قطوف من تاريخ الأندلس، عصر الخلافة الأموية -عصر الطوائف - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

قطوف من تاريخ الأندلس، عصر الخلافة الأموية -عصر الطوائف

عصر الخلافة الأموية -عصر الطوائف

  نشر في 29 أبريل 2015 .

حين تولى (عبدالرحمن الناصر) الحكم لم يكن يملك من بلاد الأندلس سوى قرطبة وما حولها من القرى، وأول ما قام به تغيير البطانة التي حوله فعزل من رآه غير صالح للمنصب الذي هو فيه، وولى من رأى فيهم الكفاءة والمقدرة وحسن تدبير الأمور، وأعلى من شأن العلماء ورفع منزلتهم لدرجة أن (منذر بن سعيد) في إحدى خطب الجمعة وفي حضور الناصر هاجمه على بناء قصر ضخم والعيش؛ فيه فأشار البعض بعزله ولكنه رفض وظل(منذر) يخطب الجمعة حتى مات(1).

ولى عبد الرحمن الناصر الحكم بالأندلس سنة 300 هجريًّا وفي ذلك الوقت العصيب كانت دولة الإسلام في الأندلس تغرق في بحار الفتن والصراعات الداخلية وأخطرها فتنة (ابن حفصون) كما ذكرنا سالفـًا، بالإضافة إلى ذلك كانت هناك خلافة وليدة شيعية المذهب في بلاد المغرب هي الخلافة الفاطمية التي أخذت تفعل ما بوسعها من أجل مد نفوذها إلى الأندلس والسيطرة عليها لذلك أّخذت تزكى نار الفتنة وتغذى الثوار بالسلاح والعدة لتحقيق مأربها(2).

وكان الناصر حينما تولى الخلافة عمره (22 عامًا) وكان أول شيء قام به الناصر هو التردد بحملاته إلى عمر بن حفصون وطارد السفن الفاطمية التي كانت تنقل العون إليه وأحرقها وأرغمه بعد ثلاث سنوات على عقد صلح ثم مات عمر بن حفصون وواصل ولده ثورته ولكن الناصر أخمد هذه الثورة وقضى على تلك الثورة وغيرها من الثورات الأخرى وبدأت الفتنة تهدأ في كل أنحاء الأندلس(3).

أما في سبيل مواجهة الفاطميين فرأى عبد الرحمن وغالب فقهاء الأندلس إعلان الخلافة الأموية في الأندلس 316 هجريًّا، ويعني ذلك أنه ينكر حق الفاطميين في الخلافة. وحاربهم بنفس سلاحهم فإذا كان هؤلاء يساعدون الثوار ويؤلبونهم ضد الناصر في الأندلس- ففعل الناصر معهم الأمر نفسه – وقد كان بارعًا إلى أقصى الحدود- نجح في اصطناع القبائل البربرية المناوئة لهم، واستولى على (مليلة وسبتة وطنجة )على سواحل المغرب الأقصى(4).

وكان طبيعيًّا أن يتفرغ الناصر بعدها للجهاد ضد الممالك النصرانية، واستطاعت جيوشه إحراز عدة انتصارات على ملوك النصارى، وبلغ من قوته أن سارع ملوك ليون ونبرة يخطبون ود الناصر بل إنهم كانوا يلجئون إليه كي يفض النزاعات التي نشبت بينهم(5).

وفي أواخر عهد الناصر وفدت إليه سفارات من أنحاء أوربا، أهمها سفارة (أوتو) ملك المانيا وإمبراطور الدولة الرومانية المقدسة إلى جانب (هيو) ملك فرنسا، سفارات من أمراء إيطاليا ومن بابا روما(6).

وكان الناصر شديد الغيرة على الإسلام وأهله، حينما أرسل (أوتو الكبير) رسالة إلى الخليفة الناصر فأحسن الناصر استقبال حامل الرسالة في قرطبة، وأنزله الناصر في قرطبة في قصر بجوار إحدى الكنائس حتى يستطيع تأدية شعائر دينه، وكان من عادة الناصر أن يحاط علمًا بالرسالة قبل تقديمها إليه فعلم أنها شديدة اللهجة وفيها افتراء على الإسلام، واستقبل الخليفة الراهب ورفض تسلم الرسالة وأرسل مع الراهب رسولاً (من المستعربين ويجيد العربية واللاتينية) واستقبله (أتو) أحسن استقبال وتخلى عن الرسالة التي فيها نيل من الاسلام وأعاد رسوله إلى الخليفة الناصر برسالة لا تتعرض للدين الإسلامي، واستقبل الخليفة الناصر رسول الإمبراطور في احتفال كبير(7).

ولم يلجأ الناصر قط إلى الحصول على مال أحد بالقوة أو العنف بل يحكي المؤرخون حكاية تدل على عظيم شعوره بمسئوليته عن أرواح وأموال رعاياه (أن رجلاً كان اكتسب مالا كبيرًا من خدمة الناصر وكان يتوقع منه أن يقدم ذلك الرجل إليه بعض ذلك المال يستعين به على أمره فلمح الناصر له بذلك مرارًا وهو في مجلسه، وكان ذلك الرجل (محمد بن سعيد) المعروف (بابن السليم)، وفي ذات مرة أشار الناصر مرة أخرى إلى مال ذلك الرجل فطار عقل ابن السليم وقال: (يا أمير المؤمنين طالما عرضت لي فسكت وبلى والله عندي مال كثير وهو دون ظنك فيه حطته بالتقتير، وأعددته للدهر العثور ولست والله أعطيك منه درهمًا، فما فوقه ورأيك في جميل إلا أن تستحل وأعوذ بالله أن تمد يدك إليه بغير جناية مني عليك)(8).

وكان من الطبيعي بعد كل ما سبق أن يلقى الناصر تقديرًا فريدًا من أعظم المؤرخين المحدثين فقال (دوزى) المستشرق: (إنه أقرب إلى حكام العصر الحديث منه إلى ملوك العصور الوسطى)، وقال ليفي بروفنسال: (إن عبد الرحمن الناصر يعتبر دون شك من أعظم ملوك أوربا كلها في كل العصور)وأشار إليه (أرنولد توينبى المؤرخ )واتخذه مثالاً للحاكم المستنير الذي يتخطى عصره بملكاته ومواهبه وأخلاقه وفهمه الدقيق لمسئولية الحاكم وقدرته على القيام بمسئولياته جميعًا(9).

خلف الناصر كبير أولاده وولي عهده (الحكم) الذى لقب بالمستنصر بالله وكان خير خلف لخير سلف فإذا كان الناصر رجل حكم وسياسية وحروب فقد كان الحكم المستنصر رجل علم وحضارة(10).

لم يكن الحكم مجرد حاكم يعطف على العلماء ويرعى العلوم بل كان هو نفسه عالمًا مشاركـًا في علوم عصره؛ فقد كان متقنـًا للعلوم الإسلامية، حتى سمع الحديث منه الشيوخ وأجاز لهم مروياته وأجازوه مروياتهم وكانت أبوابه مفتحة لطلبة العلم ولا يرد منهم أحدًا(11).

أنشأ في القصر مكتبة بها ما يقرب من نصف مليون مجلد، وكانت فهارسها تقع في 44 كراسة لا تضم إلا العناوين، وأنشأ لها مصنع خاص بالتجليد، وعمل فيها عشرات النساخين، وكان للحكم مراسلوه الذين يوافونه بالكتب الجديدة لأول ظهورها، وكان يجيز على ذلك بالمال الكثير.

وهناك كتب شرقية كثيرة كان (الحكم) أول من قرأها لأنه عندما كان يسمع بأن مؤلفـًا مجيدًا يكتب كتابا يطلب منه النسخة الأولى مقابل إجازة مالية كبيرة، ومثل ذلك كتاب (الأغاني) لأبى الفرج الأصفهاني الذى أرسل إليه الحكم ألف دينار؛ ولذلك تعد هذه المكتبة من أعظم المكتبات التي أنشأتها دولة إسلامية في العصور الوسطى.

ومما تجدر الإشارة إليه أن الحكم كان كثيرًا ما يكتب تعليقه على الكتب التي يقرأها بخط يده وكان العلماء بعد الحكم يعتبرون هذه الملاحظات أصولًا تعتمد(12).

لم يغفل المستنصر أمر المغرب الأقصى وكان (الأدارسة) يسعون أن يحلو محل الفاطميين فيه؛ فأرسل قائده (غالب) إليهم ونجح في إخضاعهم وعاد بقائدهم (الحسن بن كنون) أسيرًا إلى قرطبة.

ونجح الحكم المستنصر في مواجهة المجوس(الفايكنج) وهزيمتهم وكذلك ألحق الهزيمة ببعض الممالك النصرانية في الشمال؛ مما دفع هذه الممالك إلى طلب الصلح، وأتت سفارتهم إلى قرطبة وأحسن الحكم المستنصر استقبالهم كما كان يفعل أبوه (الناصر)(13).

بعد وفاة المستنصر في سنة 365 هجريًّا خلفه ولده (هشام) الذى تلقب بالمؤيد وكان صبيًّا صغيرًا وتولى الوصاية عليه (محمد بن أبي عامر) الذى تلقب (المنصور بن أبى عامر) وترقى حتى صار حاجبًا (رئيس الوزراء) للخليفة ودعي له على المنابر بعد الخليفة، ونقش اسمه على السكة، وفي سنة 386 أضاف إلى ألقابه لقب (الملك الكريم)، وبذلك ظهرت في رحم عصر الخلافة دولة جديدة، دعيت بالدولة العامرية(14).

وأكبر إنجازات المنصور هي حربه ضد ممالك الشمال النصرانية واتخذت هذه الحرب هيئة صوائف وشوات – (شتاءً– صيفـًا) توجهت إلى هذه الممالك وقادها المنصور بنفسه وزاد عددها على الخمسين لم يهزم في إحداها، وأهمها الغزوة الثامنة والأربعون في سنة 387 هجريًّا إلى مدينة شانت ياقب (القديس يعقوب) المقدسة في لأقصى الشمال وكان يريد أن يضرب الإسبان في صميم زعامتهم الوطنية والدينية.

وأسفرت هذه الغزوات عن امتداد حدود الأندلس الإسلامية شمالاً على حساب النصارى بحيث صارت هذه الحدود قريبة مما كانت عليه في عصر الولاة(15).

أتت إليه سفارات من (باسيل الثاني ) إمبراطور الروم و(أوتو) الثالث (ملك ألمانيا) وأتى إليه (شانجة) ملك نبرة الذي زوجه ابنته فأنجبت له ولده عبد الرحمن الذي اشتهر فيما بعد بـ (شنجول).

بعد وفاة المنصور خلفه ولده عبد الملك الذى تلقب بالمظفر فتابع سياسية المنصور الجهادية وحمل ملوك إسبانيا على أن يجددوا ولاءهم ويحتكموا إليه فيما ينشأ بينهم من نزاعات.

مات المظفر لدى غزوته السابعة والأخيرة، ولم يكن قد أكمل سبعة أعوام من حكمه القصير وخلفه أخوه شنجول الذي تلقب بالناصر(16).

وكان (شنجول) ضعيفـًا وشابًا طائشًا مغرورًا وكان سلوكه دافعًا لأن تحاك ضده المؤامرات، وبعد شهور قليلة قتل (شنجول)، ودبت الفوضى في أنحاء الأندلس وتصارع زعماؤها على السلطة، واستعان بعضهم بنصارى الشمال. وبذلك دخلت الأندلس عصر دول الطوائف.

ودول الطوائف تعبير عن تعدد الولاءات السياسية في الأندلس مقابل ولاء سياسي واحد في المرحلة السابقة وهو الولاء للأسرة الأموية.

وكان مجموع هذه الدول نحو عشرين دولة، وجنح حكامها إلى اتخاذ ألقاب لم يكن يتخذها قبلهم غير الخلفاء، ولدينا مثال واضح في بيتين مشهورين لابن رشيق القيرواني (شاعر معاصر لتلك الأحداث):

مما يزهدني في أرض أندلس ألقاب معتمد فيها ومعتضد

ألقاب مملكة في غير موضعها كالهر يحكى اختيالا صولة الأسد

وسعى ملوك الطوائف إلى أن يكون للواحد منهم بطانة من الشعراء يتغنون بفضائله وفضائل مملكته واهتموا بالعمائر التي تخلد ذكراهم دون أن تكون لها ضرورة أساسية(17).

وفي اصطراعهم بعضهم مع بعض سعوا إلى طلب العون من الملوك النصارى، وكان هؤلاء يؤيدونهم بجنودهم فيتمكنون من حرم المسلمين وأبنائهم ورجالهم ويحملونهم أساري إلى بلادهم، ولابد بطبيعة الحال من مقابل وكان المقابل في البداية مالاَ يؤدى إلى الملك النصراني، لم يلبث أن تحول إلى جزية، ثم تحول إلى تنازل عن أراض إلى جانب الجزية(18).

سياسية التنازلات هذه فتحت شهية الملوك النصارى لأنها دعمت من قوتهم وأضعفت من قوة المسلمين، وهيأت الفرصة للاعتداء عليهم.

ثم كانت الفاجعة فقد سقطت طليلطة، وتخاذل ملوك طوائف الأندلس في معظمهم عن نجدة طليطلة، وانصرف الواحد منهم إلى أمور مملكته وحدها ولم يتحرك أحدهم إلا بعد تهديد مملكته تهديدًا مباشرًا ولكن بعد فوات الأوان.

وهكذا انفرط عقد وحدة دولة الإسلام في الأندلس وأخذت تنفرط حباته واحدة تلو الأخرى فهل سينعم الله على مسلمي الأندلس مرة أخرى كما أنعم عليهم آنفـًا بعبد الرحمن الداخل وعبد الرحمن الناصر من بعده.

هل سيأتي من سيعطى جسد دولة الإسلام في الأندلس قبلة أخرى للحياة تجعلها تعيش فترة مديدة أم أن الأندلس ستدخل عصرًا آخر من الضعف والخذلان؟؟ هذا سيكون موضوعنا في المقال القادم بإذن الله.


  • 3

  • ibrahim kamel
    خريج اداب القاهرة قسم تاريخ - الثالث على الدفعة -تمهيدى ماجستير تاريخ اسلامى
   نشر في 29 أبريل 2015 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا