على من أطلق الرصاص - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

على من أطلق الرصاص

على من أطلق الرصاص

  نشر في 25 ديسمبر 2017 .

على من أطلق الرصاص

يبرك الآن الجندي سعيد خلف كومة من الرمل والدشم التي يحتمون بها .. هذه المرة تحت جسر كنتاكي للمرة الثالثة .. الرابعة لا يعرف عدد المرات التي (ارتزع) فيها في البقعة منقول من بقعة القاع : وهولا الخارجين على القانون والشرعية لا تأخذكم بهم رحمة )) .قال لهم ذلك الضابط بصرامة قبل لحظات دون أن يرف له جفن . وها هو سعيد الآن مندفناً بين التراب ومقعياً فيه كجرذ لايرى اللحظة شيئاً بعيون محمرة لم تذق ليلة أمس غمضة عين دونها القلق ودواليب الهواجس التي لا تنتهي . كانت الاجازة ليوم واحد فقط وليلة بين الاولاد .. قضاها في الظلام بلا كهرباء .. بلا ماء عدا الضوء الخافت للفانوس الصيني ظل يحدق من خلاله إما في أخشاب السقف للمرة المئة ، أو في وجه غالية المصفر زوجته من (وباء الكبد) . كان يحدق في الوجه الغائم في العتمة بألم وحزن كأنما يودعه بالنظرات الأخيرة . كم هي غالية عليه هذه المرأة غالية . عالجها بأكثر مما يستطيع واستذان لانقاذها دون جدوى . ظل يسمع تحشرجاتها إلى ما قبل الفجر . مسح بأطراف أصابعه كم جاكتته الميري (حرس) عيونه المحمرة ، وبحلق بنظرات لا تعني شيئاً في رفيقه الجندي منصور المنزوي أمامه خلف أكوام التراب بعيون صفراء ماكرة كعيون قرد . منصور .منصور على من انتصر هذا (المقوزب) المدفون مثلك في التراب !؟ إيه وأنت سعيد . سعيد قال أبوك وكفى فمن أين السعادة جندي بثمانية عشر ألف ريال زادت سبعة في الأيام الأخيرة (نصها) ضرائب (وابن هادي) والباقي كودها بطاط وطماط وخضرة لوجبة واحدة بلا رجل دجاج للأولاد في البيت . سعيد ما أدخلونا أباءنا مدارس ، ولاحتى كتاتيب . أسماء فخاخيخ وإحنا ورثنا منهم .. البنات واحدة مرزوقة والثانية غنية . فمن اين لمرزوقة بالرزق وغنية بالغنى . هي جناية الأولين يا سعيد ذي سموا اليمن السعيد . الحرب القتل والثأر والفقر من حين فتحت عينك من حارة الصعدي مع الجن . سحب قدميه من تحت عجيزته التي تورمتا من التنمل ، وأخذ يضربهما بيديه للتخفف : ((ماعاد شيء يسر هذه الايام في هذي البلاد .. كل شيء ارتفع وضاعت البركة .. حتى الولد عبدالرحمن سعيد عاطل ماعاد يشتغل .. قفل المحل الذي كان فيه بشارع هايل فما عاد يسمع فيه غير نباح الكلاب في الظهر أيام نحس يا سعيد .. نحس .. الشباب في الساحات لا يشتوا يفارقونها ، ولا يتزحزحوا كأنما سمرتهم الجن ، والناس من يحصل لأولاده على حق وجبتين كأنما نزلت عليه ليلة القدر)) كانت العتمة تغلف المكان تحت الجسر ، وليس من ضوء ولا كهرباء .. المكان شبه مظلم عدا كوة تظهر جزءاً من السماء .. مابين لحظة وأخرى يسترق منها النظر للأصيل الذي كان أبيضاً ومنيراً وجميلاً مغرياً في الخارج . زفر أنفاساً حارة تنهد .. ما تعب هولا الناس من قوزبتهم في الدايري يريحوا لهم ويخلونا نبصر حالنا وشمس الله اللي في الخارج .. هولا الخارجين على القانون والشرايعية اللي يقول عليها الضابط مدري ما اسمها . ترددت أصوات الشباب بعيدة غائمة قدرها من جنب جولة الكهرباء :(( انتباه الكل من خلف الدشم مواسيرالاليات للأمام .. استعدوا .. الخونه الصعاليك الخارجين على القانون والشرعية الدستورية قادمين ينبحون قال الضابط فانبرى الجنود يتأهبون خلف الدشم و اكوام الرمال . الدستورية الشرعية سمعهما الان صح بدل ان كان ينطقها الشرايعية و الدساترية . صوّب بندقيته للأمام ووضع بطنه وصدره خلف الدشمة على التراب اقترب الشباب اكثر .و اصواتهم الان تسمع عاليه الشعب يريد .............تدفق الشباب قرب الجسر .قال الضابط اطلقوا الرصاص لا تأخذكم بأحد رحمة . كان احد الشباب يتقدم نحو سعيد ..راءه بلا خوف بلا مهابه امام ما سوره الالي يمد اليه وردة ..وردة بيضاء كوجه غنيه ..لا يفرق عمر الشاب عن عمر عبد الرحمن سعيد .ملامحه ك عبد الرحمن الخالق الناطق ..سبحان الله يخلق من الشبه اربعين ...((اطلق الرصاص يا سعيد اطلق لا تقع جبان )) . صرخ الضابط . كان الشاب يتقدم يمد يده بالوردة . ماالذي يطلقه .. ماالذي يفعله .. الشاب يتقدم بوردة وليس ببندقية : ((أي نذالة .. أي جرم أن تطلق على الوردة رصاص .. جبن فلتت هذه الكلمة الأخيرة من لسانه بثقل وتلعثم . فجأة ارتعش جسده، وارتجفت يديه : ((اطلق ايها الجندي سعيد)) . صرخ الضابط لآخر مرة . سقط الآلي من يديه أو افلته دون شعور . بعد لحظات لقى نفسه في سيارة عسكرية مسيّجة بقضبان من حديد . أدرك معها أنه إلى السجن العسكري ، ومنه للإعدام ، أو المحاكمة ، لكنه مع ذلك أحس بشيء ما يصفو بداخله بنقاء كأنما اغتسل بماء المطر . الورقة الصغيرة التي اسقطها الشاب في يده مع الوردة مكتوب فيها . (أيها الأباء الأعزاء أيها الأحبة الجنود الشباب في الحرس والأمن إنا نحبكم فلم تقتلونا . بالكاد قرأ منها الأباء ، ونحبكم) .

محمد مثنى



  • وليد محمد مثنى
    الروائي والقاص والمسرحي الأستاذ محمد مثنى محمد مثنى هو أحد كبار أدباء اليمن فهو روائي وقاص يمني يعرف بأنه من مؤسسي الرواية اليمنية. ولد في مدينة الحديدة عام 1947م، وأتم الدراسة بمدرسة ما كان يسمى (بالمدرسة الأحمدية)، وا ...
   نشر في 25 ديسمبر 2017 .

التعليقات

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا