سأغفر - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

سأغفر

  نشر في 10 ماي 2015 .

سنتان فقط تفصلنا على مرور العقد الثاني منذ آخر لقاء ، كانت المرة الأولى و الأخيرة ، اخترتَ أن نفترق قبل العناق ، أنت من قررت الفراق رغم النجاح المحتمل لعلاقتنا ، هنا أنتَ المسؤول الوحيد ..

الأسئلة تطرح بشدة ، الجميع يسعى لمعرفة سبب الانفصال ، أعذرهم ، ما يخطر بالبال أن تؤول حالنا لما هي عليه الآن ، و ما قد يظنون أنني سعيدة بمغادرتك ..

حين يشتد ألم الذاكرة أسارع لعلبة الشوكولا ، لا أجيد السباحة ، أفضل أن أغرق في علبتي ، على الأقل وحدها الشوكولا تخفي دمعي عن المارين ، كأنها تخدره بقبلة خفية ، أو علها تجبر الجرح على المغادرة طوعا و غصبا في آن ..

حتى الأسئلة المتساقطة كرذاذ نيزك تحيلني على محيط الذاكرة ، لذة الفضوليين تكمن في ابتسامتي الباهتة كلما طرح نفس السؤال ، لمعة عيناي تختفي عند أداة الاستفهام ، تحل فيّ علامات التعجب الصامتة ، أتنصل من الإجابة و أكتفي ب ' ما كاينش ' ..

الأماكن الشاهدة على لقائنا صارت شهيدة الآن .. لفراقنا ، لغيابك ، لبعدك ، صارت قتيلة .. كلما مررت بساحة مولاي المهدي تذكرت ما لم يحدث كأن أرضيتها تصرخ بضرورة العودة ، أرصفة تطوان أيضا تحثني على الغفران ، شوارع المدينة تتوسل مني السماح ، حتى كل من يعرف بطبيعة علاقتنا و ميعاد الفراق يهمس لي بالقليل من الآيات المحيلة على العفو ، لا أعلم لم الكل يشفق عليك ، لم الجميع يخشى عليك من سخطي و انتقامي . أحاول مرارا تقبل فكرة نسيان هجرك أو حتى الصفح ، إلا أنني أنا الفاشلة في كل شيء ، لذا أتجنب المرور من نفس الأماكن التي جمعتنا يوما و إن كان ذلك في خيالي ..

لفترة طويلة تجنبت الأماكن الضاجة ، ابتعدت عن كل ما هو حافل بأقراني ، لم أكن أقبل أن يطرح السؤال في لحظة سكر ، كنت أخشى أن أجيب بما يجهله الآخرون ، تنصلت كثيرا من تجمعات الأصدقاء ، غادرت النبيذ لفترة من الزمن ، تخليت عن كل شيء ، استغنيت عن سعادتي لمدة لم تكن وجيزة ، كان ذلك أفضل من ألتقيك و أنهار ، لم أكن قوية بما يكفي ، كنت واهنة كدمعي تماما ، أما اليوم و إن تعدد اللقاء لن أكترث ..

لم يكن سؤالا عاديا ذاك الذي طرحه عليّ أحد الأساتذة ، توترت كثيرا ، تقاطرت عليّ كل الأجوبة الشريرة ، رغم أنها لم تكن المرة الأولى التي يسألني فيها عنك أساتذتي إلا أنها كانت الأولى بعد أن تيقنت أنك لن تعود أبدا ، ابتسمت بحزن و أخبرته أنك توفيت ، حزن بدوره و شاطرني القليل من الدمع ، يومها دُفنتَ دون أن أترحم عليك ، لم أبذل مجهودا و اكتفيت بابتسامة ساخرة ..

مرّ وقت طويل منذ أدركت أن وجودك غير ضروري ، أتذكر تماما ذاك اليوم ، لا يعقل أن أتناساه أو أنساه ، أنا أجبن من ذلك .. أدركت فجأة أن وجودك أصبح كنجمة تائهة في سماء حزيران ، ما عدت أنتظر منك طرقة خفيفة على الباب تتبعها ' فين هي نهيلة ' ، و لا حتى بت كسابق عهدي أغفو على أمل وجودك .. نضجت دون قصد ..

فستاني الأسود القصير ، خصلاتي الطويلة المشعثة ، عطري الرجالي الرخيص ، حقيبتي الثمينة بما فيها من كتب ، ساعتي العاطلة منذ الأزل ، فضلت أن أكون بهذه الصورة ، لا بد أن يستقبلني المقهى و أنا في أحلك حالاتي ، بقدر ما أحمل من كره لرائحة القهوة عليها أن تتحمل وزر غيابك و تستحمل مظهري العابث هذا .

دلفت من باب مهترئ حدّ دخان سيجارة ، استقبلني النادل الجميل بابتسامة مصطنعة تحمل لي ألف لعنة إن لم أدفع له علاوة تقديم عصير لن أرتشفه أصلا ، ابتسمت بدوري و اخترت ككل مرة الطاولة المطلة على الشارع مباشرة ، هذه الطاولة دائما ما تحضر خلوتي ، أكاد أجزم أنها باتت تتوقع ما سيخطر في بالي ، جلست بأدب خشية كل شيء ، طلبت عصير برتقال لأصرف النادل عن وجهي ، أنا الآن في حاجة ماسة للصمت و التأمل .

ضعت في الزوايا الفارغة من المقهى ، كم كانت صالحة للصلاة ! ، تشوقت لكأس من النبيذ العتيق ، وحده كان سيشفيني منك ، لكن هذا المكان الباهت يشي بكفر صاحبه ، نعم أجزم أنه كافر ، فكيف لمؤمن جميل أن يمنع أبسط الصلوات ، لست محظوظة بما يكفي لأصطدم بفتوى تبيح العربدة في هذا المقهى المخصص لمثقفي تطوان ، مضطرة أن أكون طفلة قنوعة تكتفي برشفات معدودة من كأس عصير نهب منها عشرة دراهم معدودة ، سأرضى فظني بالله لا يخيب ..

تعالت من راديو المقهى نداءات 'الفقيه ' المنادي بالغفران ، كأنه كان يقصدني ، أكيدة أنه انتظر قدومي بفارغ الصبر ليردد على مسامعي هذا النص الممل ، تبا له و لي و لصاحب هذا المقهى اللعين ، الحل الوحيد هو لملمة هذه الأوراق و المغادرة نحو الحانة لأزين فراغات هذه السطور ..

ملاحظة : سأغفر يا أبتي كي لا نلتقي في الجحيم ، لأستمتع بحياتي الأخيرة دون وجودك المثير للشفقة .. سأغفر مع كامل امتناني لفحولتك المساهمة في لفظي نحو الحياة .. محبتي


  • 5

   نشر في 10 ماي 2015 .

التعليقات

محمد غازي منذ 2 سنة
وأن تغفري أقرب للحياة ...
0

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا