الحضارة الإسلامية في مرآة الأنا والآخر - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الحضارة الإسلامية في مرآة الأنا والآخر

  نشر في 28 يوليوز 2017  وآخر تعديل بتاريخ 30 يوليوز 2017 .

      الحضارة الإسلامية هي إحدى الحضارات العالمية المتميزة والتي لعبت دوراً هاماً في تاريخ البشرية. كان ذلك بعد أن هضمت وتمثلت المنجزات الفكرية والمادية للحضارات السابقة عليها، وعملت على صقلها وبلورتها وإغنائها، فطورتها وزادت عليها، وقدمت للحضارة الإنسانية مادة غنية عملت على دفع عملية التطور الفكري والمادي خطوات واسعة نحو الارتقاء في معارج التقدم الحضاري.


      وقد نشأت الحضارة الإسلامية مع بزوغ فجر الإسلام في القرن السابع الميلادي، وبدأت في الانتشار فامتدت من حدود الصين شرقاً إلى المحيط الأطلسي وإسبانيا وصقلية غرباً، ومن بحر العرب وبلاد النوبة جنوباً، حتى جبال القفقاس شمالاً.


     ولقد قامت الحضارة الإسلامية على مبادئ الدين الإسلامي، الذي كان نقطة تحول حضاري في تاريخ الأمة العربية، بل وفي تاريخ الأمم الأخرى، فقد سطعت شمس الحضارة الإسلامية على مسرح التاريخ الإنساني برمته، في عصر كان يخيم فيه الظلم والظلام بكل قسوتهما وغلظتهما وبشاعتهما على السواد الأعظم من أبناء الأمم الأخرى، فكان الإسلام ثورةً على المفاهيم والمعتقدات البالية، حرباً على الهبوط الأخلاقي والاجتماعي، منظماً للحياة الاقتصادية والسياسية، ضابطاً لسلوك الأفراد، داعياً للعلم والمعرفة، ناهياً عن الغلو والتعصب المقيتين. فكان من ثمراته أن أنتج حضارة جمعت بين الدين والدنيا، وبين الروح والمادة بلا إفراط أو تفريط، وكانت الوسطية من أهم سمات هذه الحضارة والتي آمن بها أبناؤها كمنهج فكري، وجسدوه سلوكاً عملياً في شتى مناحي حياتهم وخصوصاً في طور نموها وازدهارها.


     ولعل هذا مما جعل الحضارة الإسلامية محط أنظار الكثير من الباحثين، سواء أكانوا من أبناء هذه الحضارة أم من أبناء حضارات أخرى، حيث تم تناولها بالدراسة والبحث من قبل مفكرين ومؤرخين وباحثين من اتجاهات فكرية متعددة، فأتت هذه الدراسات بآراء متنوعة ومختلفة، وصل بعضها إلى حد التناقض، حيث قرأ كل منهم هذه الحضارة من موقعه، وفي ضوء الأيديولوجيا التي يعتنقها، فوقع الكثير من دارسيها، ولا سيما من أبنائها بين ضربين من المواقف، رغم التدرج قرباً وبعداً بينهما. فقد ذهب فريق نحو تعظيم الذات ونفي الآخر، فبقي أسيراً لألق الماضي وسحر بريقه، وذهب الفريق الثاني إلى تضخيم الآخر وتقزيم الذات، بعد أن رأى ما وصلت إليه الحضارة الغربية الحديثة، وما آل إليه واقعنا اليوم. أما المستشرقون فقد وقع معظمهم تحت تأثير فكرة مركزية الذات، انطلاقاً من فكرة وحدة الحضارة التي تختزل حضارات العالم بأسره، وتجعلها روافد تصب في نهر الحضارة الغربية.


     وكما معلوم، فإن الحضارات الإنسانية، إنما تقاس أهميتها بمقدار ما تضيفه إلى البشرية من رؤى فكرية ومنجزات مادية وبمقدار ما تقدم للإنسانية من قيم أخلاقية وتقدمية، وكل ما من شأنه أن يجعل الإنسان يعيش حياته بوصفه كائناً حضارياً. وبهذا المعيار العام تقاس أهمية الحضارات، ومدى حضورها ووجودها على مسرح التاريخ الإنساني.


     وإذا أردنا أن نقيس الحضارة الإسلامية بهذا المعيار، فسنجد أنها قدمت الكثير من المنجزات الحضارية والفكرية والمادية والأخلاقية للإنسانية جمعاء، وهذا ما لا ينكره منصف، ولا يتجاهله كل من برئ من التحيز والهوى. ومع ذلك فقد تم قراءة الحضارة الإسلامية ــــ سواء من قبل الباحثين من أبناء الحضارة الإسلامية أو من قبل باحثين من حضارات أخرى ــــ قراءات متعددة، وضمن سياقات أيديولوجية ومعرفية مختلفة، الأمر الذي جعل من صورة الحضارة الإسلامية ترتسم بأشكال مختلفة، ما بين متحيز لها وما بين متحامل عليها، وما بين هذين الطرفين، وجدت الكثير من الدراسات التي تتدرج قرباً أو بعداً من أحد هذين الطرفين. أما القراءات التي اتسمت بالموضوعية والحياد وبرئت من الانحياز والتعصب للحضارة الإسلامية أو من التحامل والتجني عليها، فهي قراءات قليلة مقارنة بالقراءات المتحيزة أو المتحاملة، أو بالأحرى إن القراءات اللاموضوعية للحضارة الإسلامية، هي أكثر بكثير من القراءات الموضوعية لها. وعلى سبيل المثال فقد عمل بعض المستشرقين على تشويه الحضارة الإسلامية بأساليب متعددة، فهم تارة يسمونها بالحضارة العربية لإخراج المسلمين منها، وحصر تأثيرها في نطاق ضيق، وتارة يصفونها بأنها حضارة إسلامية، لم يشترك العرب فيها ويدعون بأن رجال الحضارة الإسلامية، لم يكونوا من ذوي الدم العربي المحض، وإنما هم موالي مستعربون أي مسلمون من اثنيات غير عربية، وكأنهم يريدون بذلك القول إن العقل العربي عاجز عن الإبداع الفكري والخلق الحضاري، وتارة ثالثة يردون الحضارة الإسلامية إلى الآثار الإغريقية والرومانية، ويتهمونها بأنها حضارة سطحية ظاهرية، استلهمت عناصر بنائها من منابع يونانية ورومانية وهندية وفارسية. وبذلك تكون حضارة منفعلة غير فاعلة، تعيش عالة على غيرها من الحضارات، وتقتات من بقايا فتات الأمم الأخرى. ولكن بالمقابل هناك باحثون غربيون أنصفوا الحضارة الإسلامية إلى حد ما، من أمثال: "جوستاف لوبون" و"زيغريد هونكة" و"أرنولد توينبي" و"روجيه غارودي". والملاحظ على أغلب الباحثين الغربيين، هو أنهم حينما يقرؤون الحضارة الإسلامية، هو أنهم يقيسونها ــــ عن شعور أو غير شعور ــــ على مقاس حضارتهم، ووفق رؤاهم الخاصة، ووفق العلاقة بين الأنا والآخر، وانطلاقاً من ثوابتهم الحضارية. وهذه النظرة تكون في الغالب مخالفة للنظرة التي يرى بها أبناء الحضارة الإسلامية حضارتهم. إذ أن بعض الباحثين من المسلمين والعرب، عندما قرءوا حضارتهم كانوا يقرؤونها في ضوء إشكالية الأصالة والمعاصرة، وكأنه بمجرد الحديث عن الأصالة والمعاصرة، لا بد من يحدث خلل بالميل إلى أحدهما على حساب الآخر.


      ومن هنا نفهم، لماذا كانت دراساتهم تتسم بأحد نوعي الهروب، إما هروب للخلف نحو ألق الماضي، أو الهروب إلى الأمام نحو بريق الغرب، وكلا الطرفين قد ضيع لحظة الواقع وكان يهرب منها.


     والسؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا أتت القراءات على هذا النحو من عدم الاتزان في العلاقة بين الأصالة والمعاصرة؟ ثم هل من الممكن أن نكون قراءة تجمع بين الأصالة والمعاصرة على نحو معتدل ومتوازن؟ والجواب عن ذلك نقول: إن علاقة الأنا بالآخر، هي علاقة الهوية والاختلاف، ولا يمكن للأنا أن تبدع دون أن تثبت ذاتها المتميزة أولاً، ومن ثم تدخل في علاقتها مع الآخر، وهي واعية لمتطلباتها واحتياجاتها الذاتية ثانياً، بحيث تكون مدركة للآليات الأخذ من الآخر وإعطائه دون أن تقع في القطيعة مع الآخر بالمطلق، أو تنزلق بالذوبان في الآخر بالمطلق.


     من هنا نستطيع أن ندرك السبب الرئيسي في تشوه الوعي بالهوية الحضارية، والذي من الممكن أن يجعل أبناء حضارة ما، يقفون على طرفي نقيض في العلاقة مع الآخر، أي إما أن يقعوا في عبادة الذات والتقوقع عليها، أو ينزلقوا في عبادة الآخر والذوبان في بوتقته. إذاً السبب الرئيسي للإشكاليات السابقة، يكمن في الخلل بالعلاقة بين الأنا والآخر، فعندما تكون العلاقة بين الأنا والآخر متوازنة ومعتدلة، فالنتيجة ستكون اقتراب الأنا أكثر فأكثر نحو الموضوعية والواقعية والعقلانية في تعاملها مع نفسها أولاً، ومع الآخر ثانياً، والعكس صحيح إذ أنه كلما كانت العلاقة بين الأنا والآخر متطرفة ومختلة التوازن فإن النتيجة ستكون الوقوع في التطرف والانسياق نحو إحدى النقيضين المذمومين، فأما إفراط وأما تفريط. وهذا ما يبرهن على أن لكل حضارة هويتها الذاتية وشخصيتها المستقلة، والتي تميزها عن غيرها من الحضارات الأخرى، وذلك لأن الحضارة تبسط سطوتها على كل ما يقع في نطاقها من منتجات فكرية أو مادية، ويستوي في ذلك ما أنتجته هي أو ما وفد إليها من الخارج من حضارات أخرى، لأنها تحيل هذا المنتج الوافد إلى ذاتيتها، وتصهره في بوتقتها، وتعيد إنتاجه من جديد، فتصبغه بصبغتها وبالتالي لا يغدو ذلك الوافد غريباً عنها، لأنها تكون قد أعادت خلقه من جديد وفق متطلباتها الذاتية ومنظورها الخاص. وإذا دعت الضرورة الداخلية لحضارة ما، إلى قيم ثقافية أو مجتمعية معينه، فإن على الحضارة المعنية أن تبدع قيمها إبداعاً دون الحاجة لأن تستوردها من الخارج. ويقول المفكر العربي مالك بن نبي في ذلك: << الحضارة لا تشترى من الخارج بعملة أجنبية، غير موجودة في خزينتنا، فهناك قيم أخلاقية، اجتماعية ثقافية لا تستورد وعلى المجتمع الذي يحتاجها أن يلدها>>(1) وهذا ما فعلته الحضارة الإسلامية في طور نموها وازدهارها، حيث أنها اتسمت بقدر كبير من المرونة، الأمر الذي ساعدها على التكيف مع التجديدات الدخيلة عليها، كما أظهرت قدرة فائقة على إخضاع تلك التجديدات لقيمها، وأقلمتها مع المفاهيم الاجتماعية والثقافية للدين الإسلامي. ولعل هذه المرونة هي التي جعلت أبناء الحضارة الإسلامية ـــــ في عصرهم الذهبي ــــ يتعاملون مع المنتج الحضاري الوافد إليهم من الحضارات الأخرى بكل سهولة وبدون عقد نقص تجاه وبالتالي فهم لم يقعوا بإشكالية الأصالة والمعاصرة، ولم يضطروا للاختيار بين الأمرين، لأنهم امتلكوا عقلية جمعت بين الأصالة والمعاصرة على نحو معتدل ومتوازن، وعندما فقدت الأمة هذه الطريقة في التفكير في العصر الحديث، وقعنا في شرك هذه الإشكالية، ومازلنا نعاني منها منذ عصر النهضة العربية وحتى اليوم، والواقع أن الجمع بين الأصالة والمعاصرة، ليس منتجاً نستورده من الخارج، وليس شيئاً نصنعه دفعة واحدة ثم نرتاح، وإنما هو جهد دؤوب ومتواصل، يحتاج إلى جهود جماعية، وتنمية فكرية مستدامة للجمع بين الأصالة والمعاصرة، دون أن يكون لدينا أي حساسية أو أحكام مسبقة، ولعل هذا ما نبهنا إليه الفيلسوف العربي "ابن رشد" حينما قال: << ننظر في الذي قالوه من ذلك، وما أثبتوه في كتبهم (أي كتب الفلاسفة)، فما كان منه موافقاً للحق قبلناه منهم، وسررنا به، وشكرناهم عليه، وما كان منه غير موافق للحق نبهناهم عليه، وحذرناهم منه وعذرناهم>>(2) وهذا الكلام لم يصدر عن ابن رشد بوصفه فيلسوفاً وحسب، بل إنه صدر عنه وهو القاضي والفقيه أيضاً والذي تعود تحليل الأمور وإصدار الحكم بعد البحث والتنقيب، وهو لم يخرج بحكمه هذا عن كونه مفكراً عربياً ومسلماً، فلقد كان للدين الإسلامي الدور الكبير والمحوري في تحديد الوجود الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والسياسي للمؤمنين، لأن الإسلام منذ ظهوره، لم يفصل ما بين الديني والدنيوي، ومن هنا تأتي أهمية دراسة الحضارات الإنسانية بشكل عام. وتأتي أهمية استماعنا لرأي الآخر فينا، من أمثال دراسة المؤرخ والمفكر البريطاني "أرنولد توينبي" و المفكر الفرنسي "روجيه غارودي" للحضارة الإسلامية، ونقول لهما كما قال ابن رشد للفلاسفة اليونان، ونحاول أن نحكم على جهوده في دراسة حضارتنا بموضوعية، فنشكرهم على ما أضافوه لنا من معلومات قيمة، ونقبلها، وننبه لما كان من قولوهم مخالفاً للحقيقة ونحذر منه. وقد دعا أيضاً الدكتور عادل العوا في كتابه " آفاق الحضارة " إلى ثلاثة أنواع من المعرفة حتى ندرك آفاق الحضارة بآفاقها المتآزرة والمتكاملة وهي الآتي: << المعرفة الأولى، معرفة الأنا، معرفة الشخص، هي معرفة منطلق رئيس أساس، والمعرفة الثانية معرفة الجماعة: المجتمع، القبيلة، الشعب، أو الأمة. إنها معرفة بيئة الانتظام الاجتماعي، العفوي، الطبيعي، الأزلي والسرمدي. وبيئة التنظيم الهادف في طرز الدول والمنظمات. والمعرفة الثالثة معرفة الغاية((القيمة)) الجاثمة خلف حياة الأفراد والجماعات، والماثلة أمامهم غاية مرموقة لدنيا ما يصنع الإنسان، مع الناس، وللناس كافة في حاضر متجدد ينطوي أحشاؤه على كل ما بقي من وجود البشر الغابرين، وما تحفل به هذه الأحشاء من إمكانات ستنجز، حال تحققها، مصير النوع الإنساني فوق هذا الكوكب.>>(3)


     وهنا تكمن أهمية دراسة الحضارة الإسلامية من وجهات نظر مختلفة ومن زواية متعددة، سواء أكانت الدراسة من قبل أبناء الحضارة الإسلامية أنفسهم أم كانت صادرة عن أبناء الحضارات الأخرى، فكل منها يمكن أن يشكل أو يضيف أداة من أدوات حل مشكلاتنا الحضارية، ويبقى في المحصلة كل ما قدمه الفلاسفة والعلماء من خلال دراساتهم للحضارة الإسلامية بغثه وسمينه خاضعاً للمقياس التالي: << فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ >> (سورة الرعد: 17).


المراجع:

1: مالك بن نبي، بين التيه والرشاد ، دار الفكر، دمشق ، 1978 م، ص 172 .

2: ابن رشد، فصل المقال في تقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال، تقديم: محمد عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط2، 1999 م ، ص 93.

3: عادل العوا، آفاق الحضارة ، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، 2001 م، ص 7


  • 1

   نشر في 28 يوليوز 2017  وآخر تعديل بتاريخ 30 يوليوز 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا