هلوسة نص الليل - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

هلوسة نص الليل

سلسلة مقالات قصصية....ل أحمد الطوبجي

  نشر في 16 يناير 2019 .

هي تلك الساعات اللعينة، حينما تُغلق الأبواب، ويسيطر الصمت على الأجواء،

وتلتهم الوحدة كل شيئ، فيتجول بك العقل بين ماضٍ وأت، وتتراقص الذكريات

فتخر صريعاً لا حول لك ولا قوة، راجياً ذلك العقل أن يوقف قطاره، وبعد عدة

محاولات ومشاورات، تحدث الهدنة...فيغير قطار العقل سيره رافضاً التوقف

لتشتعل العديد من التساؤلات التي ليس لها إجابة بعقلك، ويطوف خيالك إلى المنتهى

وفجأة.......... كيف بدأ الخلق؟؟!

عزيزي القارئ أقدم لك...( مش عارف بصراحة أقدم لك ايه؟!...بس العنوان شارح نفسه)

هلوسة نص الليل....مقال قصصي

بقلم/أحمد الطوبجي


                                  1-الحب في زمن الكوله


أتى اليل بسكونه، وألقيت بجسدي على سريري وربطت أحزمة الأمان، تاركاً لعقلي حرية التجول فيما شاء من الأفكار، بعدما تعاهدنا بالإبتعاد عن الذكريات العاطفية ليلاً.

وفجأة أنطلق القطار بسرعته القصوى تلاطمه الأحداث وتنقله، حتى اصطدم بحوارٍ ما بين فتاتين وشاب، قد جلسوا بجواري ذات مساء بأحدى الكافيهات متنازعين والصوت المرتفع عنواناً لمجلسهم، فلم أستطع منع فضولي اللعين من معرفة سبب ذلك النزاع...

                                         ( ويارتني ما عرفت)

الفتاتان تدافعان بإستماتة عن أحد الأشخاص واسمه " حمو بيكا "، أما الشاب فيقسم بأغلظ الأيمان أن أحدهم ويُدعى "مجدي شطا"، هو من على صواب، ما بين دفاعٍ وهجوم ظننت لوهلة أن بيكا هو زعيم سياسي أو قائد تيار فكري جديد، وأن شطا هو من يعارضه، فأمسكت بهاتفي وكتبت إسمهما في خانة البحث...

                                         (ويارتني ما كتبت)

ما بين جيلٍ قد تربى على نصائح ونيس الأب الفاضل وشريكته مايسة، ضحك على

 " لما أقولك بخ تبخ" لإبراهيم نصر، وجيلٍ تراقص منذ نعومة أظافره على أنغام المهرجانات، وجلس مستمتعاً ب "عبده موتة" والألماني...تأتي المفارقة.

جيلان متتاليان، رغم الفارق الصغير في عدد السنوات، ولكن احدهما قد قضى طفولته حالماً بتجميع ألبوم " الكابتن ماجد" وإنتظار حلقات عالم الحيوان، والأخر قضى طفولته على صفحات التواصل الإجتماعي، هل ستشعر بالغربة عزيزي التسعيناتي عند مخالطة جيل الألفية؟!

هل ستشعر عند محاولة الدخول معهم في مناقشاتهم وأفكارهم مثلما شعرت؟!

عموماً...إذا حدث وقررت ذلك وكانت النتيجة شعورك بمثل شعوري...فأرجوك عزيزي القارئ ألا تكرر تجربتي وتحاول التفاخر بثقافتك، أو الإفصاح عن مطربيك المفضلين، لإنك ستصبح في النهاية

                                             "دقة قديمة".

قد تكون تلك الكلمات كلمات عابرة لن تشعر بها إلا في أوقات قليلة ودائرة محددة من الإختلاط، ولكن اسمح لي عزيزي القارئ أن ألقي الضوء أكثر عن تلاقي هذين الجيلين عاطفياً، خصوصاً وهو أمر وارد الحدوث جداً، فمتوسط فرق العمر ما بين الذكر المصري وأنثاه يتراوح في الغالب ما بين ثلاث سنوات إلى ست، ولدينا في خالد خير مثال.

                             *************************************

أنهى أخر قطرات قهوته قبل أن يضع فنجاله على الطاولة وهو يراقب عقارب الساعة بتوتر يلاحظه أي من الناظرين إليه، يداعب خصلات شاربه الكثيف وهي العادة التي تلازمه دائماً، هكذا هي دقائق الإنتظار المريرة...تشعر بمرور الساعات، ثم تنظر إلى عقارب الساعة لتجد إن ما مر من الوقت لا يتجاوز الخمسة دقائق، لا يعلم لما أتى قبل الموعد بساعة كاملة، ولكن ذلك ما حدث

" تحب أجيب لحضرتك حاجة تانية يا فندم"

قطعت تلك الجملة سيل أفكاره المرتبكة، فنظر إلى يمينه ليبتسم وهو يهز رأسه نافياً، قبل أن يمد يده إلى علبة سجائره ويشعل إحداها.

" يا خالد أنا مش عارفة أقولك ايه...بس احنا مش شبه بعض"

هاهي تلك الجملة التي أدخلته بتلك الحالة من الإرتباك تعاود القفز إلى عقله من جديد، فقد أتى خصيصاً للقاء "ياسمين" تلك الفتاة ذات العشرين ربيعاً، والتي تعرف عليها منذ حوالي الشهرين، لم تكن حالة التوتر والإرتباك المسيطرة على صاحب الخمس وعشرين ربيعاً وليدة احتضار علاقة يغمسها العشق والغرام، بل أن تكرار تلك الجملة التي أنهت بها ياسمين مكالمتها الهاتفية ليلة أمس هي سبب تلك الحالة.

شابٌ وسيم كخالد، ذو مركز مرموق وحالة إقتصادية لا بئس بها، كل ما ينقصه هو نصفه الثاني، أنثى تصلح لأن تكون أماً لأطفاله، ورفيقةً لدربه، ثلاث خطبات وعشرات المحاولات من التعارف، وكلها ارتطمت بصخور الفشل، والسبب واحد سواء كان هو من صرح به أو الطرف الآخر، فقط وببساطة.... "إحنا مش شبه بعض"....لذا فقد صمم على ملاقاة ياسمين ولو لمرة أخيرة، في محاولة منه لفهم أسباب فشل العلاقة، عله يضع يده على عوارٍ بشخصه، وهو المثقف هادئ الطباع،مرهف الحس والمشاعر.

نفخ دخان سيجارته وهم بإطفاء ما تبقى منها بلهفة نظراً لوصول ياسمين بإبتسامتها المفعمة بالحيوية، وبعد سلام بارد خالي من الكلام نظر إليها خالد وكأنه يجمع خيوط الكلام، شعرت هي بذلك فقررت أن ترفع عنه الحرج وتبدأ بالحديث.

ياسمين:- خالد بص، إنت انسان كويس أوي وبجد حد جميل..بس احنا مش شبه بعض                  خالص..مش لاقية كميا بينا، بليز مش عيزاك تزعل.

خالد:- ياسمين..أنا صممت أقابلك مش عشان زعلان اننا هنسيب بعض، ولا عشان أ                   تحايل عليكي نكمل، بالعكس...اللي انتي حساه أنا حاسه ويمكن لو مجتش منك              كانت جت مني.

ياسمين:- تمام...امال إنت طلبت اننا نتقابل ليه؟!

خالد:- ياسمين بصي، أنا عندي مشكلة كبيرة وعايزك تساعديني باعتبارنا حتى اتنين               صحابأنا عايز أعرف أنا ليه مفيش حد بيفهمني؟، ليه مفيش حد شبهي؟، أنا                 قبلك ارتبطت ببنات كتير، جربت مختلف الثقافات والأشكال والمستويات                     التعليمية...عشان ألاقي واحدةتفهمتي وأفهمها، وبرده مفيش فايدة...تقدري                  انتي تقوليلي ايه السبب؟

ياسمين:- احم...خالد بص زي ما قولتلك إنت شاب كويس أوي ومحترم جداً،ومثقف                     جداً مشاء الله، بس المشكلة اني بحس انك قديم.

خالد:- قديم إزاي؟!

ياسمين:- يعني بحسك مترب كده،.. سوري يعني في الكلمة... لبسك شيك أوي                            مقولناش حاجة، بس مش لايق على سنك، إنت عندك 25 سنة على فكرة مش                 اربعين، يعني جو البليزر والبدل ده عايز حاجات رسمية أكتر، مش عمال على                  بطال.

خالد:- يعني انتي شايفة المشكلة في لبسي؟!

ياسمين:- لا مش بس لبسك، حتى طريقتك وكلامك حتى حكاياتك بحسها قديمة،                     يعني مثلاً ...إنت من يومين كنت بتكلمني عن الشدة المستنصرية، وقبلها كنت              بتحكيلي عن هتلر والحرب العالمية، ويوم لما قولتلك اني زهقانة قررت تغيرلي             المود وتحكيلي عن الثقب الأسود والسفر بالزمن، طب وانا مالي ومال الحاجات             دي؟!،بتشغلها في عربيتك...مرة فيروز، ومرة تسمعني شعر لفؤاد حداد مفهمتش منه ولا

كلمة، ده غير طبعاً انك كل يوم تقرالي رواية قد كده وتيجي بليل تحكهالي، ولو نمت

وانت بتحكيها من الزهق، تتقمص وتبقى شكلة

اهتز هاتفها بنغمة " نامبر وان" ليقطع سردها لأبرز العيوب التي تراها بخالد قبل أن تحوله للوضع الصامت وتنظر إلى خالد الذي كان تحت تأثير الصدمة.

ياسمين:- أنا اسفة يا خالد لو كنت ضايقتك بكلامي، بس إنت طلبت نصيحتي، حاول تجدد

من نفسك وتخرج من جو التسعينات ده، يعني مثلاً أراهنك لو إنت تعرف حمو بيكا

ومجدي شطا.

خالد:- مانتي عارفة يا ياسمين اني ماليش في الكورة.

ياسمين:- كورة!! دول تريند عاليوتيوب على فكرة، إنت حتى معندكش سناب شات ولا انستا.

خالد...لو عايز نصيحتي حاول تغير من لبسك والبس حاجة تليق على سنك، وياريت

تحلق شنبك ده لإنه مديك سن أكبر من سنك بكتير، يا خالد احنا في 2019، رشدي

أباظة وعماد حمدي ما بقوش فرسان أحلام خلاص...أستأذنك همشي عشان عندي

ميعاد.

نظر خالد إلى ياسمين وهي تغادر الكافيه والذهول والصدمة يسيطران على ملامحه، ولكنه شعر بإرتياح كبير، فعلى أقل تقدير قد عرف أخيراً ما يعيبه.

وصل خالد إلى منزله والشرر يتطاير من عينيه، وأمسك مجموعة بيزراته وبدله وألقى بهم من نافذة غرفته، وقد أتى الدور على أرفف مكتبته، فأنهال تحطيما لها وتمزيقاً لمحتوياتها، فمن اليوم وصاعداً لن يكون قديماً.

والآن وبعد مرور يومان على ذلك اللقاء هبط " الليدو نامبر وان" او كما أطلق على حسابه الشخصي على الانستا، مرتدياً بنطاله الممزق من ناحية فخذيه، سامحاً لشعر ساقيه بالإنطلاق

ساحباً وسط بنطاله إلى الأسفل قدر الإمكان، تغطي الحظاظات يده إجمالاً، ثم ركب سيارته

وأنطلق بها بسرعة الصاروخ على أنغام " مافيا...مافيا..مافيا.."

وأخيراً عزيزي التسعيناتي...اعمل زي خالد...خالد حلو.




  • أحمد الطوبجي
    كاتب روائي في بداية طريقه...من أعماله رواية لعنة كيوبيد...في طريقها للنشر بمعرفة دار زين للنشر والتوزيع
   نشر في 16 يناير 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا