نظرة على ما يمكن تلافيه في اصدارت النشر الإقليمي لشعر العامية بالغربية - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

نظرة على ما يمكن تلافيه في اصدارت النشر الإقليمي لشعر العامية بالغربية

قدم بمؤتمر اليوم الواحد لثقافة الغربية .. كلية التربية جامعة طنطا 2016

  نشر في 30 ديسمبر 2016 .

  في الحقيقة أنا طلب مني بحثا في فعاليات هذا المؤتمر عن شعر العامية , ولم يخبرني أحد بالعنوان الرئيسي له أي المؤتمر .

وأعرف تماما أنه عندما يكون للمؤتمر عنوانا معينا . فإن الدراسات والبحوث المقدمة به يجب ان تندرج تحت هذا العنوان .. ولكن في الغالب الأعم في مؤتمرات الفروع الثقافية وبعض المؤتمرات الكثيرة الأخرى, لا نجد هذا قائما خاصة في مجال النقد التطبيقي الذي نحن بصدده . وهذا يعود لسببين أولهما ان الكاتب هو من يقدم أعماله , ومن لا يقدم يكون خارج عن نطاق البحث .. وفي الغالبية لا تكون الأعمال المقدمة فيها مايندرج تحت العنوان. او تتفاوت . وأعتقد أنه سابقا إذا كانت هناك عناوين رئيسية للمؤتمرات هذه .. أن تتولي أمانة المؤتمر الاختيار للأعمال وفقا للتوجه العام للمؤتمر حتى لو لم يقدمه صاحبه . أو تترك الحرية للباحث ان يقدم هو وفقا لمطالعاته الأعمال التي تندرج تحت عنوان المؤتمر وموضوع بحثه.

وأنا وصلتني عدة كتب لبعض شعراء العامية من الغربية . وبعد المطالعة والبحث عن سياق عام أو ملمح فني أو فكري من الممكن أن يتم التطبيق عليه . لم أجد هذا المبحث. فرحت أفتش عن أمور أخرى تجمع هذا الجمع من الكتب والدواوين ( لفظة الكتب ليست صدفة أو غلطة ولكن مقصودة) ووجدت أنه بالصدفة كل هذه الأعمال خرجت عن النشر الإقليمي لثقافة الغربية في أعوام متفاوتة. ومع اختلاف هذه الأعمال عن بعضها . فلا توجد مدرسة فنية جامعة ولا اتجاه فكري سائد . ولا حتى لغة متقاربة .. كان لابد لنا الخروج من إطار كلمة البحث واقتصار الأمر على مجرد مقال نقدي تطبيقي عن تلك الأعمال التي خرجت من النشر الإقليمي لثقافة الغربية .. وبدلا من البحث عن الملمح الفني العام او المدرسة الطاغية . وجدنا أنفسنا أمام بعض السلبيات العامة التي تنبع من طريقة النشر نفسها في عملية التقديم والتبويب والمراجعة والاخراج الفني . وبعض الأخطاء التي وقع فيها الكل وإن كانت بدرجات متفاوتة .

لعل الملمح الأول يندرج في أن شعراء العامية ربما لم ينتبهوا جيدا لحصة الإملاء في المدارس قديما .. علاوة على أن بعضهم اكتفى بالثقافة السمعية ولم يكلف نفسه عناء القراءة . لأنه لو كا فعل لعرف يقينا الرسم الحقيقي للكلمات سواء كانت منطوقة بالفصحى أو العامية المصرية . كما أنه من الواضح ان ثقافة الركاكة في مواقع التواصل الاجتماعي كان لها دورها في الخروج عن إطار الكتابة العربية الصحيحة .. ومما طالعت يمكنني أن أجزم يقينا أنهم من روادها وبكثرة ويتعاملون مع الركاكة كأنها واقعا لا بد منه دون مقاومته .. وإذا كان البعض سيجد ان لهم عذرا نسبة لذيوع صيت الركاكة في هذه المواقع .. وأن كثيرا من المتشاعرين لهم جمهورا يفوق جمهور أكبر شاعر عربي .. ولكني مع مقولة انه لا يصح إلا الصحيح.

وإذا كان البعض سيخرج مدافعا ويقول انهم نالوا الدرجات النهائية في الإملاء . وأنهم من المطالعين الدؤبين لأمهات الكتب وأبنائها ؛ ولكنهم يكتبون كما ينطقون.

هنا لابد أن نتوقف ونقول ان العربية لها رسما في الكتابة يجب الحفاظ عليه حتى يستطيع اللاحق فهم ماقال السابق . وإذا كان الموضوع هو كتابة ماينطق فكان أولى ألا تكتب اللام الشمسية . ولكان تكرار الحرف أوجب من وضع علامة الشدة فوقه ... الخ . ولو قال قائل منهم أنهم بهذا يسعون للتجديد او الاقتراب أكثر من الشارع بحكم انهم يكتبون العامية .. فمعنى هذا أنهم بقصد او بدونه يحاولون ان يحعلوا من العامية المصرية شبه لغة ثابتة ويكون هناك انفصال بينها وبين الفصحى الأم .. وبذا تكون كتاباتنا أشبه باللوغاريتمات التى لا يستطيع فهمها إلا نحن كما حدث في بعض اللهجات العربية الأخرى ,, وأصبحت عندهم العامية شبيهة باللغة الثانية.

كما ان الملمح الثاني تمثل في بعض الازدحام المتواجد في بعض ما أورده لنا القائمون على الأمر.. وهو الازدحام الناتج عن الرغبة في قول او نشر كل شيء كتبه الكاتب سواء كان هناك خطا يربط مابين كل الأعمال المتواجدة في المطبوع أو لم يكن. وطبيعي ان هذا الازدحام سيخلق شعورا بالتوتر لدى القارئ .. سواء كان التوتر ناتجا عن تضارب المواضيع نتيجة تغيير الاتجاهات ووضوح بعض أشكال من الرؤية نتيجة تراكم الخبرة . أو نتيجة تغيير الأدوات نفسها .

الملمح الثالث هو لجوء الغالبية لما يسمى بالصورة المركبة في العمل .. أي الاعتماد على بعض الصور التي تكون في بعض الأحيان مدهشة وفي غالبية الأحيان غريبة ورصها رصا بجوار بعضها البعض دون أن يكون هناك تناغما تاما بين هذه الصور . بل في الكثير من الأحيان تكون هذه الصور متضاربة مع بعضها البعض . ولا تكون في خر الأمر صورة كلية واحدة مبنية على تفاصيل صغيرة متسقة تؤدي لمعنى أو رؤية واحدة ... وربما كان لألقاء الشعراء قصائدهم في المحافل أسبابا في وجود هذا الأمر بكثرة .. فعند السماع ربما لا يلتفت السامعون لهذه التضاربات وتأسرهم الثانية الواحدة التي يسمعون فيها صورة . ثم ثانية جديدة بصورة أخرى فيصفقون .. ولكن عند وضع هذه الأعمال في مطبوع؛ فالتلقي هنا يختلف كثيرا عن تلقي المهرجانات.

وقد كان يمكن أن نشير لكل مارأنياه من تلك الملامح مجتمعة فيما بين أيدينا .. ولكن رأينا أنه من المستحسن وضع كل مطبوع على حدة أمام تلك الملامح وتبيان مدى أو قربه عنها .. كما أن هناك بعضا من السمات الخاصة التي رأيناها في بعض الشعراء سواء من ناحية التفرد أو الإجادة . أو الاعتيادية والوقوف على ناصية المنتصف.

آثرنا أن تكون البداية بديوان ( فرح واحد ميت) للشاعر عبد القادر أمين . لأسباب عدة كم أهمها أن هذا الديوان يعتبر من أقل ماوصلنا أخطاء في رسم الكتابة. بل أنها تكاد تكون منعدمة واقتصر الأمر الأمر على ثلاثة من الأخطاء فقط في رسم الكلمة . وخطأ واحدا في عدم وضع الكلمة الأعجمية مابين قوسين إن عده الناس خطأ . مع أنه في نظري كذلك.

الخطأ الأول ص 24 حينما قال ( وانتى عارفة إن عمري ماخت حقي) تغاضينا عن الحاق الياء بأنت . ولكن كلمة ( ماخت) هي المقصودة لأن رسم الكلمة الواجب بالعامية هو ( ماخدت) دون التظر لطريقة نطقها .. لأن وضع الكلمة كما كتبها من الممكن أن تثير اللبس والتساؤل اما وضعها كما بيننا هو الذي يشير لما يقصده فعلا . ثم نصل للصفحة 32 لنراه يكتب( من غير جناح بإديه قصيته) هو يقصد أنه قصيه بيديه .. على هذا كان من الأوجب ان تكون الكلمة هكذا رسمها ( بإيديا) أو( بإديا) ومن الممكن ان يضع الشدة فوق الياء . تظرا لأنه يستخدم علامات التشكيل في اللغة وبكثرة مستحبة . ثم نصل لصفحة 40 لنرى نفس الخطأ الأول يتكرر مع تركيبة خطأ اخرى في نفس السطر) فيقول ( خليني أقولك قبل ما انسى خت إيه) الواجب ايضا ان يكون الرسم ( خليني اقول لك) و ( خدت إيه) الخطأ الأول في وصل ( أقول ولك) هو خطأ وارد كما اسلفت قبلا من أسباب التدني في الكتابة بالعامية . ولكن مع عبد القادر فالأمر يختلف لأنه لم يمارس هذا الخطأ كما فعل الآخرون. وتأتي الملحوظة الأخيرة في رسم الكتابة ص72 حينما يقول( جركن الصبر اللي منه) وكان من الوجب ن يضع كلمة ( جركن) مابين قوسين حتى ندرك انه فعلا يقصد هذا الوعاء الكبير المستخدم في حفظ السوائل ونقلها ولا نبحث عن معنى آخر نظر لأعجمية اللفظ.

قلة الأخطاء في رسم الكلمات عند عبد القادر تعود بالطبع لمرجعته التعليمية والحياتية . ولأهتمامه بعمله وعدم الاكتفاء بعملية القول في المحافل .بل هو يعد عمله لكي يبقى ولكي يتفهمه من يمكن أن يقع بين يديه مستقبلا . فهو من الواضح انه يدرك أنه قد حقق قدرا من التحقق؛ ويستثمر هذا في عملية محاولة بقاء الأثر أطول وقت ممكن .

وإذا أتينا لما رصدناه بخصوص الملمح الثاني الذي هو الإزدحام سنجد أن عملية الازدحام في عدد الأعمال المنشورة بالديوان غير موجودة . ولكن من الممكن أن نلمح هذا في القصائد ذاتها . ومن الممكن أن تتحول صفة الازدحام عند عبد القادر الى الإسهاب في شرح ماقاله بصورة كلية عامة ووصل فعلا للمتلقي أو القارئ. ولكنه يدخل بعد هذا في عملية شرح لما قاله بالمزيد من التفصيلات التي لا تتناسب فنيا ولا شعريا مع ماقاله سابقا . وسنكتفي في هذا الاتجاه بمثالين فقط هما قصيدتي (اشتي حنانك) و ( ياعم فوق) . في الأولى حيث قول:

اشتي وخلي الجو يفوق

(رخي في مرة .. جوه وبره

طو أيامك رعد... بروق

عاجبك حالنا اللي محيرنا؟

واللا الليل اللي ممسينا ومصبحنا؟

شمسك ليه بتحب العتمة؟

من كام سنة بنغني يا سالمة..

روحنا وجينا..

وفقر الدنيا بيحضن فينا

هو مافيش للصبح شروق؟

اشتي وخلي الدنيا تفوق .)

نحن هنا أمام قصيدة مكتملة وكان يمكن الاكتفاء بهذه الكلمات المعبرة عن الكثير جدا من الحالات التي يمر بها الوطن . في شكل جديد ومكثف .. من الممكن أن يشرح بالعديد من السطور . فهو يطالب بالفعل والحركة .. ولوحظت مرجعيته القروية حث الشتاء دال على الخير وتغير الفصول . ومن بعده او من خلاله تكون حالة الحصاد .. وفعل الأمر( اشتي) ليس موجها للسماء هنا ولكنه موجها للأرض/ الوطن . بل ويطالب بالتغيير بقوة الرعد والبرق وليس مجرد الحركة العادية ..إلى أن يصل للتساؤل الأدهش والأكثر شاعرية وتعبيرا عن الحالة( شمسك ليه بتحب العتمة؟) وأعتقد إن استحالة حدوث الصورة واقعيا هو أفضل تعبير عن الحالة العامة التي يعيش بها الشاعر / الأرض / الوطن . ثم يصل للتقرير الذي يحمل أكثر من صورة ومن معنى في نفس الوقت حين يقول( من كام سنة بنغني ياسالمة.. روحنا وجينا ..الخ) ففي تلك الكلمات المقتضبة يحيلنا وبسرعة طبقا للإطار المرجعي العام. لحالة السفر والغربة التي يضطر اليها المواطن المصري . وفي نفس الوقت يحيلك أيضا بأن المصري لا يستطيع الاغتراب لفترة طويلة في العموم . فهو في كل مرة يعود آملا بأن الشتاء قد تحقق ,, ولكن أمله يخيب . فيضطر للسفر مرة ثانية وهكذا.. وصلا لحالة لتقرير ب ( فقر الدنيا بيحضن فينا) وهو هنا تقرير حالة لا تقريرا فنيا . لأنه أتى بصورة جديدة للفقر المحب الوله للعاشق لنا .. ولا يريد أن يتركنا. وصولا للسؤال الاستنكاري المحرض؛ محاولا به الوصول لما طالب به سابقا( هو مافيش للصبح شروق؟).

أرى أن المعنى والغاية قد تحققا هنا .. ولكنه يزحم الموضوع بتفصيلة أكبر محاولا أن تكون تنويعة على ماقاله سابقا فيقول:

(اشتي وخلي القلب نضيف..

تشتي غموسك

طول العمر معايا رغيف

ب أحلم بالأكل اللي يغذي

يمنع عني البرد في ليلك

أو يحيميني في شمس الصيف

قلبي شراق وكله شقوق

اشتي وخلي الدنيا تفوق).

نجد ماقيل هن هو مجرد تنويعة باهتة لما قيل من قبل وخرج من إطار الفنية الصادقة ودخل في مجال الصنعة الغير متقنة .. فإذا كانت الحالة كما قال عنها سابقا .. فهو في هذه المرة ربما يفترض ان الحال تغير فهو لا يطالب بالرغيف فقط .. بل انه يعلن انه طول العمر يملك هذا الغيف ويطالب بالغموس والأكل اللي يغذي .. ولكن الأكل لا يجعل البنيان صحيحا او قويا او حتى مانعا للجوع فقط بل أنه يطالب به حصنا ضد البرد والحر .. ويبدو انه فطن لعدم فنية الحالة فخرج بسرعة ليقول السطرين الأخريين . وهما ليس لهما علاقة بما قيل سابقا عنهم بعكس الفقرة الأولى . في التنويعة الثالثة يستمر الحال نزولا فيقول:

( اشتي حنانك

يمحي قساوة قلب الكون

خلي الرحمة تعيد الرحمة بين الاخوات

مهما يكون..

حلوة اللمة على الطبلية

بس بشرط القلب يدوق

اشتي وخلي الدنيا تفوق).

ليس صعبا ان تدرك أن الأمر كله هنا قد تم قوله من قبل في الفقرة الأولى . وان مايأتي بعد ذلك هو مجرد شرح غير جيد لما سبق . فانت لا تعرف كيف الرحمة تعيد الرحمة !؟ ومهما حاول البعض الدفاع سيجدون أنفسهم عاجزون عن تبرير إعادة اللفظة بنفس المعنى في سياق واحد .. بل وربما يذهب البعض ان من يدافع عنهم يستحقون ماجرى لهم . لأن الرحمة نزعت منهم حتى مع أقربائهم من الدرجة الأولى والأشقاء .. الخ.

والمثال الثاني هو قصيدة( ياعم فوق) ص 62. القصيدة من النوع الطويل نسبيا وامتدت من الصفحة 62 للصفحة 66. أي خمس صفحات كاملة . ولكنك حين تطالعها ستعجب جدا بالصفحة الأولى التي يبتديها ب

( عمل يقول لي إن الشوارع طيبة) إلى أن يصل في رحلته بالشاع ل

( ونزلت أفتش في الشوارع.. والوشوش

وف كل خطوة تكعبلك نظرة حسد

أو غل مليان بالجسد

ونفوس فاشوش

حتى الل ماشية ببطنها

تلقى الجنين من غلبها

زهقان وخايف يتولد

ينزل لمين؟)

ومع انك ربما تقول ان لفظة ( بالجسد) تصويرا لحالة الغل المتأصلة والتي مكانها الطبيعي هي النفس وليس الجسد . وان استعمال اللفظة جاء فقط لخلق حالة من الموسيقى بينها وبين كلمة الحسد في السطر السابق . إلا أنك ستصل يقينا لن المعنى العام للحالة قد وصل ولا يوجد مايقال أكثر من هذا. وحتى الشاعر نفسه أدرك هذا لذا لم يضف شيئا وإنما شرح الحالة التي وصلت إليها . فهو يبتدي الجزء الثان من قصيدته الذي جاء بأول الصفحة الثانية أي ص 63 لشرح لماذا الجنين في هذه الحالة . ثم تصوير ابنه الذي القي على الأرض ولم يهتم به أحد في رحلة طابور الخبز ... الخ .

ولكن هناك مايميز اشعار عبد القادر أمين . وهي نفسها صفة الشعراء الكبار والمتحققين الذين لهم شان بين العامة والخاصة . ألا وهي اعتماده على أن تكون قصيدته عبارة عن لوحة واحدة . بها صورة واحدة كلية . ثم بعض التفصيل أو الصور البسيطة التي تساعد على تكوين الصورة الكلية العامة في سهولة ويسر مع الإبداع في الإتيان بصور متستحدثة تجلب الدهشة مع الاستيعاب الكامل لها .. وأمثلة مثل ( أدفي الجنة من حضنك ص18) ؛( كنت سبت الدنيا عانس ص22) ؛ ( يا أسجن الأحزان في شوكها ص 24) ونكتفي بهذا كأمثلة.

ثم نأتي للملمح الخاص الثاني الخاص بالشاعر . فهو يمتلك الحس الكوميدي . ويملك القدرة على رسم الصورة التي تجعلك تبتسم حتى وإن كانت الحالة على العكس .. هو يطبق فعلا مقولة أن شر البلية ما يضحك . وهناك الكثير من القصائد لا تملك إلا ان تبتسم وأنت تقرأها نتسيجة استخدامه الجيد لتركيب الصورة المدهشة . ويقعل كما يفعل الحس الشعبي في عملية بناء النكات ... وياليته التفت جيدا لهذه الملكة عنده وعمل عليها .. فالإضحاك يأتي من الإيجاز والنتيجة غير المتوقعة ؛ وكذا الإدهاش أيضا ... وإذا كانت عملية الإدهاش موجودة في الكثير من قصائده .. إلا ان كل القصائد التي غلب عليها ازدحام التفاسير والإسهاب الغير مبرر خالية مما يتمتع به .. خاصة في الجزء التالي او المشروح. كما لا يسعنا إلا أن نشير بالطريقة الجديدة التي وضع ها سيرته الذاتية كقصيدة في نهاية الديوان.

وننتقل لديوان ( بالحزن السري) لأميرة البدري ومن الواضح أنه قد تمت مراجعات كثيرة لما يحتويه الديوان بأطر مرجعية مختلفة. ففي ما يختص بالملمح الأول وهو رسم الكتابة بالعامية . سنجد أن هذا الديوان يشترك مع سابقه في قلة الأخطاء وانحصرت في ص13 عندما قالت( مجين مشاعر.. ) ولم تضع كلمة ( مجين بين أقواس للدلالة على أنها كلمة أعجمية مستجلبة لكي نفهم أنها تقد الأكواب التي لها يد وتكون مصنوعة من الخوف . وهذا خطأ في كيفية الإستعمال . أما الخطأ في رسم الكلمة فكان أيضا ص 13 حينما قالت ( فوق غصن الوهم رسملهم طريق) والصحيح هو ( رسم لهم) . ثم ص18 عندما كتبت ( تسمحله يخش) نفس الخطأ السابق ونفس التصويب السابق فالصحيح( تسمح له). ثم ص 21 العنوان هو ( موت في احضان المفيش) والأوجب ان تكون الكلمة الأخيرة هي ( المافيش) لأنك عندما ترجع الكلمة لأصلها ستجدها تسهيل لكلمة ( مافي شيء) . والكلمة تكررت مرة اخرى بعد العنوان في نفس الصفحة ثم تكرر الخأين في ص 31 لنفس الكلمة السابقة في العنوان وكلمة في المتن. ثم في ص 41تعنون قصيدتها ب( بلالين الفرحة) وكأن شخصية زكية زكريا أصبحت مرجعا لغويا .. وبدلا من أن نقول ( بالونات فرحة) استدعينا الست زكية. وطبيعي بما أن الخطأ موجود في العنوان فهو مكرر في المتن باستعمال نفس الكلمة.

أما الذي جعلني أقول ان هناك مرجعيات متعددة في عملية المراجعة .. ولكنها غير متسقة مع بعضها البعض فكان لما هو موجود بصفحة 49 حيث عنوان القصيدة هو ( فرافيت أحلام) . وكان يمكن لشيوع كلمة ( فرافيت) بين العامة بشكل كبير. بل وبين الطبقة المتوسطة أيضا . أن نتجاوز عن الكلمة باعتبارها نحتا عاميا لكلمة ( فتافيت) حيث استبدلت التاء بالراء وانتهى الأمر . ولكن كعادة الكاتبة ان تكون هناك استخداما للمفردة التي تأتي في العوان بالمتن . فقد جاءت بالكلمة في رسم آخر حيث قالت في نفس القصيدة( فتفت أحلامي) ولم تقل ( فرفت) كما يشاع . هنا لابد من وقفة لأن المرجعية التي استخدمت هذه ليست تلك المرجعية التي تستخدم تلك .. فقط نشير لمحاولة الالتفات وأن تكون المراجعة للكل وليس للمتن فقط.

وإذا أتينا لما رصدناه ملمحا ثانيا . فمن الواضح أن الشاعرة ربما تكون في مقتبل العمر . حيث يكون الازدحام هو ازدحام عواطف ورغبة في الرؤى . بالاضافة للازدحام الإسهابي او محاولة تطويل بعض القصائد .. فالنظرة المستقبلية للحياة وإدراك صعابها والتخوف من المضي؛ بالإضافة للقصائد العاطفية هما صاحبا نصيب الأسد في المطبوع . مع محاولة الخروج من أسر هذا العادي والمكرر في بعض القصائد القليلة . وهذه القصائد القليلة هي التي تنبء عن قدومها في المستقبل . دون النظر للعادي المغلف لمعظز القصائد . والتي يبدو فيها انها تتدرب على كيفية الوصول للشعر الحقيقي . ويؤكد هذا بعض الصور المدهشة التي تتخلل بعض جنبات هذا العادي , ومن الممكن أن يحلينا هذا للمراجعة ذات الإطار المرجعي المختلف أو الأكثر خبرة .. خاصة حينما نلمح بعضا من إدهاش يطل من العادي.

يبدو أنها تدرك هذا . وهي تملك ثقة بالنفس يجب ان يتمتع بها أي مبدع دون أن نلصق هذا بالغرور. فصدرت المطبوع بقصيدة ( مش راضي يصدق) حيث يبدو أنها تتحدث عن نفسها أو فلنقل عن ذات عنيدة واثقة .. حيث تقول بكل بساطة ان البحر اصغر من أن تراه .. الى ان تصل لإذلال البحر نفسه وإنها ( هتفرج عليه البلاجات/الشواطئ التانية) .. ومع القول بأن البحر ليس هو البحر المعتاد ... الخ وانما هناك تعاملا فنيا يعتمد على الإحالة . وبعيدا عن التمسك بعدم منطقية الصورة الأخيرة حيث ان البحر واحد والشواطيء الثانية هي شوائه هو نفسه .. ولكننا وقفنا عند الثقة والعناد لإثبات التفرد. ثم تأتي القصيدة الثانية(تباريح) لتحمل نفس التفرد ولكن بشكل عكسي في موضوع لومها للحياة ونفس الراوي وخطوط الزمن التي تمر .. ولكنها أو الراوي يقف متفردا حيث استعمال ادوات العصر من شاشة عرض يكون فيها الراوي هو البطل والجمهور في نفس الوقت . أي عدم السماح للغير برؤية الانكسار حتى لو أخبر عنه. ثم تردف بالقصيدة الثالثة ( عينيها فلاش) وهي في هذه القصيدة تتحدث عن كوب الشاي . موضوع غير مطروق تثبت فيه محاولة تفردها وقدرتها على مزج المهمل بالمعاش واليومي والحيوي . حيث تحاول أنسنة هذه الكوب وتمنح لها القدرة على الرصد والاحتواء في نفس الوقت. قصائد لا تحمل جديدا من حيث الصياغة . ولكنها تحمل دالات نفس الشاعرة مع محاولة التفرد كما أسلفنا. ولكن محاولة التعامل مع الأشياء البسيطة وأنسنتها يصبح هدفا في حد ذاته . لذا تخرج منها المنطقية الفنية لآنها سعت فقط وراء العادي دون أن تحاولل المزج بين المنطق العام ومنطق العمل الفني وتجلي هذا في قصيدة ( عيون الحيرانين) حيث تحادث منديلا إلى ان تقول له مطالبة ( إياك تبل قلوب كتيرة بالوجع) ونسيت ان المنديل هو الذي يزيل البلل!! استهوتها فقط المقابلة بين ماكتبته ووظيفة المنديل وحاولت أن تأتي بالمستحيل . ونسيت أنه في الفن عندما تأتي بالمستحيل فلابد ان تضع له منطقه الخاص مسبقا .. لذا نقبل بالمستحيل . ولكنها لم تفعل.

والشاعرة في هذا الديوان تعيش الحالة المزدوجة بين الإبداع والتقليد . وإن كانت تحاول فيما يختص بالتقليد أن تمنحه بعجا إبجاعيا . ولكنه يظل تقليدا . وسنكتفي على المقابلة ببيه قصيدتي ( عشت حياتي ع النوتة)و ( شاشة عرض). الأولى تصور حياة التأرجح التي تعيشها بي الأمل والملل والإحباط . وكان تعبيرها المتمثل في عنوان القصيدة تعبيرا جديدا . لأنه صور بكل بساطة أنها لا تملك حتى حياتها وأنها تقوم باقتراض حقها من حين لآخر. وبأن كل مافي الحياة عبارة عن دينة واجب أن تدفعه . وحتى حياة الدين هذه لم تدفعها لتبوأ أي مكانة من الممكن أن ينظر غليها الآخرون على أنها مكانة إنسانية طبيعية أو مقبولة ولكنها تعيش حياتها بالدين وعلى الهامش أيضا لم يلتفت إليها أحد من لوحة الحياة العامة . فتتراوح بين الحياة نفسها وعدمها في نفس اللحظة . لأن اللحن العام الذي خرجت وسطه للحياة كان نشازا .. فكان طبيعي ان تتوه وسط هذا النشاز . هنا تعبيرات جديدة واستخدام خاص بها . حتى وإن كانت الصور الشعرية والمفردات طروقة قبلا . إلا أنها انتقت منها ما تريد ووضعتها في إطار جديد خاص بها . على عكس القصيدة الثانية ( شاشة عرض) فهي حاولت التجديد فقط في حالة العنوان فقط أما الموضوع والمفردات فمن قبيل التقليد لنفس الحالة بنفس المفردات . فتصوير بائعة الورد التي تحاول ان تزرع بسمة و فرحة في قلوب من تقدم إليهم ورودها . ولكن تحدث لها حادثة وتموت ويجري دمها على الأرض ممتزجا لونه بلون الورد .. حالة عولجت في الكثير من القصائد والأغنيات بل والأفلام أيضا بنفس لتعبيرات والمفردات بل وبنفس الكارثة لا جديد.

وهي تقع في بعض الأحيان في تناقضات الصورة التي تأتي بها مع الحالة العامة التي تريد أن تقلها لنا فمثلا في قصيدة ( أنت غير شجر) نجدها تقول:

( خايف من إيه

بتحاول تهرب

من غير ما تودع

شجر اللبلاب

اللي فرد لك كل فروعه

عشان يحميك)!!

الحقيقة انه يجب اساسا ان يهرب من شجر اللبلاب بحكم طبيعته كنبات متسلق طفيلي . وأن هذا الشجر حينما فرد فروعه لا يحمي بل يخنق من امتدت فروعه اليه . وهي لم تأت لنا بأي إشارات لتقول لنا بأن هذا اللبلاب خاص بها وليس العادي الذي نعرفه . فتقع هنا في التناقض بين ما أرادته وطريقة التعبير عنه. ووقعت في خطا في محاولة رسم الكلية بما يتفق مع مرامها.

وإن كانت أميرة البدري جل اعتمادها في الكثير من قصائدها على عملية التركيز والإيجاز بحيث لا تتجاوز معظم قصائدها بضعة سطور أو الصفحة الواحدة . وهو ملمح جيد حيث انها تمتلك القدرة على التكثيف . ولكنها فيما يبدو إتجهت لقول بعض المطولات دون أن يكون لها داع ربما جريا من الخروج من حالة التكثيف فقط . مع أن حالة التكثيف هذه هبة لا يملكها الكثيرون . كانت التطويلات في أواخر قصائدها بالديوان ولنأخذ مثالا بقصيدة ( بتهل مع النور تصاوير)ص85 سمجد أن القصيدة من الناحية الفنية قد انتهت كعادتها لما قبيل انتهاء الصفحة الأولى بسطر أ عند قولها ( ألقاها بتتمايل فيك وتغني) حيث هنا ينتهي اللغط بين ضمير المخاطب والغائب .. كما أنها تشير لحالة الاغتراب القادمة بلا شك . ولكنها أطلت ربما بقصيدة خرى أو سطور جديدة لتؤكد نفس حالة العشق والتمايل ولكن مع عدم الاتساق بين ضميري الغائب والمخاطب . فهي تتحدث عن نفسها تارة وأخرى تتحدث عن أخرى .

وفي نهاية حديثنا عن هذا الديوان نقول انها لو صحت رؤيتنا بأن الشاعرة مازالت في مقتبل العمر والتجربة فسيكون لها أنها خاصة لو تصالحت مع رؤيتها الخاصة ولم تلتفت لأطر مرجعية خارجة عن شخصيتها . بل عليها ان توسع من إطارها المرجعي الخاص بها . وإن استعانت بأطر أخرى فيكون من أجل توسيع إطارها الخاص بها لا السير تابع للآخر وكفى . عليها ان تثق ولا تحاول أن تكون كآخرين.

وإذا أتينا لديوان ( ضريح الشوق ) لتيام الشافعي

سنجد في الملمح الأول ان الشاعر يخاصم كل النقاط الخاصة بالتاء المربوطة ولا يعترف بها اساسا. كما ان الأخطاء في رسم الكلمة العامية كثيرة لحد ما وسنكتفي بأمثلة من ص 13 حيث يقول ( واملى وريدك بالبلاغه واللغه) طبعا الصيحيح هو وضع النقاظ على التاء في البلاغة واللغة . ولكن المثير للحنق هي كلمة ( املى ) فهو لا يريد ان يقوم بعملية الأملاء. ولا يتحدث عن أمله الخاص , ولكنه كان فقط يقصد عملية الامتلاء وفعل الأمرمنها وهو ( إملأ) وللتخفيف بالعامية فيكون ( املا). كما أنه دائما ما يكطتب كلمة أنت كما ينطقها بالمد فيكتبها هكذا ( انتا) ؛ تكررت مرتين في ص14 مثالا . كما أنه في ص 35 يقول ( وهانحت بيدي أناية شروق) طبعا هو لا يقصد انه سيمحت أنة صغيرة .. ولكنه سينحت ( قناية) حيث انها تصغير قناة . فالمصيبة في نظري ربما تنبع ان كثيرا من الشعراء لايعرفون أصل الكلمة التي ينطقونها ربما .

أما الازدحام فهو كثير عند تيام الشافعي . ولكنه لا يكون ازدحاما في عدد القصائد او تضاربها وعدم وجود ملمحا عاما يضم قصائد الديوان . ولو تمثل في الإشارة لمرحلة نضوج معينة . ولكنه ازدحاما في عملية التصوير ذاتها . فهو يعتمد على الصورة المركبة من عدة صور مركبة أيضا بما يشكل التباسا في الكثير من الأوقات عند نفس المتلقي ويكون استماعه ليس بالمضمون العام ولكن بتتابع جرس الكلمات ووقوف البعض عند مرحلة التداعي الشخصي لأثر صورة ما؛ فتهرب منه بقية القصيدة . هذا في مجال القول . أما في مجال الكتابة أي في تدوين القصائد فريما يختلف الأمر قليلا حيث يتسع الوقت للمطالع ان يحاول فك رموز الصورة ووضع ماوصل اليه بجانب بعضه البعض ليصل لما يريده الشاعر . ولكنه سيجد انه عملا شاقا أيضا خاصة بالنسبة لخريجي جامعاتنا فما بالك بالجمهور العام المفترض أن شعر العامية موجه إليه؟.

الشاعر يحاول ان يكون له قاموسه الخاص . ويحاول أيضا ان يكون قاموسا صوفيا وفي نفس الوقت يستعرض فيه معارفه التاريخية التي ربما تتعارض مع المد الصوفي لما يريد أن يقوله كما أن هناك معنى يريده الشاعر في الكثير من الأوقات قد لا يصل لا للقارئ ومن قبله المستمع . وسوف لا نتعب نفسنا ولا أنفسكم في البحث عن دالات ما أقول ولكن لنبدأ بالقصيدة الأولى في الديوان( النهر)حيث يقول:

( وانظر

عباية صوت ملاك المعجزات

إحيي الموات

وازرع

في قبر المستحيل

مليون مغيث للإنكسار

واسجد

طوعية في آخر منتهاه

مجروح بتنزف أنبيا)

واسأل نفسك هل كانت عباية ملاك المعجزات تفرق كثيرا عن عباية صوت ملاك المعجزات؟ ستجد أنها تفرق .. فبحذف كلمة صوت ستكون العباءة للملاك بنفسه بصوته وصورته وروحه ... الخ . ربما تقول أنت أنه يريد صوت ملاك المعجزات ولا يهتم ببقية تكوينه لأن هذا يخدم موضوعه أكثر. سأقول لك إذن لماذا لم يكتفي ب (وانظر صوت ملاك المعجزات) مادام هو يريد الصوت فقط ؟ الحقيقة ان الصورة لارتداء الصوت عباءة هو ما استهوى شاعرنا او هكذا كان.

ثم عندما يكون هناك زرعا في قبر المستحيل هل معنى هذا أن المستحيل مات. ولم يعد هناك محال وكل شيء أصبح مسموحا به؟

قبل ان تجيب بنعم . عليك ان تقرن ماقبله فهناك عباية صوت ملاك المعجزات وإحياء الموتى فهل هما ممكنان أم مستحيلان؟ إن قلت أنهما ممكنان فما حاجتنا للمستحيل؟ وإن قلت أنهما مستحيلان . فالرجل سيميت المستحيل . إذن فلا وجود لهما أساسا لأنه من الممكن أن يصل الينا ان قبر المستحيل يضم كل ماكنا نعتبره مستحيلا وليس دالا فقط على اتاحة كل شيء .. لماذا هذا التضارب . وهل لو كان اقتصر كلماته على ( وازرع مليون مغيث ..) بدلا من ( وازرع في قبر المستحيل..) هل كان انتهى التضارب ام لا؟ سأترك الإجابة لكم .. وسأحيل الأمر للرغبة فقط في الاتيان بصورة مدهشة بصرف التظر عن وقوفها امام سريان المعنى الذي يقصده. ثم هو سيسجد طواعية هل في قبر المستحيل؟ أم في مليون مغيث للانكسار؟ طبعا الضمير للمفرد هنا ربما سيمنعك من التفكير في السجود لهم وسيصلك لقبر المستحيل .. ولكن هل ربما سيسجد للانكسار نفسه بدلا من المليون مغيث؟ الاحتمالات واردة . إذن ربما يأتي اليقين في الجميلة الأخرى ستجدها ( مجروح بتنزف أنبيا) واسأل نفسك هل المجروح الذي ينزف سجد لقبر المستحيل أم للانكسار؟ . ستجد نفسك مرغما على قبول الانكسار حتى لو كان الشاعر يقصد المليون مغيث أو قبر المستحيل . ربما ستسألني أنت كيف للجريح الذي ينزف انبيا ان يكون مكسورا . وكيف يمكن اساسا زف انبياء وهل الذي دمه هو الأنبياء سينزفهم؟ ام يرسلهم؟. سأقول لك مهلا وطالع الأبيات الأخرى ربما ستحيلك لمعنى آخر .. وربما يقصد النبوءة لا الانبياء ذاتهم . ستجده يقول:

وانده

على سجن الضيا

هايفوح ولي

رافع إيديه في بطن حوت

لملم

شرايين التابوت

واسمع

دموعهم ياطالوت

ببواقي جدك كلها

اصرخ

ف حلق المنتهى

وامشي).

ستجده هنا ينادي على سجن الضياء لا الضياء ذاته . وسأقول لك ربما يقصد شيئا جميلا فالذي سياسر الضياء داخل كينونته سيكون شيئا جميلا وقادرا . ستقول انت لي ساعتها نعم هو كذلك ولكن لا يصح وصفه بسجن الضياء لأنه لو صح هذا فانه سيمنع الضياء عن الكون وسيكون سجانه . وهنا سأصمت أنا وأقول لك عديها . ولكنه عندما ينادي سيفوح وليا .. ركبت الصورة هنا وبدلا من السجن الضياء اتي العبير بالفوح وهي صورة مركبة مع ماقبلها نعم ولكنها مستساغة وستحيلك الى ان العبير قادر على الوصول لشتى الأرجاء . ثم هو ولي ومن حقه ان يكون كما شاء . ساعتها سأسالك انا على من رفع يديه في بطن حوت؟ ستقول لي انه النبي يونس؟ اقول لك هل كل العوام يعرفون هذا؟ ستقول انت انه يقصد الخاصة وانك قد اعترفت بنفسك انه يحاول ان يكون له قاموسه الصوفي الخاص به . سأقول لك ان فؤاد حداد امتلك هذا من قبل ولكن كان الكل يفهمه ويشعر به . وساعتها أنت ستتجاوز هذه المقولة وأنا لن أقف عندها. ولكني أوقفك عند الولي الذي يرفع ايديه جوا الوريد ولملمة شرايين التابوت..فالوريد هو الذي ياخذ الدم من الجسد للقلب وستجد ان يونس هو هذا الذي يرفع يديه يناجي ربه . فهل معنى هذا أنه كان يحاول ايصال الإيمان لقلبه ولم يتم بعد؟ ثم الشريان هو الذي يخرج من القلب للجسد . فإذا كانت الشرايين للتابوت فالكل مات .. لآنه يلملمها ولا يقطعها أي انه يوجهها لاتجاه احد او يداريها . فكيف تتطابق الصورة مع ماقبلها.بإحياء الموتى والولي الذي فاح ؟ ثم هل جاءت كلمة شرايين التابوت للتطابق فقط مع طالوت؟ ثم الأنبباء التي نزفت سأقبل منها يونس ولكن طالوت ليس نبيا .. وجده بنيامين لا يعرفه حتى المثقفون كلهم عندما يقرأون القصيدة ...ثم طالوت هو الذي كان غير مقبولا من بنى اسرائيل اي ان الدمع كان منه لا منهم . ثم انه انتصر ولم يكن هناك دموعا..... ساقول لك ربما يكون في باقي القصيدة ما يجيب عن تساؤلاتك فلنذهب الى:

( وامشي

وحلمك في الخلا بينوح

مجروح

بتعزف ع البلاد

أرواح

بتشنق نفسها بالانكسار

من فرط أنات الهزيمة

ف نن عين الكبرياء

مدبوحه

ليه ياكربلاء..)

ستجد ان طالوت يعدما مسح دموعهم سار وحلمه في الخلاء بينوح. ستسألني هل الحلم فقط ينوح في الخلاء . ويبتسم عندما توجد أبنية أو ناس؟ وهل لو كان حلمه ينوح فقط دون ذكر كلمة الخلاء كانت أولى. ساقول لك ربما هو يقصد خلاء الروح من الإيمان مثلا ؟؟ ساعتها لن تقتنع لأن طالوت مؤمن وهو انتصر لهذا .. ولو كان الخلاء من أهله فلماذا يمسح دموعهم؟ ثم كيف تكون الأرواح التي تشنق نفسها بالانكسار عزفا؟ ثم أين الهزيمة وطالوت انتصر؟ ساقول لك انه هنا يحيلك ربما لمكان آخر وطالوت ليس هو الذي نعرفه ولكنه اختيار رباني آخر في وسط قوم آخرون ربما وعليك ان تحاول ان تجد من الواقع ما يفسر فتذهب انت لكي تفتش . وأنا سأكمل ان استدعاء كربلاء ربما جاء فقط تظابقا مع لفظ الكبرياء ,, وحينما لا تجد شيئا وتعود الي تسألني .. سأجيبك ان عنوان القصيدة هو ( النهر) وهو ربما يناقش قضية الايمان فطالوت عندما كانت جيوشه ظمأى قابله نهر وامره الله لايشربوا منه أو يكتفو بغرفة واحدة وانتصر قكانت مسألة العطش .. وفي كربلاء مات الحسين عطشا ... فالنهر هنا ليس النهر الحقيقي ولكنه نهر الإيمان .. وان من يسمع كلمات الله هو المنتصر .. الخ .. ساعتها ستمسكني انت وتوجعني ضربا وستقول لي ان الحسين سمع كلمات الله بل وهو مبشر بالجنة وقتل... ساقول لك دعني واستمتع بوقع الكلمات واستدعاء ماتعرفه من تاريخ . لأنك ستجد ايضا سبأ. حاول ان تحيل الأهلام التي في مخيلتك او في معرفتك بالأماكن الحالية كفلسطين والعراق واليمن .. ومايعانونه الان .. ساعتها ستتركني وتقول لي ( ولماذ هذه الفة كلها) ساقول لك هو اسلوبه إذن .

والحققيقة ان تيام الشافعي شاعر فعلا ويملك الأدوات . ولكنه فقط عليه الا يحاول استعراض القدرة على استدعاء الصورة المستحيلة التي ربما تتعارض مع الصورة الممكنة ,ان عليه الا يعتمد في قصيدته على مايعرفه هو بل على ما تقوله القصيدة نفسها ولا يقترض أن الكل يعلم مايعلم هو دون أن يشير اليه.

أما شكري محمد رمضان في ديوانه بنسابق الزمن فتقريبا هو النموذج الأساسي لكل ما المحنا اليه سابقا.. فهو في رسم الكلمات يخاصم ايضا النقاط في التاء المربوطة كما وجد بعض الأخطاء في رسم الكلمة ولنأخذ مثالا شاءعا هو كلمة ( خت) بمعنى ( خدت) المأخوذة من (أخذت) وليكن مثالنا على ذلك هو ص46 فقط دون الخوض في البقية.

والحقيقة ان شكري شاعرا يظلم نفسه كثيرا .. أولا بعملية الازدحام فالديوان الذي بين يدينا كان من الممكن أن يكون ديوانين على الأقل أولهما يحوي الرباعيات . والثاني للقصائد الأخرى . وثانيهما التضارب الكبير في الكلمات والاستخدام . فهو حتى في رباعياته يحاول ان يقول كل شيء ممكن ويتععرض لكل أشكال الحياة وبذا فأنا لا أبالغ ان أقول حتى الرباعيات كان من الممكن أن تكون أكثر من ديوان . وواضح ان شكري له أستاذ هو بيرم التونسي لأنه يحاول ان يقول كل ماقاله التونسي من قبل سواء معنى أو شكلا فالرباعيات موجودة والأولة والتانية والثالثة موجودة والأغنيات موجودة . ولكن يضيف من عنده كلمات تتماشى مع الواقع ولا يقع أسير قاموس بيرم وان كان يقول نفس معناه

( سبحانه جل علاه الرازق العاطي

مليار مع حضرتك وبرضه بتطاطي

مهما الفلوس علتك تفضل كدا دايما

إيه تعمل المليره في اللى اتنشأ واطي؟)

قسنجد هنا انه نحت كلمة ( المليرة) تسبة الي المليار وهو نحت من الممكن أن يقبله الذوق العام ولا يقف ضده بل وهو مفهوما من الجميع خاصة انه ذكر المليار من قبل .. وللتأكيد على نفس أغراض الأستاذ سنجد شكري ايضا يقول في الشعراء الذين يقولون مالا يفعلون ويتباهو بدعوات للتجديد وهم عنها غافلون:

( برغم تل الجوايز شعرك مافيهش جديد

مش حقد مني لكن دعوه للتجديد

الدعوه دي دعوتك وانت اللي بتقولها

ليه يبقى عقلك دهب وتغلفه بحديد) .

وربما كان تاريخ خروج الديوان في عام 2002 هو السبب في كل هذا الازدحام وعدم الاعتناء به من ناحية الاخراج فانت حين تطالعه تشعر بأنه مكتوب على الآلة الكاتبة القديمة .

ولا يعيب الشاعر وجوده ضمن مدرسة بيرم التونسي او من سبقه كما ان يمتاز في الكثير من الرباعيات بالحس الكوميدي

والاكتفاء يهذه الكلمات عن شكري ليست تقليلا . ولكن لا أرى ان هناك عدلا في وضعه بمقارنة مع الأعمال الأخرى للفارق الزمني الكبير فالأعمال الأخرى منشورة بعد عام 2014 اما شكري فعمله يعود ل 2002 كما قلت .. لذا فالشاعر نفسه ربما يكون لديه فيما بعد 2014 الكثير من المستجدات كما انه ربما يكون قد تجاوز بعض ما يمكن أن نأخذه عليه . ولو كان الأمر يقتصر على دراسة أو مقال عن ديوان بعينه لاختلف الأمر.

نأتي أخير للشاعر عبد المنعم الحريري . وهو أي عبد المنعم الحريري اعرفه من زمن .. ونتيجة بعض ما يبديه عندما نقول رأينا فيما يقوله . أخذت موقفا الا اسمع منه شعرا أبدا. وبذا في الوهلة الأولى قلت انني سأتخذ نفس موقفي منه ولن أتكلم عن ديوانه ( آخر ابتسامة للوجع) ولكني قلت انا لا اسمعه ولكن اقرأه فالأمر يختلف . إذن من حقه ان اقول رأيي فيما أقرا مع الابتعاد عن المواضيع التي اتخذت بسببها الموقف منه.

سنجد ان ثقافته السمعية ربما أثرت على انتاجه الذي يحاول ان يكون سمعيا هو الآخر . حتى عندما اصدر ديوانا آثر ان يكون طبقا للمسموع لا المقروء فنجده كما كان يقول شعرا يضع الحروف المتعاقبة الطويلة في المد كانما هو واقف أمامنا مثل ( زكريااااات) ( تدوووووووووور) ص 10 كمثال . كما الإعادة للجملة في النهاية انتظارا للتصفيق وكمثال أيضا ص38( ان كان ضميركوا اندفن انا قلبي لسه حي) حيث يكررها كتابة مرتين.

أما الأخطاء في رسم الكلمات كثيرة وعاصية عن الأحصاء وسنكتفي فقط ب ص 39 في قصيدة ( حاجات تانية) حيث يقول

( لو يوم ضاعت أمنياتك

وسط الزحمة وملئت هاش)

يعني لا يمكن أن تصل لمعنى ( ملئت هاش) الا عندما تغمض عينك وتتخيله وهو يقول لتجد أنها ( ما لقيتهاش) ولست ادري كيف مرت تلك الرسمة عليه ولا على المراجعة . وفي ص39 وحدها ست أخطاء في رسم الكلمة متواجدة بين أربعة عشر سطرا منها سطور تحوي كلمة واحدة أو كلمتين ..

 لنقتصر حديثنا عن هذا الديوان بانه هناك فارقا كبيرا بين أن تقول قصيدة وتكتبها .. وإذا كان الاعتماد فقط على القول نظرا للثقافة السمعية في الأساس لذا لا توجه لنا قصائدا مكتوبة إلا لو كان هناك حد أدنى للتطابق البصري لرسم الكلمة مع الأطر المرجعية حتى لا يختل المعنى أو يضل الاتجاه . كما أن طريقة المد للحروف وإعادة نفس الفقرة وان كانت مقبولة سمعا إلا أنها مملة قراءة



   نشر في 30 ديسمبر 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا