بيانست (2) - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

بيانست (2)

عندما نقتل البراءة بكل حب ..

  نشر في 10 يونيو 2019 .

                            أحيانا تضربك الحياة بالحجارة علي رأسك .. فلا تفقد إيمانك ..

                                                               (ستيف جوبز)

                        Sometimes Life hits you in the head with a brick... Don’t lose faith...

                                                                 (Steve Jobs)

                                                               - اسمي خلود -

                                               ألفان و تسعمائة يوما على الأرض

1) الموهوبة ..

في أحد شوارع حي المنيرة (الشعبي) و الذي نجت مبانيه بأعجوبة من زلزال 1992 و إن تركت ذكرى مروره على الشارع علامات لا تمحي من تشققات و شروخ و سقوط بعض أجزاء البياض من على جدران المباني .. في إحدي تلك المباني ذات المدخل العالي المميز لعمارة الخمسينيات و الطوابق المرتفعة التي تتعدى الأربعة أمتار و ازدانت شرفاته ببعض أوعية الصبار و اللبلاب و اللوف الأخضر و خطت على جدرانه بالطبشور اسم (الخطيب) و (الأهلي) و بعض الرسومات الساذجة التي تمثل وردة و قلب حب و أسهم .. في الطابق الثالث شرفة لازالت قائمة في مكانها بمعجزة لا تتعلق بقوانين الهندسة الإنشائية و جودة البناء يحيطها حاجز معدني اختلف لون قضبانه بين الأسود و لون الصدأ البني و ينتهي بإطار خشبي مشقق من تأثير الشمس و برزت بعض أليافه في أنفة .. وقفت (خلود) مستندة –بحذر- بمرفقيها علي الحاجز تنظر إلى الشارع بعينين تريان على الشارع صفحة لأفكارها المتضاربة .... دقائق مرت قبل أن تنظر إلى داخل المنزل نحو عائلتها الصغيرة .. أمها و أختها و طفليها التوأمين و أبيها .. أكثر من تحب في حياتها .. أبيها (محمود الخال) .. أبيها الذي علمها منذ صغرها حب الموسيقى و الفن .. أبيها سليل عائلة الخال في مصر التي تمتد إلى جدها الأكبر (سلمان الخال) .. مغني القد الحلبي و الموشحات في (حلب) .. قوة و جمال صوته دفعا بإسمه إلى مجالس عائلات (حلب) العريقة و نشرا إسمه بين أسماع كثير من العامة في أنحاء (حلب) .. تنبأ له الكثيرين بمستقبل ينافس مشاهير القد أمثال الشيخ (عبد الغني النابلسي) و (عمر اليافي) .. كان على طريق النجاح الذي أصاب أساتذته في نفس المجال .. حتى شاهد يوما جدتها الكبرى في إحدى الحفلات دون قصد فأثارت ملامحها جنونه .. كانت -جدتها الكبرى- (ماريا) فتاة رومية كاثوليكية من البسارنة الذين كانوا يقيمون شرق خط باب الحديد في (حلب) .. إنقسمت لياليه بعد تلك الحفل بين الغناء في حفلات أخرى و إحياء ليالي و بين محاولاته لجذب أنظار و ود فاتنة البسارنة .. نجح مسعاه و بادلت (ماريا) (سلمان) الحب و لم يتبقى سوى غرز بذرتها في تربة الزواج الخصبة .. لكن علي الرغم من أن المسلمين و المسيحين كانوا يعيشون في سلام معا .. إلا أن أمر حبهم كان يعتبر في عرف الجماعتين من المحظورات .. بالعناد الذي ورثته عنه لم يستسلم جدها الأكبر (سلمان) لمثل هذه القيود .. خاصة أنه لم يخالف شرعا و لا قانونا .. ضرب بعرف الجماعتين عرض الحائط و تزوجها و هرب معها عن طريق البحر إلى الأسكندرية ثم بالقطار إلى القاهرة حتى استقر به المقام بشارع (محمد علي) .. إجتث جذع شجرة أينعت لأعوام في سوريا و غرس جذور شجيرة صغيرة في مصر .. إزدهرت الشجيرة و إمتدت أغصانها و فروعها عبر أكثر من قرن في شوارع القاهرة شاهدة على إندماج عائلة الخال بين سكانها حتى أصبحوا قطعة من نسيجها و ملامحها .. أبرز أزهارها كانت متاجر (الخال) للأدوات الموسيقية و إصلاحها و صيانتها بشارع (محمد علي) لصاحبها (إسماعيل الخال) .. جدها من أبيها .. جدها الذي شهدت العائلة في عهده رخاء و سعة لم تراها من قبله أو من بعده قبل أن يبصق الشارع نشاطه الموسيقي الذي استمر 90 عاما و تهجره أسراب الفرق الموسيقية و الراقصات .. إنسلخ الشارع بالتدريج من هويته الموسيقية حتى إستبدلها تماما في التسعينات بالأجهزة الكهربائية و الأثاث .. إنتهي العصر الموسيقي السابق الا من بعض آثار تتمثل في بعض المقاهي التي كان يتجمع عليها الموسيقين أو بعض المتاجر التي رفضت بعناد التغيير و ظلت تبيع الأدوات الموسيقية باستيحاء بين سطوة الأجهزة الكهربائية و الموبايلات .. أو بعض كبار السن الذين يقصون علي الأجيال الجديدة قصص و تاريخ الشارع .. أما أبيها العزيز .. (محمود الخال) فجاء إلى الدنيا يحمل حب الموسيقى مثل جده الأكبر (سلمان) .. تشرب الموسيقى فى ألحان الخمسينات وقتها علي يد (فريد الأطرش) و (عبد الوهاب) و (فوزي) و غيرهم .. و مع هؤلاء ارتبطت الموسيقي في ذهنه بالعود فكان يقضي وقته فى غير وقت المدرسة فى متاجر أبيه محاولا العزف علي العود حتي ترك التعليم المدرسي و تجارة أبيه و صاحب بعض العازفين .. تعلم منهم العزف ببراعة علي العود و انضم لفرقة احدي الراقصات الشهيرات بالشارع يحيي معها الحفلات والأفراح .. استمر فى عمله حتي توفي أباه (إسماعيل الخال) فورث مع اخوته متاجر (الخال) و لكنه ترك ادارتها لهم يأخذ ريعا من مكسبها و مستمرا فى عمله كعازف عود قبل أن يفاجأ أن الشارع يتغير من حوله و رفاق الطرب يتركون المكان أو يعتزلون و المتاجر التي انفقت عليه و علي اخواته من قبل بدأت تخسر و تتراكم ديونها و نجمه يذوي مع انحدار الذوق الفني العام فى مصر و ظهور طبقة من مدعي الفن .. أصحاب الكلمات المبتذلة و الموسيقي التي لا تعرف للطرب طريقا .. انتهي الأمر باصابته بجلطة فى المخ أخرجت نصفه الأيسر خارج الخدمة و قيدت لسانه بقيد حديدي انتاج المصانع الحربية جعلت كلامه ثقيل الحروف يحتاج إلى صبر لفهمه .. كف تماما عن العمل .. و أغلقت متاجر (الخال) و بيعت لأحد تجار الموبايلات .. أخذ نصيبا من بيعها تبخر سريعا تحت ضغط مصروفات علاجه و نفقات البيت.

كانت (خلود) الأبنة الثالثة ل(محمود الخال) و الأخيرة والوحيدة التي شاركته حب الموسيقي .. إمتد ميراث موهبة (سلمان الخال) لها .. رأت ما رآه جدها و أباها في الموسيقى فعشقتها .. لم تمل منذ صغرها من رؤيته يعزف على العود .. لم تتذمر كإخوتها اصطحابه لها إلى بعض حفلاته الأخيرة .. عمل أخاها الأكبر فى مجال الموبايلات فى احدي محلاتهم السابقة ليساهم فى نفقات البيت قبل أن يتولاها بالكامل عندما عجز الأب عن السير و الكلام .. تزوجت أختها الأكبر .. و إستكملت هي حرفة أبيها و جدها في تشكيل و زخرفة النغمات و الألحان .. إلا أنها لم تدخل إلى المجال الموسيقي من باب شارع محمد علي كما فعل أباها و أجدادها .. بل حملت ما تعلمته و حبها و أوراقها إلى المعهد العالي للموسيقي (الكونسيرفتوار) و تقدمت و تم قبولها قبل أن تتخرج من قسم الپيانو من المعهد ثم تحصل بعدها علي الماجستير فى الصوتيات .. يوم تخرجها بكي أباها فرحا قبل أن يختبر صبرها و سمعها بعبارات تهنئة تقطر سرورا مَسَّ بالكاد نصفه فاقد النطق .. و عندما حصلت علي الماجستير احتضنها بيده اليمني بشدة و أهداها أغلى ما يملك .. عوده الأثير .. عوده الذي يحمل توقيع متاجر جدها (إسماعيل الخال) .. لم تشعر (خلود) بالفخر مما حققته مثلما شعرت به عندما أهداها أبيها هذا العود .. علي الرغم من موهبة (خلود) التي اعترف بها أساتذتها و زملائها .. الا انها عانت لتجد عملا فى بلد أصبحت ممتلئة حتي النخاع بمدعي الفن الذين استولوا على جميع الفرص بأجسادهم و علاقاتهم قبل موهبتهم .. لمدة عام بعد الماجستير جلست في المنزل .. رفضت العديد من العروض للعزف في (بارات) الطبقة الثرية التي تفضل احتساء الخمور و تدخين السيجار على نغمات الموسيقى الراقية .. سعت خلف أساتذتها تطلب منهم بخجل عملا أو المشاركة في حفلاتهم الموسيقية .. لكن .. رغم تقديرهم لموهبتها و مهارتها إلا أن (المحسوبية) كان لها صوت أعلى و أصخب من صوت موسيقاها .. ثم إزداد الأمر سوءً بطوفان من العازفات الروسيات هبط على مصر هبوط الجراد مقدمين موسيقاهم و جمالهم و أجسادهم .. بعض زميلاتها قبلن العزف –تحت قهر الحاجة- في حفلات خاصة تعبق برائحة الكحول و السيجار و الدخان الأزرق و تسبح فيه فتيات يحملن ملامح أوروبا الشرقية في حمام سباحة عملاق .. طوال العام أرسى اليأس قواعده في نفسها حتى كاد يفقدها ثقتها في موسيقاها و موهبتها .. و أحيانا كانت الضغوط توسوس لها بأن ترضى بأي من هذه الأعمال مثل زميلاتها .. ضغوط تمثلت في رؤية أباها العاجز و نظرات أمها اللائمة الصامتة و إرهاق و إنكسار أخيها الذي يداريه بمرح زائد .. لكن سرعان ما يثور كبريائها الذي ألقمها إياه أبيها منذ مهدها فتنفض الفكرة عن رأسها و ترفض .. في خضم يأسها عرض عليها أحد زملائها العزف علي الپيانو فى قاعة أحد الفنادق الفخمة المطلة علي النيل فقبلت بلا تردد .. ذهبت و عندها آمال بأن تكتشف موهبتها هناك على أيدي أحدهم .. قبلت و حلم راقص على موسيقى الفالس (Waltz) يراودها بأن هذا قد يكون البداية لها .. لكن الحلم أصابه الفالج الذي أصاب والدها عندما فوجئت بأنها تعزف لرواد مستنقع خبيث الرائحة عفن المحتوى .. لم يكونوا يستمعون الي عزفها علي قدر ما كانوا يعانقون بعيونهم جسدها و مفاتنها و ما يتكشف منها بشهوة .. إعتبروا أن عملها في الفندق هو دعاية إعلامية لفيلم عنوانه (أنا سهلة المنال) .. فيلم يستطيعون مشاهدته في الفراش إذا إستطاعوا دفع ثمن إيجاره.

كانت على قدر كبير من الجمال .. ملامحها التي شبهها الكثيرين مرارا بالممثلة العالمية (آنا هاثواي) (Anne Hathaway) و إن كانت (خلود) شقراء و زرقاء العينين و أكثر امتلائا .. محتشمة فى ملابسها .. و لكن كلما ازداد احتشام ما ترتديه إزداد سعار عيون رواد المستنقع و إنطلقوا بتوحش و شهوة في خيالاتهم يمزقون عنها ملابسها .. ارتمت عليها البطاقات الشخصية الأنيقة لرواد الفندق من رجال أعمال و مديرين فى الفندق نفسه و التي تحمل علي واجهتها أسمائهم و أرقام هواتفهم و علي خلفيتها عناوين منازل خاصة!! .. و لم يخلو الوضع من وجود زميلات عمل في الفندق أحرقهم نقائها و بريقها فإجتهدوا و إستماتوا في جذبها إلى جوارهم في المستنقع و تلويثها بالوحل العفن مثلهم.

تعودت هي صد الجميع بأدب و لباقة و التنصل من مئات بل ألاف الدعوات و تجنب الأيادي الممدودة للغارقات في الوحل .. ظلت مؤمنة ان الكل سيملونها بعد فترة و سيتركونها لعزفها فقط .. أو يأتي أحد المنقبين عن الأحجار النفيسة فيرى بريقها و لمعانها و يخرجها من المستنقع ثم يقدمها للعالم كموهبة حقيقية في وسط الزيف الموسيقي حولها .. مع مرور الوقت بدأت تدرك أن الأمر مستحيل .. الجوهرة الثمينة عليها أن تظل بين الأوحال .. بدأت تدرك أن هذا الفندق علي الرغم من فخامته و غلاء أسعاره الا انه لا يختلف عن الفنادق رخيصة المادة و السمعة فى وسط البلد .. كلهم يقبل نفس النقود الملوثة بالشهوات مقابل ما يقدموه من الخلاعة و الفسوق .. فقط الزبائن فى هذا الفندق و مثيله من نوعية مدخني السيجار و الأخر من نوعية مدخني المعسل.

قاومت الهروب أكثر من مرة و استمرت في العمل مقيدة إلى كرة حديدية ضخمة صنعها -دون قصد- أبيها و أمها و أخيها .. تعودت أن تصم أذنيها و تغمض عينيها و تقبض شفتيها كلما ذهبت لتعزف .. إلا أن جاء يوم و إنكسرت مقاومتها .. إنكسرت عندما عبر البهو شخصية من احدي الأقطار العربية بما حوله من حراس و خدم .. اشتهر فى الفندق باسم (صاحب السعادة) و لم يعلم معظم العاملين إسمه الحقيقي .. حضر إلى الفندق و إستأجر لنفسه و عائلته و حرسه و كلابه جناحا خاصا .. جناحا خاصا تبلغ مساحته مجموع مساحة الأربعة طوابق الأخيرة من الفندق بالكامل .. لمح الشعر الأشقر ميراث البسارنة المميز ل(خلود) يبرق و يلمع من خلال نظارته الشمسية و هي تعزف .. تحركت عينيه من وراء النظارة في مسح ضوئي سريع على وجهها و جسدها .. الصورة المتكونة أصابت نزوته برجفة جعلته يداعب لحيته الصغيرة (الدوجلاس) و يبلل شفتيه بلسانه متذوقا خيالا تراقص على أنغام عزفها بين ثنايا عقله .. أشار بطرف إصبعه إلي شخص نحيل ذو شارب رفيع و شعر أسود ناعم لامع و يشبه الفأر شكلا و موضوعا .. أسرع النحيل الخطا اليه و هو يحني هامته قائلا فى تزلف:

- أؤمرني جنابك

استمر (صاحب السعادة) ناظرا الي (خلود) و هي تعزف مقطوعة ل(عمر خيرت) قبل أن يشير اليها بيده دون أن يقول شيئا فالتفت النحيل الي حيث أشار الرجل قبل أن يبتسم فى لزوجة و يضيق عيناه في خبث و هو يحني هامته أكثر و يقول فى دياثة:

- فهمتك يا طويل العمر .. طلباتك أوامر ..

لم يجيبه (صاحب السعادة) فقط ابتسم فى رضا و سار فى اتجاه المصعد مع خدمه و حراسه و عينيه لازالتا مثبتتين على (خلود) تدرسان أرض المعركة القادمة قبل الخوض فيها .. ابتعد الرواد عن طريقه و انحني له العاملين فى تملق .. أسرع النحيل الي مكتب الاستقبال و تبدلت هيئته المنحنية إلى وقفة زهو و كبر .. بتعال تحدث إلي فتاة الاستقبال طالبا منها أن تجعل مدير الفندق يأتي اليه .. مبتسمة في روتينية رفعت فتاة الاستقبال سماعة الهاتف الداخلي و طلبت من المدير القدوم الي البهو قائلة:

- (معوض) بيه عايز حضرتك يا فندم تجيله عند الريسيبشن .. أيوة (معوض) بيه مدير أعمال (صاحب السعادة).

صمتت برهة قبل أن تضع السماعة و تخبر (معوض) بأدب أن ينتظر المدير فى قاعة الجلوس أشار (معوض) لها بأطراف أصابعه فى كبر راسما علي وجهه أقصي علامات الاشمئزاز و لم ينسى أن يمنحها (full scan) بعينيه يختبر إمكانيات صيدها يوما قبل أن يتجه الي قاعة الجلوس الملحقة بالبهو و ينتظر المدير

لم يكن (معوض) سوي مورد طلبات المتعة ل(صاحب السعادة) من خمور و نساء بل و رجال أحيانا .. كاتم أسرار لياليه و فراشه الذي لا يهدأ علي الرغم من تجاوزه الستين بفضل ترسانة من الدواء و العقاقير الطبية تأتيه من دول العالم المتحضر لتبقي فراشه حيا و صاخبا .. أحيانا كانت تمتد مهمة (معوض) الي تسهيل مرور متعلقات و صناديق خاصة ب(صاحب السعادة) عبر الحدود دون تفتيش بما تحتويه من أدوات غير شرعية و أحيانا أسلحة أو مخدرات و أحيانا –و هي المهمة الأصعب- بشر .. ممن يباعون من خلال تجارة الرقيق غير الشرعية عالميا .. كان عمله مع (صاحب السعادة) يتطلب منه تقديم مبادرات تفوق تصورات و خيالات (صاحب السعادة) نفسه حتي يظل فى احتياج دائم له .. كان يجتهد ليوفر له المتعة بكل أنواعها بل كان يبحث هو شخصيا عن سبل جديدة للمتعة –و حبذا المحرم منها- ليقدمها له على طبق مزدان بمشهيات جانبية تثير فيه الشهوات و الغرائز بكل أشكالها و أنواعها .. أحكم (معوض) سيطرته على (صاحب السعادة) و وضعه في شرنقة من نسيج عنكبوتي خيوطه مغزولة من أفخر أنواع المتعة المحرمة.

جاء مدير الفندق تسبقه يده بالسلام علي (معوض) الذي ظل جالسا علي كرسيه واضعا ساقا فوق الأخري قبل أن يضع أطراف أنامله فى يد مدير الفندق مصافحا إياه فى ازدراء متعمد فابتلع الأخير الإهانة قبل أن يقول:

- ازي حضرتك يا (معوض) بيه .. و ازاي (صاحب السعادة).. يا ريت ماكناش قصرنا فى حاجة

- تمام تمام و (صاحب السعادة) .. أطال الله عمره .. لغاية دلوقتي مبسوط .. بالذات بعد ما وعدته ان ادارة الفندق لا يمكن ترفضله أي طلب ..

قالها (معوض) و هو يمد يديه فى جيبه و يخرج علبة سجائر و يخرج منها سيجارة يضعها فى فمه و ينظر الي مدير الفندق بنظرة ذات معني فهمها الأخير فأسرع باخراج قداحته و مال علي (معوض) ليشعل له سيجارته و هو يقول

- طبعا طبعا .. طلبات (صاحب السعادة) كلها أوامر .. أؤمر يا (معوض) بيه ..

سحب (معوض) نفسا من السيجارة قبل أن ينفث دخانها فى وجه المدير و هو يقول فى لا مبالاة ..

- لا أبدا .. ده طلب هايف .. فى بنت بتعزف علي الپيانو برة فى الريسيبشن .. (صاحب السعادة) .. أطال الله عمره .. عايزها تيجي تعزف علي الپيانو فى الجناح عنده ..

نظر له مدير الفندق فى تجهم و قبل أن يفتح فمه ليجيب عاجله (معوض) قائلا

- (صاحب السعادة) .. أطال الله عمره .. بيحب الموسيقي أوي .. تقدر تقول غاوي .. خصوصا الپيانو .. و عايز يعمل حفلة خاصة فوق و البيانست ده تطلع تعزف لأن عزفها عجبه أوي .. طبعا لو (صاحب السعادة) .. أطال الله عمره .. مالقاش غيته غالبا هينقل قعدته لفندق تاني يلاقي فيه غيته .. فاهمني طبعا

ابتلع مدير الفندق ريقه فى توتر ثم قال فى لهجة حذرة:

- لازم البنت دى و لا ممكن أي بيانست تانية ؟؟

نظر له (معوض) فى اشمئزاز من أسفل لأعلي قبل أن يقول:

- انا الظاهر بتكلم مع الشخص الغلط أن كنت متوقع ان الشخص اللي هاقوله ان (صاحب السعادة) .. أطال الله عمره .. عايز حاجة ينفذ من غير ما يسأل أسئلة مالهاش لازمة زي دي!!

أحس مدير الفندق بالجو يزداد سخونة علي الرغم من وجود التكييفات و ابتلع ريقه فى صعوبة قبل أن يجيب بصوت متحشرج:

- طلبات (صاحب السعادة) كلها أوامر .. الفكرة بس إن البنت دي مشترطة إنها تشتغل في الريسبشن بس و ما تعملش أي حفلات خاصة أو ....

قطع عبارته نظرة الامبالاة و السخرية التي أعطاها إياه (معوض) فلم يجد إلا أن يتنهد قبل أن يقول في استسلام:

- (صاحب السعادة) يؤمر و إحنا ننفذ ..

ابتسم (معوض) و سحق السيجارة فى المطفاة قبل ان يقوم من جلسته و هو يقول:

- أطال الله عمره .... كدة يبقي أنا بكلم الشخص الصح .. مستنينها فوق

قالها و ترك مدير الفندق واقفا و سار ناحية المصعد و هو يلقي نظرة علي (خلود) لو رأتها لاغتسلت من شدة لزوجتها و قذاراتها

اقترب مدير الفندق من (خلود) و هو يشعر بجفاف فى فمه جعله يبتلع لعابه مرتين قبل أن يقول لها:

- أنسة (خلود) عايزك دقيقة لو سمحت

رفعت (خلود) عينها عن الپيانو الي المدير و توقفت عن العزف و وقفت احتراما له فشد الأخير جسده متذكرًا منصبه و سلطانه وقال بلهجة مازحة:

- واضح إنك طلعتي موهوبة جدا و الناس إبتدت تسأل عنك ..

- الناس ؟؟

قالتها مبتسمة و متسائلة و مئات الأفكار المستبشرة تدور في عقلها و إزدادت معدل نبضات قلبها

- أيوة يا ستي .. تخيلي إن (صاحب السعادة) اللي واخد الدور الأخير لحسابه عنده حفلة فوق فى الجناح و عايزك تطلعي تعزفي له مخصوص ..

حدقت (خلود) فى وجهه لبرهة محاولة استيعاب كلماته و عقلها يعمل في تحليلها .. (صاحب السعادة) يريدها لحفلة في جناحه ؟؟ (صاحب السعادة) الذي لا يكف جناحه عن إستقبال نجمات المجتمع و بعض شخصياتها العامة و التلفزيونية بمعدل واحدة في اليوم و أحيانا أكثر يريدها هي أن تعزف له ... مخصوص!! .. لم يسبق لها أن رأته يجلس في البهو يستمع إليها بل تكاد تجزم أنها لم تكن لتلفت نظره إليها أكثر من أي مقعد في البهو .. طلبه من مدير الفندق أن تذهب إلى جناحه يحمل تحت طياته رائحة قذرة أكثر منها فرصة حقيقية لإكتشاف موهبتها .. كانت تعرف من بعض العاملات عن أنه يجزل العطاء مقابل ليلة واحدة من لياليه و إستمعت لبعض العاملات اللاتي لا يمانعن تلبية رغباته مقابل ذلك العطاء المجزئ الذي يدير الرؤوس .. و الغريب أنه إختارها هي لضمها لقائمة وجبته الليلة و ملء فراغ فراشه و لم يختر إحداهما اللاتي سوف يقبلن بصدر رحب .. بل بالأصح صدر متفجر عجز ال(uniform) عن كبح جماح نصفه العلوي بداخله فبرز عارضا خدماته مقابل أن تمتلئ جيوب تنورة قصيرة تلصق بالنصف السفلي معلنة عن نوعية البضاعة و صلاحياتها و مميزاتها .. كانت تعرف من الأقاويل المنتشرة في الفندق أن ما يخطر على باله تناله يده حتما!! .. هل حانت لحظة الإختبار الحقيقي ؟؟ هل هذا هو مفترق الطرق الذي تستقيم حياتها بعده أو تضل ؟؟ لقد قاومت بقوة لمدة تقرب من العام و لكنها نفسها لا تعلم إلى متى ستظل مقاومتها صامدة أمام هجمات متواصلة .. و الآن الهجمة الكبرى التي تنهار بعدها متاريسها للأبد أو تثبت أن تربية (محمود الخال) لم تذهب سدى .. ذكر إسم أبيها في مجال أفكارها جرف في طريقه أية أفكار قد تراودها .. قالت بلهجة هادئة:

- حضرتك عارف ان انا ما بشتغلش الا فى الريسيبشن بس لا بعزف لحفلات خاصة و لا فى البار .. أفتكر ده كان اتفاقي مع حضرتك و الإدارة

- عارف .. بس (صاحب السعادة) عجبه عزفك و عايزك انتي بالذات .. و مين عارف يمكن ده يبقي فاتحة خير عليكي ..

- أنا مش فاكرة إني شفت حضرته مرة قاعد في الريسبشن و لا واقف يسمع لعزفي عشان أعجبه أنا بالذات .. و أفتكر ممكن البيانست اللي بتعزف في البار .. (لبنى) .. توافق على الحفلة الخاصة

- مين قالك كدة ؟؟ .. تصدقي بإيه .. أنا عرضت فعلا إن حد غيرك يروح .. بس الراجل أصر عليك انتي بالذات مش حد تاني .. بقولك عزفك عجبه انتي بالذات ..

- عجبه عزفي أنا بالذااات .. هممم .. طيب أنا أسفة يا فندم أنا برضه مصرة اني ما .. أعزفش فى حفلات خاصة .. و أحب نفضل ملتزمين بإتفاقنا

- حتي لو هتاخدي مكافأة خاصة .. نقول مثلا ..

قاطعته فى عصبية هذه المرة قائلة:

- لا مثلا و لا غيره يا فندم .. أنا شغالة هنا في الريسيبشن بس .. يا ريت حضرتك تعتذر له و إلا أنا اللي ممكن أعتذر له بنفسي

نظر إليها لبرهة قبل أن يحمر وجهه غضبا و يقول في لهجة عصبية:

- انتي فاكرة نفسك إيه .. انتي شغالة هنا في الفندق .. انتي مش (عمر خيرت) عشان تتشرطي .. في مليون بيانست زيك و أحسن يتمنوا يشتغلوا هنا مكانك و ينفذوا الأوامر و يطلعوا عند (صاحب السعادة) في الفندق هنا و في أي حتة أقولهم عليها !!

- حضرتك متعصب ليه ؟؟ فعلا في مليون بيانست و غير بيانست يتمنوا يشتغلوا و ينفذوا الأوامر و يطلعوا عند صاحب السعادة بس أنا مش منهم .. حضرتك

قالت (غير بيانست) و هي تشدد على حروفها فارتبك المدير و قال و هو يدفع بكلماته اتهامها في غضبة مرتبكة:

- قصدك إيه بغير بيانست دي ؟؟!!

- مش قصدي حاجة حضرتك .. أنا بس بأحدد كلام حضرتك إن في نوعية بتقبل تعمل أي حاجة و في نوعية عندها (limits) ما بتقدرش تعديها

- انتي تقصدي إيه بأي حاجة و (limits) ؟؟ انتي إيه اللي في دماغك بالضبط ؟؟

- يا ريت بلاش لف و دوران حضرتك و يا ريت حضرتك ما تستخفش بعقلي أكتر من كدة و حضرتك و أنا عارفين (صاحب السعادة) عايز ايه ..

اتسعت عينا المدير فى دهشة مملوءة توتر لذكرها للموضوع صراحة و لكن بحنكة متمرس فى ادارة الفنادق لسنوات صرخ فيها قائلا:

- عايز ايه و بتاع ايه .. انتي فهمتي اييييه ؟؟ و انتي فاكراني أنا ايه برضه .. انتي .. انتي اكيد دماغك فيها حاجة غلط

قالت (خلود) فى هدوء حازم:

- من فضلك يا فندم بلاش صوت عالي .. إحنا بنتناقش .. و الموضوع في الأخر إتفاق مع الإدارة و مع حضرتك من أول يوم يا ريت بلاش نغيره دلوقتي

- إتفاقك ده ملغي و تطلعي تعزفي ل(صاحب السعادة) يا مع السلامة .. و مالكيش حاجة عندنا كمان

نبض قلبها كما لم ينبض من قبل في حياتها .. القهر .. عنوان تلك اللحظة من حياتها .. قهر الظروف .. قهر المدير .. قهر الحاجة .. قهر الغني للضعيف .. قهر دموعها من أن تنزل الآن !!

- واضح إن الشرف كلمة مالهاش مكان في القاموس عند حضرتك .. أنا مستقيلة

قالتها و هي تحاول بكل قوتها منع دموعها قبل أن تلتقط حقيبتها و تتركته واقفا متجهة الي باب الفندق في حين سكت هو قليلا يبتلع كلامها الذي نزل كالماء المغلي فى جوفه قبل أن تدفعه العزة بالاثم الي أن يصيح من خلفها:

- احنا ما بنشغلش ناس بالتفكير المتخلف ده .. ده فندق محترم و ليه سمعته .. انتي مرفووودةة

لم تلتفت اليه (خلود) و هي تخرج من باب الفندق .. تسارعت أنفاسها و صدرها يعلو و ينخفض في حركة متسارعة في إشارة إلى فقدان سيطرتها على غددها الدمعية ..وقفت تنشج بالبكاء و تنهمر دموعها أمام الفندق مما دفع أحد حراس مدخل الفندق إلى الإقتراب منها قائلا:

- خير يا أنسة (خلود) مالك خير في حاجة ؟؟

لم تجبه و ازداد بكائها قبل أن تقول بين دموعها و نشيجها بصوت ضعيف:

- عايزة أروح .. عايزة أروح بيتي

- طيب اهدي اهدي

دموعها فارت من عينيها كالينابيع الساخنة .. مظهرها جذب أنظار الرواد على مدخل الفندق و العاملين .. صوت المدير ما زال يعلو بالداخل يهدد و يتوعد و يأمرهم بأن يطردوها إذا إقتربت من الفندق .. عاملة الإستقبال انسلت خلفها تحتضنها و تهدئ روعها .. لعنة الله علي هذا المستنقع النجس و رواده و عامليه .. نار إتقدت بداخلها أرادت لو تطلقها على مدير الفندق المخنث و (صاحب السعادة) ذو النزوات القذرة و على كل من العاهرات و القوادين رواده و على كل من راودها عن نفسها لعام كامل و على كل من في هذه القرية الظالم أهلها فتحرقهم بها في الدنيا قبل أن يلاقوا نار الآخرة .. !!

أفاقت من خواطرها و بكائها داخل سيارة أجرة لا تعلم من وضعها بها أمام مدخل منزلها .. رفض السائق أن يتقاضى أجرته فترجلت من السيارة شاكرة .. أخذت نفسا عميقا و حاولت مسح أثار الدموع عن وجهها قبل أن تخطو داخل المنزل.


2) القرار ..

دخلت (خلود) الي المنزل باذلة قصارى جهدها لكتمان ما حدث .. طير ذبيح ممنوع من الصراخ و التأوه .. لم تتحدث عن تفاصيل ما حدث فقط اخبرتهم بأنها تركت العمل .. تلقت وجوم والدتها و تنهدها كطعنة في قلب عزتها و كرامتها -أه لو تعلمين يا أمي- .. لازمت حجرتها أسبوعا تخفي شروخا في جدار ثقتها متعللة بمرض تمنع به من حولها عن الاستفسار عما حدث و عن إنغلاقها .. أسبوعا قضته في ترميم الشروخ قبل أن تعاود البحث عن عمل أخر لمدة شهر كامل لا تسمع فيه إلا كلمة معذرة حتي أصابها اليأس و كادت مع وجوم والدتها و حالة أبيها أن تعود الي الفندق و تقبل قدم المدير ليوافق على عودتها .. الذبيحة ترجو الجزار أن يجز عنقها !! .. مستلقية على فراشها بين أفكارها السوداء جاءت أختها حاملة طفليها التوأمين جاءت مستبشرة تخبر (خلود) على لسان صديقتها التي تعمل فى الخليج فى إحدى المدارس أنهم يبحثون عن معلمة موسيقي فى نفس المدرسة .. صعقتها الفكرة و استبشرت أمها و فزع أباها.

علت أصوات أمها و أختها بالقبول و إنذوى صوت والدها بينهما .. لم يتعدى صوته نصفه الأيسر المعطل عن العمل .. خرجت (خلود) الي الشرفة المتهالكة و التي لم تنهار بمعجزة لا تتعلق بقوانين الهندسة الإنشائية و جودة البناء تستند بحذر علي حاجز الشرفة متأملة الشارع النشط أسفلها فى شرود و تفكر فى خياراتها المحدودة .. الإختيار الأول و التقليدي هو الزواج لتخفف عن أهلها و أخيها حملها .. لكن من تتزوج ؟؟ و هي التي لم تعرف في حياتها إلا حب المراهقة الخجول و الذي لم يتعدى جدار الصمت في قلبها لأحد ما لم يعرف شيئا عنها و عن حبها .. و لم يتقدم لها للزواج إلا رجالا من المعارف لم ترغبهم لتواضع مستواهم الثقافي و هي حاملة الماجستير المثقفة أو لتواضع مستواهم المادي .. و ثاني الإختيارات أمرهم و أسوأهم .. رأت فقط هيئته من الخارج ففزعت و عندما حاولوا دفعها بداخله فرت .. و الحقيقة هي لا تعرف إن قد كانت فرت لأنها ترفضه أم لأنها خافت من أن تضعف و توافق .. الإختيار الأخير هو العمل و الذي تقلصت خياراته إلى معلمة .. معلمة ؟؟ هل هذا هو ما ستكون عليه في النهاية ؟؟ لم تواتها الفرصة كي يحكم العالم على موهبتها .. كي تعرف هي نفسها إن كانت موهوبة حقا أم أنها تتوهم .. هل رسبت في إختبار الحياة لأنها رفضت أن تبادل شرفها و عفتها بفرصة لإختبار موهبتها!! .. و لتزيد الحياة من مرارة رسوبها عليها أن تنفى من أرض أبيها و أمها و أخيها و عائلتها التي تأويها .. أباها .. كيف تفارق أباها .. منذ وعت الحياة و هو ليس فقط أبيها .. أنه عالمها .. موضع سعادتها و بهجتها .. قضاء ساعات و أيام بل عمرها كله تحت قدميه حتي و إن كان لا يستطيع الكلام كسابق عهده كان بالنسبة لها محرابا تتعبد في جوانبه .. و لكن جسده المريض المستلقي علي الفراش و حالته الصحية التي تستهلك أخاها إستهلاكا .. لا تجعل من جلستها معهم بالمنزل أمرا مرحبا به من ضميرها.

تنهدت .. و على الرغم من صعوبته .. إلا أنها كانت قد اتخذت القرار .. وداعا أم الدنيا ...

أعطت أوراقها لأختها متحاشية نظرات أبيها الصامتة الملتاعة و الدموع التي ظهرت فيهما و متصبرة بنظرات أمها الفرحة .. أخذت أختها الأوراق و طفليها و غادرت .. دخلت (خلود) إلى حجرتها هاربة من نظرات أبيها لها و متحاشية الكلام مع أي أحد .. صدرها ممتلئ بالمشاعر المتضاربة .. ضغطت زر تشغيل حاسبها الألي (الكومبيوتر) .. استخدمت ال(ماوس) لتفتح موسيقاها المحفوظة على الحاسب .. اختارت كونشيرتو الپيانو الثاني ل(رخمانينوف) (Piano concertos—No. 2- Rachmaninoff) ثم جلست على طرف فراشها ترسم بشرود خطوط بلاط أرضية حجرتها بعينيها ... رفعت رأسها ونظرت إلى عود والدها المعلق علي الحائط في غلافه .. إلتقطته من على الحائط و نفضت التراب عن غلافه قبل أن تنزعه و تنظر إليه . قلبته بين يديها حتى رأت الكتابة المحفورة على جانبه المقعر (محلات الخال .. لصاحبها إسماعيل الخال و أبنائه) .. حركت يديها على الكلمات المحفورة و هي تتذكر جدها في أيامه الأخيرة و كانت وقتها إبنة الخامسة .. يحكي لها قصصا كالأساطير عن جدها الأكبر (سلمان الخال) في حلب و مصر .. و عن جدتها الكبري (ماريا) التي ما كف يبلغها بأنها نسختها المصغرة

أخرجها من ذكريات طفولتها طرقات على باب حجرتها فنظرت للباب و نادت على صاحبها بالدخول فدخل أخاها الأكبر (إسماعيل) -على إسم جدهما- مبتسما و مرحا كعادته .. شجرة الكافور الصامدة في وجه رياح و تقلبات الحياة و هجوم الضواري موفرا ظلا عطرا لأسرتها الصغيرة .. حفرت الرياح علامات معاناة و إرهاق على وجهه يداريها بإشراقة دائمة و إن لم تفلح في خداعها .. طوى في قلبه الحلقات المتزايدة مع تقدمه في العمر قبل أن يصرع عمدا أحلامه و رغباته و يعيش كالرهبان مغلقا مشاعره عن الحب أو الزواج .. إن كان أباها مصدر سعادتها و بهجتها .. فأخاها مصدر فخرها و إحساسها بالأمان ..

- (بيتهوفن) (Beethoven) قاعد لوحده ليه ؟؟

كذا قال اخوها و هو يمازحها كعادته بإسم (بيتهوفن) فابتسمت في إرهاق و قالت:

- مفيش .. تعبانة شوية ..

- تعبانة .. همم .. عارفة يا (بتهوفن) مشكلتك معايا إني بقدر أقراك من يوم ما كنتي في اللفة .. كنت بعرف إمتى بتعيطي عشان جعانة و إمتى بتعيطي عشان نغيرلك الكافولة

لم تبتسم لمزحته و أجابت في وجوم

- و أنا كمان من يوم ما وعيت بقراك كويس يا (إسماعيل)

تجاهل ردها و جلس على طرف فراشها و تأملها بعينيه و هي ممسكة بالعود قبل أن يقول:

- ماما حكيتلي اللي حصل و مجية (أسماء) و موضوع الشغل في المدرسة ..

- .....

- طبعا ماما فرحانة و أنا و انتي عارفين ده .. لكن بابا مش مبسوط .. و لا أنا ..

نظرت إليه و جاهدت لكي لا تبكي و هي تقول:

- مش دايما كل حاجة لازم نعملها بتبسطنا ..

قالتها و هي تشدد علي كلمة (لازم) فرد عليها (إسماعيل):

- و إيه اللي لزمها ؟؟ انتي ناقصك حاجة عشان تتبهدلي و تشتغلي برة ؟؟

- لزمها حالة بابا يا (إسماعيل) لزمها إني حمل زيادة .. لزمها إن أنا تعبت و أنا حاسة إني عالة عليك و إنك شقيان عشانا..

قالتها في عصبية غير مبررة قبل أن يرد (إسماعيل) في لهجة معاتبة:

- هو أنا اشتكيتلك ؟؟ الحمد لله ربنا رازقني برزقكم .. مافيش حاجة ناقصة في البيت ..

قام من مكانه و وقف أمامها و ضم رأسها إلى صدره و هو يكمل كلامه:

- أنا لو تعبت عشانكم فمفيش حاجة بتخليني أرتاح إلا لما أشوفك انتي و بابا و ماما و (أسماء) مبسوطين .. لا شغلك و لا قعادك في البيت هيسعدني أكتر أو هيتعبني أقل .. أنا مش هرتاح بجد غير ما أشوفك عروسة في بيتك برضه إن شاء الله .. العيلة فيها كام (بيتهوفن) يعني

لم تتمالك (خلود) دموعها فنزلت مبللة قميص أخاها و هي تقول:

- ربنا يخليك لينا يا أخويا .. بس أنت يا حبيبي لازم يبقالك بيت زينا .. أنت ساكت و مابتتكلمش بس ما تفتكرش إن أنا مش حاسة بيك .. أنا قلتلك أنا بقراك كويس يا (إسماعيل) و عارفة انت كاتم في قلبك ازاي و ما بتتكلمش .. عارفة انك دافن نفسك بالحياة عشانا و أنا مارداش كدة يا خويا ..

صمت (إسماعيل) لبرهة و قبل أن يفتح فمه ليرد عليها قالت (خلود) و هي تبعد رأسها عن صدره و تجفف دموعها قائلة:

- القرار صعب عليا مش هنكر .. بس عشان خاطري ياخويا ساعدني إني أروح ما توقفنيش ..

- (خلود) ..

- أنا قررت خلاص ..

وجم (إسماعيل) بنظرته قليلا قبل أن يقول:

- يبقى تفكري تاني و تالت .. أنا مش موافق يا (خلود)

- ده قراري يا (إسماعيل) و مش هرجع عنه!

- يعني انتي مصممة ؟؟

أومأت (خلود) برأسها فهز يديه في استسلام و ترك الحجرة و خرج .. احتضنت العود و نامت على فراشها .. و إبتلت الوسادة بدموعها ..

بعد ثلاثة أسابيع وصلت التذاكر و الموافقة على تعيينها .. ابتهجت أمها و أختها و بكى أباها و تجهم أخاها .. كألة صماء بكماء تحركت (خلود) و هى تحضر أغراضها للسفر .. ثلاثة أيام إختبأت فيهم من نظرات أبيها و صمت أذنها عن كلمات أخيها .. ثلاثة أيام حتى جاء يوم السفر فودعت أمها و أختها و أطفالها بالقبلات و الأحضان و دخلت على أبيها حجرته تقبل رأسه و تحتضنه و يحضنها .. لم تبكي أمامه في حين بللت دموعه وجهها .. خرجت من الحجرة مسرعة قبل أن تنهار مقاومتها و اتجهت بخطى مسرعة إلى باب البيت لاحقة بأخيها الذي كان قد أحضر سيارة أجرة و أسكن متاعها في حقيبتها الخلفية .. و في الطريق إلى المطار إنفجرت بالبكاء في أحضان أخيها ..


3) اسمي خلود ..

على الرغم من أنها كانت أول مرة تسافر بالطائرة إلا أن قلقها و توترها و خوفها مما هو قادم جعلها لا تنتبه إلى رحلتها الأولى .. لم تشعر بالحماس لرؤية بلد مختلفة و أناس مختلفين .. القلق و الخوف كانا رفيقيها في تلك الرحلة حتى لفظتها الطائرة في مطار البلد العربي فبدأت لأول مرة تدرك ما حولها .. وجوه بيضاء و صفراء و سوداء .. شعور شقراء و سوداء و بنية و حمراء .. شعور تغطت بالكامل بالحجاب و شعور انكشف نصفها تحت غطاء الرأس أو شعور إنكشفت تماما للناظرين .. يافطات باللغات العربية و الإنجليزية و لغة ثالثة لم تعلمها .. توترت و هي تسأل أين تذهب و توترت و هي واقفة في طابور الوافدين و توترت و هي تأخذ الموافقة على جوازها و توترت عندما وجدت يافطة بأسمها يحملها شاب عربي الملامح أخذها و أمتعتها إلى المسكن الذي أعدته المدرسة للمعلمات .. شقق مقسمة إلى حجرات و حمام مشترك لكل حجرتين .. قابلت مشرفة سورية رحبت بها و أودعتها في غرفة باردة .. فراش .. حمام مشترك مع حجرة مجاورة و خزانة و مكتب و تكييف حائط يصدر ضجيجا كهدير وحش عملاق .. حجرة ميتة لا حياة فيها كحجرتها التي فارقتها منذ ساعات .. كيف ستنام على ذلك الفراش الذي لا تحمل له ذكرى ؟؟؟ كيف تستخدم الحمام مع شخص لا تعرف عنه شئ ؟؟ أين أباها و أخاها و أمها ؟؟؟ .. ذعر أصابها مع تلك الأفكار كحمى .. شعرت بضغط الحجرة ينخفض و الهواء يجاهد ليدخل إلى رئتها و دقات قلبها أصبحت كقرعات الطبول.. سقطت على الفراش .. و اختفت الحجرة من حولها ..

فتحت عينيها لتجد فتاة و أخريات في حجرتها يحاولون إفاقتها .. ساعدنها على الجلوس على الفراش ..

- انتي منيحة ؟؟

لثوان حاولت تذكر أين هي و ما حدث .. عادت الذاكرة ببطء مقاومة ضباب غلف شعورها و عقلها للحظات .. شعرت بغرابة الكلمات و اللهجة لأول وهلة و لكنها فهمتها و أدركت معناها .. أغمضت عينيها لثانيتين و هي تستجع أفكارها و تحاول تذكر ما حدث ثم قالت:

- أنا .. أنا حسيت إن قلبي بينبض جامد .. و مش قادرة أخد نفسي .. ايه اللي حصل ؟؟

- دخلت أسلم عليكي لاقيتك مغمى عليك .. خير خير .. نوبة ذعر .. أول مرة تسافري.

أومأت (خلود) برأسها فإبتسمت الفتاة مشجعة ثم نظرت للأخريات قائلة:

- خلص خير خلوها ترتاح ..

خرجت الأخريات في حين نظرت الفتاة إلى (خلود) قائلة:

- أنا (إلين) جارتك .. من الأردن .. لو احتجتي أشي احكيني

ابتسمت (خلود) في ارهاق قبل أن تقول:

- أنا متشكرة قوي يا (إلين) ..... (خلود)

- شو ؟؟

قالتها (إلين) و هي تلتفت مستفهمة و مبتسمة فردت (خلود) قائلة:

- (خلود) اسمي (خلود) .. مصرية من أصول سورية

- أااه .. أهلا فيكي (خلود) .. احكيني .. طيب

و تركتها وحدها و أغلقت الباب خلفها .. نظرت خلود حولها و إلى حقائبها المكدسة داخل الحجرة .. مالت بجسدها إلى الخلف لتستريح علي الفراش .. و نامت هذه المرة ..

أفاقت (خلود) على طرقات على باب حجرتها .. فتحت عينيها متوقعة وجود الباب علي يمينها كالمعتاد و لكنه لم يكن هناك و وجدت بدلا منه النافذة .. إحتاجت نصف دقيقة لتدرك أين هي مع إستمرار الطرقات .. قامت مترنحة إلى باب حجرتها و فتحته ..

- صباح الخير (خلود) نمتى منيح ؟؟

لم يكن الطارق سوي (إلين) جارتها .. بدأت (خلود) تستعيد صفاء أفكارها و أجابت بصوت لم يغادره النعاس بعد:

- أيوة .. الحمد لله .. أنا اتأخرت على معاد المدرسة ؟؟

- لا لا عندك وقت .. أنا خلصت من الحمام .. لواحتجتي اشي خبريني.

قالتها (إلين) و هي تتجه إلى حجرتها .. أغلقت (خلود) باب حجرتها و نظرت إليها في ضوء النهار .. تنهدت ثم بدأت الأستعداد للذهاب للمدرسة .. إستغرقها الأمر نصف ساعة لتكون مستعدة للذهاب لوظيفتها الجديدة .. و في طريق النزول إلى حافلة المدرسة تعرفت بالعديد من المعلمات المقيمات معها في نفس المبنى .. لكن كانت أكثرهم مودة و مرحا هي جارتها (إلين) .. في الطريق إلى المدرسة أخذت تتأمل معالم المدينة .. شوارع ممهدة .. مباني لا يزيد إرتفاعها عن أربعة طوابق .. عربات كبيرة الحجم لم ترى مثلها كثيرا في مصر .. الكثير و الكثير من الأجانب النازحين من القارات الست يعملون مثلها في هذا البلد .. شعرت بالغربة الشديدة و هي تتأمل البلد حولها فضمت ذراعيها إلى صدرها لا إراديا .. إنشغلت بأفكارها و تأملاتها حتى توقفت الحافلة أمام مبنى بلون الرمال أنيق يضع العطر المميز للمباني الجديدة أو المجددة حديثا و يرفرف علم الدولة أعلاه و يعتليه صورة الحاكم .. نزلت من الحافلة و قادتها (إلين) إلى حجرة المديرة التي رحبت بها و أخبرتها بتفاصيل عملها و علي الرغم من أن (خلود) جاءت بعد بدء العام الدراسي بما يزيد عن الشهر إلا أن المديرة أخبرتها برغبتها في الإشتراك في مسابقة الموسيقى و التي ستقام بين المدارس بعد ثلاثة أشهر ..

- تلات شهور ؟؟ دي مدة قصيرة جدا حضرتك ..

قالتها (خلود) في تعجب و هي تشعر بأن عملها إنتهى قبل أن يبدأ

- ما تخافي .. يهمنا الحين التمثيل المشرف و السنة الجاية بدنا نكسبها إن شاء الله..

قالتها المديرة و هي تبتسم في حين تعالت طرقات على بابها فنظرت كلتاهما لتجدا إحدى المشرفات الأسيويات تخبرهما بشئ .. احتاجت (خلود) لثوان قبل أن تدرك أن المشرفة تتكلم الإنجليزية .. فكرة سريعة دارت في عقلها عن مدى إجادتها الإنجليزية للتعامل مع الأجانب .. أخبرتها المديرة ببدء الطابور الصباحي فخرجت (خلود) معهما و شعرت بالذعر و هي تتأمل عشرات الأطفال التي من المفترض أن تدرسهم موسيقى و تكون من بعضهم فريق .. تعليم الأطفال موسيقى ؟؟!! لم تخطر على بالها طوال شهر مضى تلك الفكرة إلا الآن .. ماذا تعرف هي عن تعليم الأطفال .. شعرت بنوبة الذعر تعاودها و لكنها سيطرت على نفسها لكي لا تفقد وعيها في وسط المدرسة و في أول يوم .. أعلنت المديرة عن إسمها و قدمتها على أنها معلمة الموسيقى .. إبتسمت في حرج و هي ترى عشرات الأعين الصغيرة تنظر إليها في فضول إلى جانب عيون المعلمات و المعلمين و المشرفات .. تنهدت و قالت في سرها:

- يا مهون الصعب سهلها عليا

قادتها المديرة بعدها إلى غرفة الموسيقى .. كان من الواضح أنها تم طلائها و تنظيفها قبل مجيئها .. مساحتها متوسطة .. بلا أي أثاث .. فقط پيانو قديم يتوسط الحجرة و مقعد أمامه .. تطل الحجرة على حديقة معني بها جيدا .. و بها جهاز تكييف جديد قد تم تركيبه حديثا جدا .. قالت المديرة في لهجة أحست فيها (خلود) بالخجل:

- ما كان حدانا فصل موسيقى من جبل .. شرينا هادا الپيانو و المجاعد جادمة .. و باجي الآلات انتي تحجي اللى تبيه و تكون حاضرة الأسبوع هادا إن شاء الله ..

هزت (خلود) رأسها متفهمة ثم ابتسمت .. أخذتها بعدها المديرة إلى جولة في المدرسة و عرفتها على أماكن حجرات المعلمين و الفصول .. قابلت أثناء جولتها (سحر) معلمة الرياضيات و صديقة أختها .. رأت الفصول و لم يفتها أن تلاحظ تقدم مستوي الأدوات العلمية و انخفاض أعداد الطلاب في الفصول و جودة حالتها .. ثم ذهبتا مرة أخرى إلى مكتب المديرة حيث أعدت معها قائمة بما تحتاجة ثم تركتها (خلود) و خرجت من عندها محاولة تذكر موقع طريق حجرة الموسيقى .. وصلت إليها و أخذت تفكر .. مغامرة .. هذا ما دار في ذهنها و هي تنظر إلى الحجرة خالية الحوائط حولها .. ربما لم يكتب لها أن تشتهر بموهبتها .. فلماذا لا تقنع فقط بتعليم و تدريس بعض الأطفال ما تعلمته في المعهد .. خرج صوت من عقلها يحتقر ما تفكر فيه و ما تحاول إقناع نفسها به .. صرخ بها أن سحقا سحقا إذا أضاعت موهبتها في تعليم الأطفال و توقف سعيها عما تستحقه .. لا لن تفقد إيمانها بنفسها و قدراتها و موهبتها .. ميراث العناد الذي إمتد إليها من جدها الأكبر (سلمان) يعلن عن نفسه بقوة و يصارع إستسلامها و رضوخها النفسي في معركة لم تتعدى حدود عقلها .. لم تستمر المعركة كثير .. تعالى صوت الجرس المدرسي معلنا عن بدء وقت الراحة في منتصف اليوم الدراسي وعن إنتهاء المباراة بداخلها و فوز عنادها بالضربة القاضية .. بإصرار و حماسة إنتعشا فجأة بداخلها جلست على المقعد الوحيد في الحجرة .. إنزلقت به فوق الأرضية الناعمة حتى بلغت الپيانو .. قررت مكافأة نفسها .. رفعت يديها إلى مستوى صدرها و هي تنظر إليهما .. قبضتهما و بسطتهما مرتان أو ثلاث .. قبل أن تهبط بهما على مفاتيح الپيانو بلا شئ في عقلها .. فقط إختبرت مفاتيحه لدقيقة ثم رفعت يديها و عقلها يعمل .. قبل أن تختار في عقلها بحيرة البجع ل(تشايكوفسكي) (Swan Lake – Tchaikovsky) و بدأت العزف .. سرعان ما كانت تسبح بخيالها مع البجع على سطح البحيرة و هي تتمايل على النغمات العبقرية ل(تشايكوفسكي) .. الموسيقى تشبه حلمها الذي لن تتوقف عنه .. غابت عما حولها و هي تضع كل تركيزها في متابعة المفاتيح و إخراج النغمات من رأسها بلا نوتة موسيقية كما تعودت .. إختل الإيقاع في نغمة أو إثنين إلا أنها أكملت عزف المقطوعة .. تركت لموهبتها العنان و أغمضت عينيها مستشعرا بإنسياب اللحن سلسا من تحت أصابعها .. إلا أنها أحست بأحد يقف خلفها عند باب الحجرة فتوقفت عن العزف و إلتفتت سريعا .. وجدت فتاة صغيرة جميلة .. جميلة جدا للحق .. ترتدي الزي المدرسي و تنظر إلى الپيانو بنظرة لم تفهمها .. إبتسمت لها (خلود) لتبعث بداخلها الطمأنينة .. لكن الفتاة نظرت مرة أخرى إلى الپيانو كأنها ترى لعبة مشوقة في الملاهي ثم نظرت إليها و ابتسمت .


  • 3

   نشر في 10 يونيو 2019 .

التعليقات

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا