ماهية العلاقة بين الدين والدولة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

ماهية العلاقة بين الدين والدولة

  نشر في 11 ماي 2016  وآخر تعديل بتاريخ 13 ماي 2016 .

ماهية العلاقة بين الدين والدولة

مسالة الدين والدولة من اكبر المعضلات التي سادت المجتمعات الشرقية الإسلامية بعد انهيار الخلافة العثمانية في 1924م على يد اتاتورك وظهور الدول القومية بعدها واحتدم الخلاف والصراع بين الاسلاميين والعلمانيين حول شكل الدولة لما بعد الخلافة فلا الاسلاميين كان لهم نظرية موحدة ومتكاملة حول شكل دولتهم الإسلامية المعاصرة ولاكان لدى العلمانيين صيغة متوافقة للدولة العلمانية الغربية المعاصرة فكلا الدولتين لم تخرج عن عقلية ومنظور المرحلة البدوية القائمة على القوة وفرض الرؤية والمنظور الاوحد الرافض لجميع مايخالف تلك الرؤية فما كانت نتيجتها الا ايجاد دكتاتوريات علمانية واسلامية متطرفة تتصارع وتتنازع من اجل الوصول الى السلطة وفرض ارادتها على الدولة وطرد الاخر من المعادلة السياسية فكانت النتيجة ان عانى شعوب المنطقة من الويلات والحروب المستمرة والملفت في الامر ان كل من الفئتين كانت تتزرع في مسعاها الى الحكم بكونه يهدف تخليص الامة من الاستعمار والتخلف والظلم بكل انواعه وكان لهم ان خرج المستعمر من ديارهم فوقعوا تحت ظلم المستبد العلماني والاسلامي حتى اجبر شعوبهم لطلب مد يد العون من المستعمر لياتي وينقذهم من الدكتاتور والمستبد العلماني بفرعيه القومي والوطني اضافة الى الاسلامي ، وفي مسعى لمعالجة ازمة الدولة الشرقية رايت طرح فكرة احد ابرز من رايت واطلعت على ارائه من كتاب وفلاسفة اسلامين معاصرين ممن حاول تقريب وجهات النظر بين العلمانيين والاسلاميين حول صيغة الدولة المقبلة التي يرجى منها ان تعالج معضلة العلاقة بين الدين والدولة في المنطقة الإسلامية، وهذا المفكر والفيلسوف هو عبدالكريم سروش.

حيث يذهب سروش في الاجابة على هذا السؤال كمنطلق للولوج في البحث المعرفي عن ماهية الدين ومامدى علاقة الديني بالدنيوي او بالاحرى علاقة الدين بالدولة او السياسة وماهي الحدود المشتركة او الفاصلة بين المهمتين في الرسالات السماوية وفي الدين الاسلامي على وجه الخصوص محاولا فك الاشتباك بين الاهداف الدنيوي والاخروية في مهام الانبياء من منطلق معرفي وموضوعي راميا الى تحديد الحدود والتداخل بين خط الدين كمعرفة روحانية واتصالا فرديا داخليا يعينه الرسالات السماوية للوصول او التقرب الى فهم نسبي للحقيقة المطلقة التي لايكون الطريق اليها الا بالوحي مما يتوجب الارتقاء بالجانب الروحي لدى الفرد والذي لايكون الدنيا والاهتمام بها سوى كونه يزاحم الغاية الاخروية لدى الانسان وبذلك يكون الدنيا تابعا وخادما للاخرة وليس العكس ، وبين خط الدين كحركات اجتماعية تريد اصلاح الدنيا وتتخذها الحركات الإسلامية مع اختلاف توجهاتهم كايديولوجية دينية يسعون من خلالها الى السلطة كطريق لارضاء الاخرة، وبهذا يذهب الى معارضة نوعين من الفهم في الربط بين الدين والسياسة حول رؤيتهم للعلاقة بين الدين والدنيا او الدين والدولة مبتغيا نقد ظاهرتين من ظواهر التدين في المجتمعات الإسلامية وهي الصوفية الانعزالية، والحركات الإسلامية المعاصرة من شيعية وسنية سلفية او اخوانية او حركات عنفية حيث يسمى الاصناف الاخيرة الحركية دون الصوفية بالتدين العلماني حين يحاولون اظهار تدينهم وفرضها عبر قالب ايديولوجي معين مستهدفين الدنيا خالصة ويجعلون الاخرة والفوز بها مرهونة بمدى تحقق تلك الاهداف الدنيوية أي ان الاخرة جاءة لتحفيز الانسان لاجل اعمار الدنيا وبهذا يكون مهام الدين والاخرة خدمة الدنيا وبهذا يتوجب على الانسان المؤمن ان يكون له نظرية دينية في كل شيء يتعلق بالحياة الدنيوية من سياسة واقتصاد ...الخ وهذا يوجب ان يكون لكل حركة نظريته الخاصة يزاحم بها بقية النظريات الإسلامية الاخرى مما يولد صراعا دينيا صفريا من اجل السلطة وهذا مايسمى بالدين العلماني مضمونا. ومن جانب اخر ينتقد الرؤية الاولى ايضا المتمثلة في الحركات الصوفية الانعزالية التي تذهب الى فهم كون الدين جاء للاخرة وان الدنيا عائق ولابد من التخلي عن السياسة التي تعتبر كلها ظلم وفساد وانانية وكذلك توجب الابتعاد عن ملذات الدنيا فكلها امور مانعة للفوز بالاخرة ويضم مع هذا المسار ويلتقي معه الدين الشعبي الطقوسي وبعض التيارات السلفية الذين يفرقون بين الشعائر الدينية وبين العمل في الحيز الدنيوي او السياسي كان لارابط بينهما واكثر ماينطبق عليهم قول دع مالله لله وما لقيصر لقيصر.

وينتقد سروش النظريتين عبر البدء بالتسائل حول عدة مواضيع مهمة مستهدفا وضع نظريته حيث يذهب بالتسائل حول امور منها:

الغرض من مجيء الانبياء ماهي حاجة الناس الى النبي، ماهو لب الرسالة او مهمة الانبياء وتعاليمهم للبشر، ماهي المعرفة التي اذا لم ياتي بها الانبياء فاننا كبشر لايمكننا اقتباسها من مصدر اخر فماذا اتوا به من شيء لانعرفه.

فيذهب بالقول بان تحقيق الحرية الداخلية للانسان هي رسالة الانبياء للانطلاق نحو الملكوت ومعراج النبي كان رمزا لهذه الانطلاقة نحو التحرر من كل قيود تعيق هذه الانطلاقة فلابد من تطهير الروح وتهيئتها للورود الى عرصة السماء والعرش الالهي وكل علم او حركة تزيد من تقييدنا بالتعلقات الدنيوية فانها تتنافى مع رسالة الانبياء، وطبعا من جانب اخر فان النبوة والمعارف الوحيانية لاتتقاطع مع الحرية السياسية ولكن الحرية الداخلية والنفسانية الباطنية هي طريق لتحرير الخارجي وطريق الى تحرير الاخرين . اذا عندما نتحدث عن المواجهة السياسية في العصر الحديث ضمن المسيرة التاريخية للدين نرى بان كلا النظريتين الحرية والتحرر تجتمعان مع جوهر الدين والرسالة الالهية، فنحن نرى في التاريخ الاسلامي وتاريخ الاديان بصورة عامة بعض الاشخاص طلبوا الحرية الباطنية فقط فعاشوا بعيدا عن الحياة السياسية فلم يهتموا بالظلم والجور الذي كان يحيق بالمسلمين فالعدوا في نظرهم يكمن داخل الانسان وعلى الانسان ان يتحرك للتخلص من هذا العدو،وهؤلاء لم يخطئوا في تشخيص حقيقة الدين الذي يتلخص في التحرر من التعلقات الدنيوية كطريق الى الحرية في عالم الباطن باعتباره طريقا للتحرر من الخارجي ايضا ولكن الخطا يكمن في كون الانعزال عن الحياة السياسية يفسح المجال للعدو الظاهري او الخارجي ليتوغل اكثر في مفاصل المجتمع الاسلامي فيعيق ويمنع الاستمرار والنجاح في التحرر من العدو الداخلي أي ان الجهاد الاكبر (جهاد النفسي)يكمل ويدعم الجهاد الاصغر (جهاد العدوا الخارجي)أي احدهما يهيئ الارضية للاخر ويعمل على ترشيده ودعمه.

ولكن نلاحظ في مقابل هؤلاء من لايهتمون كثيرا الى العدو الداخلي ويتحركون نحو التخلص من العدو الخارجي عبر التركيز على الحرية السياسية التي تعد من اسمى القيم الانسانية واستطاع الغرب وفق هذه الفلسفة من تحقيق هذه الحرية الى درجة كبيرة مقابل تهميش هذه الحرية في المجتمعات الإسلامية لهذا نجدهم يتحركون في خط طلب العدالة الخارجية اكثر من اهتمامهم بالحرية الباطنية، ولكن كما قلنا هذين العنصرين وجهان لعملة واحدة ولاينفصلان فكلاهما يطلبان شيئا واحدا وهي الحرية الداخلية والخارجية وهذا لايتحقق الا بتحقيق العدالة في الخارج والاعتدال في الباطن.

فصحيح ان اتباع التيار الاخير هذا في الغرب حقق تعديلات واصلاحات كثيرة على هذا المفهوم بعد تفكيك القوى حتى لايستطيع احد ان يتجاوز حدوده القانونية والخروج على جادة العدالة وهي جهود شريفة وقيمة ولكنها غير كافية اطلاقا مادام الانسان لايعيش الالتزام والتعهد بالفضيلة والاخلاق في باطنه ويخاف من الجهاز القضائي ومن المراقب الخارجي فقط فان مسيرة العدالة والفضيلة لاتتحقق في عالم البشرية فيمكن ان يتحرك الانسان للخروج من جادة العدالة بشتى الحيل القانونية ومن خلال استخدام الغش والمكر والنفاق او اوقات الازمات والانفلات الامني فتتحول الى كارثة انسانية لذلك نرى بان العدالة الحقيقية مع تطور النظريات الحقوقية والسياسية في عالمنا المعاصر لاتستطيع ان ترضي روح الانسان وفطرته في الوصول الى اهدافه في بناء دولته العادلة والمستقرة، وذلك يتحقق بايجاد ناظر داخلي اولا وهو الله تعالى وهذا الامر يختلف كثيرا عن مجرد التدين والالتزام بالتكاليف الشرعية بل يجب ان يعيش الانسان والمجتمع حالة الحضور الجدي لله تعالى في الواقع النفسي والاجتماعي للناس بحيث يرى الانسان نفسه في محضر الله تعالى عند ممارسة عمله في ادارة الدولة او مزاولة مهامه ضمن مؤسسات الدولة ، ولكن ليس ايضا كما يفهمه الحركات الاسلامية في معالجتهم لمعضلة الدولة وعلاقته بالدين بفرض نمط دولة ايديولوجية دينية بدوية معينة على العالم .

ومن خلال النظر الى فكرة سروش الذي اراد اخراج نظريته الفلسفية حول علاقة الدين بالدولة او السياسة فانه يريد الوصول الى دولة مدنية معاصرة يعيش فيه الفرد حظورا روحيا ايمانيا، وذلك عبر خلق دولة جمعت فيه ارقى ماتوصل اليه العقل الانساني في بناء قواعد المجتمع او الدولة المؤسساتية الحديثة كما في الغرب الضامنة للحرية والرفاهية والعدالة على المستوى الخارجي للفرد والمجتمع أي على مستوى ادارة الدولة ، وجمعها مع ارقى ماتوصل اليه العقل الديني في ارتقائه لفهمه للجانب الروحي والايماني وعلاقته بالله لدى الفرد والمجتمع الجامعة للتنوع الديني والمذهبي وللتجارب الفردية الاعتقادية في الفهم الماورائي مبتغيا الاعتدال وتحقيق العدالة والحرية الداخلية، وبذلك سيخلق مجتمعا راقيا جمع فيه خبرة الغرب في الادارة وبناء الدولة مع خزينة الشرق الروحي في بناء الفرد، متجنبا الثغرات المدمرة للحضارة الغربية ولتلك الدولة محاولا معالجتها بتشخيص افتقارها لمستلزمات البناء الداخلي للفرد واهمالها لها ، الى جانب معالجته لاهم الثغرات في الفكر الديني عامة والشرقي بصورة خاصة وقصور فهمها في ادارة الدولة وحثها للاستفادة من تجارب الغرب في هذا الجانب لتحقيق العدالة والحرية، ومحاولا وضع نقاط التداخل والتقاطع بين البناء الروحي وعلاقته بالبناء الدنيوي المادي وعلاقتهما بالاخرة في الفهم الديني الصحيح حسب اعتقاده ، وذلك بفك الاشتباك بين اليات تحقيق الاعتدال الداخلي لدى الفرد وعلى المستوى الشخصي عبر التعامل مع المنظومة الايمانية ووجوب فرزها وعدم التعامل معها وفق الاليات والوسائل المحققة للاعتدال والعدالة في ادارة الدولة، وبطريقة اوضح لايجوز ان يضم المنظومة الاعتقادية ضمن اعمال ادارة الدولة او مهامها سوى تكليفها بضمان حرية الاعتقاد الفردي العادلة أي الغير متعدية على حرية واعتقاد الاخر المخالف، وهذا يتضمن ايضا عدم ضم ادارة الدولة لاي سياسة او الية او قانون او دستور يحارب او يفرض نوعا معينا من الاعتقاد الديني على الفرد او المجتمع، وهذا مايرفضه الحركات الايديولوجية الإسلامية باتهامها كونها بضاعة غربية وعلمانية، مع عدم احساسهم بانهم ايضا يعيشون او يخلقون دولة علمانية على نمط اخر شرقي الطابع ديني تراثي لاعلاقة له باصل الدين، وهنا يريد سروش معالجة الازمة الشرقية أي الإسلامية بوضع بنية فكرية لبناء الدولة المدنية الاسلامية المتجاوزة للخلافات المذهبية والايديولوجية ومتجاوزة للفهم الكلاسيكي وطريقة ادارتهم للدولة لكونها كانت متوافقة لظروف حقبة زمنية كانت تتصف بالمرحلة البدوية القائمة على القوة ولايمكن تطبيقها على الدولة المدنية الحالية القائمة على العقل وفهمها العصري لعنصري العدالة والحرية والدين والتي تسعى لتحقيق ذلك في الدولة المدنية المعاصرة عبر تفتيت منظومة القوة او السلطة بين عدة مؤسسات داخل الدولة وفي نفس الوقت يدعوا الى تغيير المنظومة الفكرية والمعرفية في فهم العلاقة بين الدين والدولة في الفكر والمجتمع الاسلامي.


  • 1

   نشر في 11 ماي 2016  وآخر تعديل بتاريخ 13 ماي 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا