قريـــــة ومقابر - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

قريـــــة ومقابر

  نشر في 20 نونبر 2020  وآخر تعديل بتاريخ 22 نونبر 2020 .

أيام طفولتي كان في قريتنا مقبرتان. الأولـــى للمسلمين والثانية للنصارى. وكان أبي يحدثنا عن مقبرة ثالثة تقع على تخوم القرية، يدفن فيها البدو المنتشرون خارج القرية موتاهم.

لَكَمْ استفـــزّ اسم هذه المقبرة الثالثة فضولي وخيالي : "جبانة وادي الجمل". ما سرّ اسم وادي الجمل؟ هل مات فيه جمل ذات فيضان، كما ماتت العرائس السبع في الوادي الغربي فسميت القرية أم العرائس؟ هل كان البدو يدفنون موتاهم في الوادي؟ كيف يعقل أن يفعلوا ذلك؟ ولماذا؟ كي لا يصيب الظمأ موتاهم؟ ربّما... لمّا كبرت، صرت أبحث عن هذا الوادي كلمّا سافرت ولكنّني لم أجد له أثرا...

تقع مقبرة المسلمين على الحدود الغربية للقرية، عند سفح ربوة نما فيها أقدم أحياء القرية، حي شعبي ساحر. بعض أنهجه يكاد لا يتّسع لمرور شخصين، وبعض بيوته أشبه بمغاور مطماطة القديمة، حياة أصحابها مستباحة ومكشوفة للعابرين. تتخلّل أزقّته جداول الصرف الصحي كعروق خضراء بارزة من تحت جلد عجوز طاعنة... ومع ذلك، توجد في هذا الحي مظاهر من حب الحياة لا توجد في أي مكان آخر من القرية. الفنانون الشعبيون وراقصات اللجنة الثقافية ونجوم الكرة في الفريق المحلي من هناك والأئمة والمؤذنون وفرق الإنشاد الصوفي والدراويش من هناك والمومسات والفتوّات وباعة الخمر خلسة من هناك والنقابيون والمعارضون السياسيون والشيوعيون من هناك والشعراء وأوّل المهاجرين إلى أوروبا من هناك. ولكن في المقابل لا وجود في ذلك الحي لمظاهر الدولة باستثناء مدرسة موروثة من زمن الاستعمار الفرنسي. لا مركز بريد ولا محطة نقل ولا بلدية ولا مستشفى ولا مركز أمن ولا أي علامة تدل على اهتمام الدولة بالناس... شيء آخر يميّز ذلك الحي هو اختلاط أهله. مزيج عجيب من الطرابلسية والدزيرية والمراركة والتوانسة. حي مليء بالحياة، لم يمنع الفقر والأوساخ أهله من الإقبال على الحياة ومباهجها. يتخذ الناس من كل حدث مهما كان بسيطا فرصة لإقامة الأفراح والولائم والزيارات. هذا عاد من الحج وتلك وضعت مولودا وهذه نجح ابنها في الابتدائية والأخرى أنهى ابنها الخدمة العسكرية. ضحك وسمر وشبق ولعب وبخور وحلقات إنشاد على الدوام...

على التخوم الخلفية للحي يرمي الناس في منحدر الربوة فضلاتهم من القمامة والمخلفات القصديرية والبلاستيكية وجيف الحيوانات التي تتكدّس بين تلك الجداول الخضراء المائلة إلى السواد حيث يجري البول والخراء، والذباب الأزرق العملاق يحوم في المكان.... هناك في الأسفل تقع مقبرة المسلمين، عند السفح بجانبها بطاح اتخذ منها الأولاد ملاعب لكرة القدم. ومن الناحية الثانية للمقبرة يقع جبل تتناثر فوقه بكثافة حجارة صوانية سوداء، كلّما رأيتها استحضرت صورة الطير الأبابيل التي ترمي أصحاب الفيل بحجارة من سجيل. كلّما حضرت دفن شخص في ذلك المكان القميء، يتملّكني الخوف من مصيري الذي ينتظرني هناك، خصوصا لمّا يصادف أن أمرّ بجانب قبر متهدّم يكشف عن بقايا عظام أو جمجمة. يصيبني حزن عميق لكوني سأصير يوما ما جيفة مهملة كجيف الكلاب المرمية على تخوم تلك المقبرة. وأدعو الله أن أدفن مع موتى البدو في مقبرة وادي الجمل...

تقع جبانة النصارى هي الأخرى على سفح ربوة قبالة الكنيسة. ولكنها مسيّجة بسور عال لا يسمح برؤية ما وراءه. كثيرا ما أمرّ بجانبها وأنا ذاهب لزيارة أعمامي في حي طريق قفصة، حتى حدّثني ذات يوم كمال وهو أكثر أطفال حينا شقاوة ونزقا عن أشياء ثمينة يمكن الحصول عليها من قبور النصارى. قال أنّه تسلّق الجدار الخلفي للسياج من ناحية الربوة ونطّ إلى الدّاخل فوجد أشياء عجيبة وساحرة. حدثني أنّ النصارى يدفنون موتاهم واقفين ويحيطون قبورهم بالأعشاب والورود ويحلّونها بسلاسل من الخرز والحلي الفاخر ويغلفونها بالرّخام الأملس. أيقنت أنّ ذلك الشقي قد زرع في دماغي لوثة فضول ستنتهي بغوايتي مهما أجّلت الأمر. واتّخذت من خوفي أن أعجز على تسلق الجدار من الداخل للخروج من الجبانة حجة مقنعة لعدم خوض المغامرة. لكنّه ظلّ يزنّ على دماغي كلّما التقينا وزاد أن أهداني بعض خرزات ملوّنة قال أنّه جمعها من تلك العقود التي تزيّن القبور الرخامية. لمّا عبّـــر يوسف عن رغبته هو الآخر في خوض التجربة لم يبق أمامي مجال للمراوغة. كنت سأصير أضحوكة أترابي في الحي. قفزت من فوق الجدار معهم وشاهدت بأم عيني كيف أنّ كلّ ما قاله كمال كان صحيحا. نهبنا من الجبانة كلّ ما طالته أيادينا. وتعدّدت بعد ذلك زياراتنا إلى مقبرة النصارى التي وجدنا فيها ملاذا آمنا نمارس فيه شقاوات المراهقة... في تلك السنوات لم يبق في القرية إلا نفر قليل من مهندسي شركة الفسفاط وكان عددهم يتناقص بسرعة لافتة حتى لم يبق منهم أحد في ظرف سنوات معدودة.

شغلتني الدراسة الثانوية خارج القرية عن مقابرها. حتى صحوت على اختفاء مقبرة النصارى. نبت حواليها حي جديد. هل سوّتها الجرافات بالأرض؟ هل نقل النصارى رفات أمواتهم إلى فرنسا؟ شيء ما بطعم الفجيعة المتبقية من ذكرى مقبرة النصارى يؤكّد لي أنّ المقابر هي نوع من المتاحف. لماذا مسحوها من الوجود؟ هل انتبه مسلمو قريتي إلى ضرورة العناية بمقبرتهم والكف عن اعتبارها امتدادا للمزبلة وعن معاملة موتاهم كجيف الكلاب؟ أين تقع مقبرة وادي الجمل؟



   نشر في 20 نونبر 2020  وآخر تعديل بتاريخ 22 نونبر 2020 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا