ثقافة البلاهة والقابلية للإنقياد - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

ثقافة البلاهة والقابلية للإنقياد

بساطة الشعب وقوة التدمير

  نشر في 24 مارس 2016  وآخر تعديل بتاريخ 02 أبريل 2016 .

في زمن الحضارة الإنسانية و التطوّر العلمي، استطاعت الكثير من الدّول التي كانت متخلفة عن الرّكب أن تستدرك مافاتها و تحقق قفزة علمية حضارية تضعها في مقام الدّول المتقدّمة التي تسعى لحماية شعبها وتحقيق رفاهيته، ووضعه في السياق الحضاري، وذلك بتطوير المناهج العلمية و تطوير العمليّة التعليمية، وتشجيع العلم والإستثمار في الابتكار و الإختراع، فأصبحت جامعاتها مصنفة ضمن أفضل الجامعات.

أما البعض الآخر من الدول في التي عجزت عن حجز مكان لها في قطار التقدّم، فبقيت شعوبها متحجّرة تتخبط في دوامة الفتن و الإنقسام، يتفنن حكامها في استعمال وسائل الطغيان و الإستحمار، فأكسبت شعوبها ثقافة البلاهة و القابلية للإنقياد وراء أفكار الذل والخضوع. وذلك بزرع التّخلف في كل مجالات الحياة، وبما أن العلم هو نور الأمم وسبيل تقدمها، أول ما يُضعفه الحكام هو قطاع التعليم، فهو العصب الحساس في كل أمة، وذلك بنشر ثقافة التحقير للعلم والعلماء، والتكفير والتخوين لكل معارض لسياسة هؤلاء الحكام الذين لا يهمهم سوى التعمير كثيرا والإستمرار طويلا على دواليب الحكم، غير مبالين بمبادىء الديمقراطية ولا الحكومة الرّشيدة، فأقاموا دولا إستُحمر فيها الفيلسوف، و خوّن فيها المعارض، وجهّل فيها العالم، وسلطت عليه أنواع العقاب و مختلف آلات العزل المختلفة:التّخوين، التكفير، السجن، الإعدام، والتي تعبّر عن الإبداع في فنّ العقاب. تمارس السلطة في تسلطها حيلا واستراتيجيّات الإحتكار من جهة ، والإستحمار من جهة ثانية، كما تستعمل أساليب وفنون الربط لسائر أنواع الأجهزة والمؤسسات لتسير في مسارها وتحقق غاياتها، فتعمل العدالة وسلطة القانون  كغطاء فعال للفساد والنهب اللامحدود لثروات الشعب، والشرطة مؤسسة تنفذ العقاب بآلية السجن، وتظهر كهيئة تضطلع بعملية التأديب كما وصفها ميشال فوكو في الحراسة والعقاب، ولكن هو آلية للترهيب وفزاعة لكل ثرثار يريد المطالبة بحق من حقوقه، تبدأ السلطة بنشر الوعود وزرع أحلام الرفاهية والشبع، وفي كل مرة يحاول فيها الشعب الإستيقاظ تحقنه السلطة بترياق الأحلام ليعود لنومه العميق، وإن أراد الشباب مقارنة أوضاعهم بحال أقرانهم من الشعوب المتقدمة، هنا تقوم السلطة بالتماس أعذار واهية وحجج عقيمة لتبرئة ذمّتها، بحجة الإستعمار و التعرّض للإستدمار، وشعار الدّولة الفتية، التي لا تريد النضوج، وماهي إلا شعارات واهية للإستغباء، كما تذهب إلى التذكير بأمجادها و إنجازاتها التي لا تمثل ربع ما ضُيّع من الأموال و بُذّر من ثروات، وأن المشوشين المطالبين بحقوقهم هم أيادي خارجية، ووسيلة لإثارة الفتن من طرف المتربصين بالأمة، المهددين لإستقارار الدولة، وأمن الشعب ، كأن مايهم السلطة هو الشعب، وأمن الشعب، ورفاهية الشعب، الذي يتذيل قائمة مصالحها و انشغالاتها.

بعد أن تفرغ السلطة من إفراغ العقول تذهب إلى سياسة إفراغ الجيوب لتجويع البطون، فينشغل الشعب عن مسائل السلطة ومايحدث في السياسة، فلا يهمّه لا حال البلاد ولا العباد، ينغمس في سبل البحث عن الخبز وسدّ الرّمق، و يظل باله منشغلا في البحث عن سبل توفير سقف يأويه و الخروج من دائرة الفقر، كما تستعمل المساجد و الإئمة المسيّسين في لعبة الإلهاء، فتنشغل العقول في  مسائل   الحلال والحرام، وفقه المرأة ، والبحث عن شكل الحجاب والقميص، وسبل دخول الجنة، فيقول الشيخ أن مفتاح الفردوس هو الصبر على الذل و الخضوع للأوصياء، لان   ما الفقر إلا بلاء والجوع بلاء و استغلال الثروات بلاء وانعدام العدالة الإجتماعية بلاء يريد بها الله اختبار إيمان العباد، فأشد الناس سكوتا وصبرا على الذل والهوان هم أشدّهم إيمانا، وأن الخروج عن الحاكم كفر وزندقة، عليك بالطاعة العمياء والإنقياد وراء السلطة، غير مطالب ولا منكد ، هكذا تكرّس السلطة أسطورة الراعي والرّعية، فيبقى الشعب منقادا، بعيدا عن ثقافة الحرية والمطالبة بالحقوق أو التوزيع العادل للثروات.

تزرع السلطة ثقافة الخوف وتنشر معرفة الخضوع، فنجد في المجتمعات المتخلفة ثنائية ذات علاقة وطيدة، هي حسب جيل دولوز " ثنائية المعرفة والسلطة"، هذه الثنائية التي تكون أبنية أو تشكيلات و طبقات رسوبية تتكون من أشياء و كلمات، خطابات، تعبيرات، هذه الترسبات التي تشكل الوعي والهوية الثقافية عند الشعب، فيصبح المثقفون جزء من السلطة، يقدمون خطاباتها إلى الشعب، وإن ظهر مثقف بخطاب معارض يجد في وجهه نظاما من السّلطة يمنع خطابه ويحدّ من إنتشار معرفته.

لكن هذا القمع و التهميش الذي ينتج عنه الخضوع والانقياد في حالة السلم، يولد قوة مدمرة، وكائنات شعبية رهيبة، تقضي على مستقبل السلطة والدولة كلها، وهذا ما وصلت إليه الدول العربية باسم الرّبيع العربي، لن يقوم ربيع ولن تنظم ثورة بمعنى البناء، لأن الإضطهاد، الإقصاء والتهميش، أنتج أناسا بسطاء بلهاء خاضعين، ولما استفاقوا واستشعروا الإضطهاد اعتنقوا إيديولوجيا مدمّرة لا يمكنها التحول إلى قوّة بنائية. لأن هذه القوة لم تتشبع بثقافة الحرية و مبادئ العدل والعدالة، ماهي إلا إنعكاس للتسلط والجبروت و التدمير، لن تتحول هذه القوة الهدامة إلى قوة الإعمار، لأنها ما إن تقضي على السلطة المستبدّة، تبدأ الإقتتال فيما بينها لتعصف بكل مقومات الأمة، و تغرقها في دوامة الإنتقام، الإرهاب، التقتيل.

إن ثقافة الخضوع وعدم النضال في السلم، ثقافة الإنقياد و العيش الذليل، ثقافة السكوت عن الحق و انتظار القوة الإلهية للخلاص من السلطة المستبدة، لا يمكنها أن تولد قوة البناء، قوة الحرية والديمقراطية.


  • 4

  • saidani.f
    باحثة في الفلسفة والمنطق تسعى للمساهمة في نشر ثقافة وفلسفة الإنسانية ومنطق العقل والحكمة المنطقية بعيدا عن كل أشكال التطرف و الرجعية.
   نشر في 24 مارس 2016  وآخر تعديل بتاريخ 02 أبريل 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا