب هو الذي يجعلنا نبصر.

يخبرني صديقي عن لقاءاتهما معًا، عن تعثر الكلمات على لسانه، سحر نظرتها وكيف يزده شوقًا إليها في حضورها، صمته الأبدي حيال رقتها المتناهية، وخجله الذي يحول بينه وبين البوح بما يضمره فؤاده، سعيه لأخذها إلى عالمه بحكايات الحب الأسطورية، ربما تدرك بذكائها مغزى عباراته.

حدثها عن فتاة عشرينية تسلل الحب إلى قلبها أثناء صعودها سلم كلية الآداب، شغفتها قصيدة الفتى الفلسطيني حبًا وأدركت منذ يومها أن ليس كل منظوم شعرًا، وأن ثمة خيط رفيع بين المطبوع والمصنوع لا يستطيعه سوى أصحاب النفوس الشفافة، أخبرها أن رضوى عاشور آمنت بمريد البرغوثي اتساقًا مع إيمانه بقضيته، وأدركا معًا أن الحب ليس محض رفاهية عاطفية، وإنما رغبة مصحوبة بتضحية لأجل بقائه حيًا نابضًا، فأنتج الحب في تجربتهما روائية تسري عباراتها كالندى على نفوس يابسة، وشاعرًا لم يزده النفي عن وطنه إلا حنينًا وإبداعًا استثنائيًا، وتبلورت حكايتهما كأسطورة عشق معاصرة، يستند إليها من يبحث عن مفهوم أكثر نضجًا للحب.

ذات مساء قلت له: إن رضوى لم تسق خلف عاطفة عفوية وفقط، ثمة تكافؤ واضح بين أرواح حالمة.

( 4)

الأنثى التي تفرض نديتها في علاقة كهذه ليس لديها ما تمنحه، ولا معجزة إطلاقًا في عاطفة قائمة على المبارزة والجدل.

انطفأ بريق إثنى عشر عامًا في لحظة مواجهة، فالحب ليس مجرد عبارات براقة نتناقلها في دردشة افتراضية، أو مقاطع موسيقية تثير شوقًا لحظيًا، وليس إعجابًا منمقًا بصورة فاتنة على مواقع التواصل الاجتماعي، تلك التي سفهت من جلال العاطفة، وقيمتها، وخلقت نوعًا من الاستسهال الباهت لإقامة علاقات سطحية اتسعت بها مساحات المسخ العاطفي، وتشوهت عبرها قيمة المعنى، وتحولت الكلمة ذات الحرفين إلى آلة عزف لـ"لحن" روتيني ممل، فرّغ كل نبيل من مضمونه، وطغى به القبح على كل نقاء حياتي.

(6)

الحب كأحلامنا الصغيرة، حدد وجهته أولًا، حتى لا يضل طريق التحقق.

أنهى صديقي مهمته وهو القابض على جمر مشاعره، يحترق بها وحده، ويستثقل إبداءها خشية أن تقابل بشفقة تزيد احتراقه، ولما تجهز لإعلان حبه المضمر  أسهبت الجريحة الحسناء في امتنانها لاهتمامه، وصفته بـ"النقي"الذي أهدته لها السماء، إذ لم يطلب مقابلًا لعطائه، ولم يبخل يومًا ما بمغامرة غير مأمونة العواقب لأجلها، وناشدته أن يظل صديقًا مقربًا دون طمع في مساحة أخرى بقلبها المنشغل !..

طرأت جدلية الفارق بين العطاء اللامحدود، والحب على لقائهما الأخير، وبرزت نديتها كأنثى آوت من قبل إلى احتوائه، ومعيته، دون أن تكلف نفسها قليلًا من التأمل في قلبٍ أسرف في إخلاصه، ولم يترك بابًا لحبها إلا طرقه بكل مفاهيم الحب، فأغلق الشاب قلبه مرة أخرى على حتمية الغياب، وهو الذي كان يتجهز لرسم خريطة ما بعد الارتباط، حيث لم يتوقع لحظة أن يتبدد أمل اللقاء، عند إتمام الوفاء.

(7)

لأن الحب قبضة روحية من أثر المنطق، فإنه لن يستقيم في مدينة آثرت مساحيق صورية أفسدت مضمون الحياة، على منطقية الحياة.

للتواصل مع الكاتب على فيس بوك

 Abdelwahab Shaban



  • عبدالوهاب شعبان
    حاصل على جائزة مصطفى وعلي أمين في القصة الإنسانية عام 2017.... حاصل على جائزة نقابة الصحفيين في التغطية الميدانية عام 2014
   نشر في 05 ديسمبر 2018  وآخر تعديل بتاريخ 11 يناير 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا