أمَّا بعد,فكل شيء يبدو سخيفًا - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

أمَّا بعد,فكل شيء يبدو سخيفًا

  نشر في 26 فبراير 2016  وآخر تعديل بتاريخ 24 يونيو 2016 .

العزيزة إيملي,لا أعلم لمَ قررت أن أوجِّه خطابي لكِ خصيصًا ولكن ربما لأنني قد انتهيت من قراءة قصيدة لك قوَّت شعوري بالحُب تجاهك,أو ربما لأنني أحتاج إلى أن أنأى بخيباتي بعيدًا عن كل من أعرفهم.

أمَّا بعد:كل شيء يبدو سخيفًا,الأمر برمَّتِه سخيف.

أنا كاتبة,فلما لا أستخدم كلماتي لأنتقم ؟, من ماذا تحديدًا؟ لا أعلم ولكنني أحتاج الكتابة لأنتقم.

تمر الأيام بشكل غريب,كلما إعتقدت أنني سأرقد في سلام أخيرًا يستيقظ المرض لينهش في جسمي وروحي ورأسي ويذكرني بأنني لم أُشفى وأنني لن أستطيع العيش في سلام مع مرضي,وربما لن أُشفى.هل أُريد أن أُشفى؟

"إن لم أكن أنا ذلك شخص القوي,فمن أنا؟, وإن كان يجب علي أن أتناول الأدوية,فهل ستجعلني كما أنا حقيقة,أم شخصًا آخر؟,وماذا لو أصبحت شخصًا آخر؟"

أتذكر ما قلته لأحدهم أن جزء من خوفي من شفائي هو أنني لن أكتب مرة أخرى,أنني لن أعرف من أنا,أنني سأفقد جزءًا مهمًا مني كفقدي لبصري.ولكن حقيقة,كم أكتب الآن؟ الإكتئاب ليس ذلك الشيء الرومانسي الذي يجعلك مهرتل الملابس وتطيل ذقنك وتجلس لتكتب بينما تضع السيجارة بفمك. أنا لا أكتب كثيرًا,إن كنت أكتب أصلًا, وربما سأكتب حينا أُشفى,ولكنني لن أشعر بمثل ما أشعره الآن,لن أشعر بالألم الذي يجعلني أكتب..كل هذا يصل بي إلى فكرة أنني كُتب علي الإكتئاب كما كُتب على كافكا ودوستفسيكي و بوكوفسكي وإنتِ يا إيميلي والكثيرون.

الكتابة تُشعرني أن كل شيء صحيح,أو أن كل شيء له معنى لأنني استطعت كتابته,أو تُشعرني بالإكتمال للحظات وربما هذا الذي أحتاجه من حين لآخر.ولكنني أعلم أنني لن أكتب كل يوم كما أُريد,ولن أكتب كلما إحتجت ذلك,ولن تُفيد الكتابة في مرضي لأن ببساطة,مرضي أَمرَضَها فأصبحت قعيدة الفراش.

سألني هل أنا على إستعداد أن أضحِّي بكل ما أشعره من ألم فقط في سبيل الكتابة,ويالله لا تعلمين كم أنا على إستعداد لأضحِّي بأي شيء لأتخلص من هذا الألم.أعلم أنه سيزداد ولكنني لا أستطيع التخيل كيف يمكنني أن أتحمل مزيدًا منه,بالله عليكِ قولي لي كيف يا إيملي؟

"إن عكس الإكتئاب ليس السعادة وإنما الحيوية,ولقد بدا أن الحيوية تتسرب بعيدًا عني".

حين أسترجع ما فعلته في اليومان الماضيان,لا أجد سوى تناول الطعام حتى الإختناق,الألم,المزيد من الألم,البكاء,المزيد من الطعام,تَذَكُّرت سخرية الأستاذ "الجامعي" حيث وصف ممتلئي الجسد بأنهم " مفجوعين" وكيف أنه سبق سخريته بخطبته عن كم أننا,الطلاب,نفتقد الأدب؛المزيد من الطعام,المزيد من الألم,الفشل في فعل أي شيء ذو قيمة,ثم بعد سلسلة طويلة من التكرار,النوم.

غريب كم يُمكن لعدم ذهابي للكلية أن يكون مُحبطًا.عندما سألوني لم أستيقظ من السرير كل يوم فكرت وأجبت:لأبقى على قيد الحياة.لم تُعجبهم الإجابة ولكنها بالنسبة لي كانت صحيحة تمامًا,أستيقظ لأذهب إلى الكلية,إلى المكتبة لأدرس,إلى الكافيه لأقرأ فقط حتى لا أمر بكل ما مررت به اليوم.حتى لا أظل نائمة لفترة طويلة فاقدة الشعور بكل شيء ثم أستيقظ غير راهبة في النهوض فأشعر أن الشيء الوحيد الذي يجب فعله هو أن أُكمل نومي.يقولون أنني أبالغ في خوفي من الفشل في الكلية,ولا يُدركون أن فشلي في الكلية هو الدليل الحتمي لهزيمة كل محاولاتي ضد الحياة. 

يوجد بداخلي ذلك الصراع المستمر,بين الصورة التي أُريدها من كل قلبي,التي أحاول أن أسعى إليها, وفي المقابل ما يحدث حقيقة,ما أستيقظ عليه بصوت منبه متأخر.حاولت الخروج وارتديت ملابسي ثم ارتميت على السرير لبعض الوقت مقررة بأنني لن أفعل,بكيت وقررت أن أرتدي ملابس أخرى وأخرج,فقط لأخرج من غرفتي خوفًا من أن أتحول لجثة متحولة,ولأول مرة أشعر بذلك الكم من عدم الإرتياح فقط لتواجدي بالخارج.كل شيء كان يحدق بي متسائلًا كيف تجرأت وخرجت من الغرفة,كل شيء يُشعرني بذلك المسخ المُهرتل الذي أشعر به.

أريد ألا أغضب وألا أركل الأشياء,ولكني أغضب وأكسر الأشياء.أريد أن أستيقظ لأذهب إلى الكلية وأمارس يومًا عاديًا في سلام فأجدني أستيقظ بعد إنتهاء وقت المحاضرات تمامًا,مؤكدة لي الحياة أنه لا فرصة لإصلاح اليوم,فألازم السرير طيلة اليوم حتى شعرت بأنني أصبحت جزءًا منه. أريد أن أدرس الكورس آملًا بأن يساعدني,ولكنني لا أفعل,لا أستطيع.الشعور بالشلل يتسرب إلى جسدي وعقلي,الشعور بأنني سأُعذب إلى الأبد,الشعور بأنني سأُعاني الألم والمزيد منه,والرعشة التي تصيب أرجاء جسدي فيرتفع كتفي الأيمن ثم يحاول كلا كتفاي بأن يُضمَّا على بعضهما البعض.

"كانت نظرة خاطفة إلى المرآة تفي بالغرض..تصفيف شعري أو ضبط هندامي أو تعديله بسرعة ودون تمعن؛لأن الصورة التي تردُّها المرآة لا تثير إرتياحي لاختلافها عن الصورة المستقرة في وجداني.أتجاهل شهادة المرآة وأمضي".

الأمس وقفت أمام المرآة,وقفت كثيرًا وتمعنت بالوجه المُنتفخ أمامي,هززت رأسي في رفض وأقسمت أن هذا الوجه ليس وجهي ولا أعلم لم ترُدَّه المرآة,ثم أسدلت الغطاء عليها مرة أخرى. في المساء نظرت إلى وجهي في الكاميرا,فشعرت أنني أعرف هذا الوجه,وبدا أن الوجه في الصور يُشبه نفسي أكثر.أما اليوم,فالوجه الذي تَرُدَّه المرآة لا يبدو غير قطعة متجعَّدة من السواد,والوجه بالصور يحدق بي صارخًا أنه لا يمت لي بصلة.

"كل شيء يبدو كأنه يحتاج لمجهود هائلأ.أعود إلى المنزل فأجد الكثير من المكالمات على هاتفي,وبدلًا من أن أكون متحمسًا لأعرف أخبار أصدقائي,أفكر:يالله!, أسيجب عليّ أن أُعيد الإتصال بكُل هؤلاء!,أو حينما أريد تناول الغذاء أفكر أنه سيجب عليّ أن أنهض من مكاني,أقوم بفتح الثلاجة,أضع الطعام ليسخن,أحضر سكين,أُقطِّع الطعام,وأتناول الشوكة,وأضع قطعة بداخل فمي,كل هذا يبدو هائلًا ومُرهق..الأمر أنك تعلم كم أن هذا مثير للسخرية,تعلم هذا بينما تعاني منه,تعلم أن أغلب الناس يقومون يفعلون تلك الأشياء بطبيعية, يُعيدون الإتصال بأصدقائهم,يستطعون أن يتناولوا الغذاء ويخرجون من الباب, ولكن بالرغم من هذا فأنت لا تستطيع أن تفعل كل هذا.ومن ثم وجدت نفسي أفكر أقل,وأشعر أقل..الأمر برمته كان سخيف وبلا معنى".

أتذكر المقال الذي كان علي ترجمته منذ شهرين ولم أنتهي حتى الآن.أفكر في كل الأشياء التي أريد من كل قلبي أن أفعلها وأعجز عن المحاولة.أسأل نفسي بإستنكار لم وافقت على القبول بعمل جديد وأنا التي أعجز عن الإستيقاظ من النوم في موعدي وحدي.أسألها كيف سأستطيع أن أدرس,كم سأكون مُتعبة,ماذا سأفعل في أيام الإمتحان,وكيف سأتحمل مسئولية نجاح شخصًا آخر وأنا التي لا أستطيع أن أتحمل مسئولية نجاحي,أو فشلي,وأنا التي لا أستطيع التحكم في ما أفعله.

"الحياة لا تستمر فقط هكذا بدون خسائر".

أنظر إليهم وهم يمارسون حياتهم بطبيعية,يتعاملون مع الحزن بطبيعية,بعض الحزن,وربما بعض البكاء ثم يضحكون ويُكملون السير.فقط هكذا,كأنهم يتنقلون بخفة بين حالاتهم.

آآه,لا تعلمين كم يُتعبني أن أنظر لهم وأجدهم واقفين بجواري يضحكون و يمارسون حياتهم بطبيعية.أفكر,أيجب أن يوقفوا حياتهم من أجلي؟,ربما,لا أعلم,ولكن الأمر يبدو وكأ..كأ..وكأنني مُت بالفعل.كأنني مُت وكأنهم تخطوا حقيقة موتي,وحقيقة عدم وجودي ومضوا في حياتهم بطبيعية. مُشاهدتهم هكذا تُصيبني بالفزع.

العزيزة إيميلي,لا أعرف ماذا أفعل بكل هذا العجز,لا اعرف ماذا أفعل بمعاني الألم التي تزداد وأكتشف لها كل يوم وجهًا أسوء.أجدني أنسحب ببطء من كل شيء كان يمنحني الحياة يومًا,أتذكر عندما كنت أردد "مش هقدر أكمل كده,مش هينفع أكمل كده" بطريقة أشبه بهيستيريا,وأشعر بها تتردد داخلي فيزداد ألم قلبي,قلبي الذي لم أعتد على الشعور بألمه مهما حصل أصبح ألمه يُحدث صدى بجسدي عدة مرات في اليوم الواحد.

أستمع إلى موسيقى عزفها أب لإبنته لتنام,وأبكي,وأشعر أنها مُريحة وأتسائل لم كنا ننام بسهولة عندما كنا صغيرًا,ربما لأنهم كانوا يغنون لنا.ما الشيء السحري بموسيقاه والذي يُشعرني بالراحة؟,أفكر أنه ربما توقفنا عن النوم بسهولة لأنهم توقفوا عن الغناء لنا.أستدرك لأتذكر, لم أكن أنام بسهولة وأنا صغيرة!..أهو شيء ورثته؟,شيئًا في جيناتي؟..شيء غير مريح عندما تجد أن حتى طفولتك الهادئة,ربما لم تكن بهذا الهدوء.أتأمل الwind chime الملونة وأستمع إلى صوتها.


العزيزة إيملي,لقد كان كتابة كل هذا مُرهقًا.أنا مُتعبة.

كل شيء يبدو سخيفًا,

وأشعر,مثلك,بجنازة في رأسي. 




  • 11

   نشر في 26 فبراير 2016  وآخر تعديل بتاريخ 24 يونيو 2016 .

التعليقات

Yara S. Alafifi منذ 8 شهر
مازال هناك متّسع للكثير جداً في هذه الحياة يا عزيزتي:)
كل ما ورد هنا ينبض بالبؤس واليأس الكبير، وهذا شئ مؤسِف، لأنّ هذه الحياة اللعينة والعالَم الشرس لَمْ يعد فيه أيّ متسع (للضعفاء) على الإطلاق. وإنْ كان أمام كل إنسان فينا أحد خيَاريْن: إما المواجهة، أو الاستسلام. وفي كليهما هو متعَبٌ متعَبْ، لِمَ يختار الاستسلام!؟ أليس ذلك من الحماقة -قمة الحماقة- بمكان؟!:) أعتقد أنكِ أذكى وأقوى من ذلك.

لفت انتباهي جملتك : "أنظر إليهم وهم يمارسون حياتهم بطبيعية,يتعاملون مع الحزن بطبيعية,بعض الحزن,وربما بعض البكاء ثم يضحكون ويُكملون السير.فقط هكذا,كأنهم يتنقلون بخفة بين حالاتهم. آآه,لا تعلمين كم يُتعبني أن أنظر لهم وأجدهم واقفين بجواري يضحكون و يمارسون حياتهم بطبيعية.. إلخ"

ماذا تنتظري من (البشر) عزيزتي؟! تِلك سُنّة الحياة بألا تقف على أحد ولئن مات! الحياة لا تعترِف بالضعفاء والموتى، بل لا تقبلهم وتدافع بشدة لقذفهم منها بعيداً، بعيداً كثيراً..حيث المستنقعات والمقابر الضارمة في الوحشةِ والوجع! فانتبهي:)
ومن ثم ثقي بأنّ الناس لا يتعاملون مع الحُزن وأوجاعهم بكل تلك البساطة التي تتخيلينها وتَصفِينها "بطبيعية". لا أحد يُواجه آلامهم بسهولة، ولا أحد يضحك حتى بسهولة! الكل يُواجه معارك ضارية ما في حياته وعليه أنْ يتحمّل ويصبر "رغماً عنه" وإلا سيموت ويفنى أبلهاً لا رحمةَ عليه.
كوني قوية، وسلمت أناملك.
كل التحيات لكِ:)
1
Radwa Mahmoud
اسمحي لي أن أرد،وما أدراك بقوتي أو ضعفي؟
ليست مجرد كتابتي لمقال مليء باليأس والبؤس كما تقولين دليلا على ضعفي.حتى الأقوياء ييأسون ويتعبون.بل ان شجاعتي على مواجهة كل ذلك،وقوة أنني أستطيع أن أعبر عن مشاعري دون خوف.حتى وإن كانت كتاباتي كلها تنبع باليأس فليس هذا معناه أنني أي شيء غير أنني كاتب،أعبر عن ما أفكر وأشعر به.
أما الباقي فأنا أعلم.أعلم جيدا أن الحياة قاسية ولا مكان بها لغير الأقوياء،فالضعفاء ممن يأسوا من أن تحتويهم الحياة يقتلون أنفسهم ﻷن الموت هو من يسعهم.


اعذريني على كلامي ولكن الحياة تحتاج الى مواجهة،تحتاج الى معارك كثيرة أحاول اجتياحها بين الحين والآخر عن طريق كتابتي،لذا فأنا لست بحاجة لنصيحة قدر حاجتي أن تتسع الكتابة لي بعيدا عن نص أشياء،حدود وقيود يفرضها الواقع والعالم والناس.أنا هنا لأنأى عن العالم لا لكي يأتي خلفي ويذكرني انه ما زال يستطيع فرض نفسه علي.

شكرا لك.
نور منذ 8 شهر
عندما سألوني لم أستيقظ من السرير كل يوم فكرت وأجبت:لأبقى على قيد الحياة.لم تُعجبهم الإجابة ولكنها بالنسبة لي كانت صحيحة تمامًا,أستيقظ لأذهب إلى الكلية,إلى المكتبة لأدرس,إلى الكافيه لأقرأ فقط حتى لا أمر بكل ما مررت به اليوم.حتى لا أظل نائمة لفترة طويلة فاقدة الشعور بكل شيء ثم أستيقظ غير راهبة في النهوض فأشعر أن الشيء الوحيد الذي يجب فعله هو أن أُكمل نومي.يقولون أنني أبالغ في خوفي من الفشل في الكلية,ولا يُدركون أن فشلي في الكلية هو الدليل الحتمي لهزيمة كل محاولاتي ضد الحياة.
---------------
رائعة انتِ
1
Heba Hamdy منذ 9 شهر
إنه مقال مترجم ..صحيح .. مؤثر وذو إحساس .أبدعت
0
Radwa Mahmoud
شكرًا لكِ،ولكن المقال غير مُترجم أبدًا بل هو كتابتي أنا.بعض الإقتباسات كانت باللغة الإنجليزية وحولتها بترجمتي الشخصية للعربية : )
Heba Hamdy
ظننت أنه مترجم ..
karim asma منذ 9 شهر
منتهى الروعة ,سلمت اناملك
1

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا