سعديـّـــــــــــــة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

سعديـّـــــــــــــة

  نشر في 08 فبراير 2021  وآخر تعديل بتاريخ 17 يونيو 2021 .

سمعت عنها حتى رسمت لها صورة في خيالي قبل ان أراها يوم جاءت من مدينة المتلوي لحضور حفل ختان أبناء حمة العكّوري في حينا بأمّ العرائس. لم تكن زيارة سعدية أمرا عاديا كسائر الأحداث البسيطة التي يعيشها الحي يوميا. فسعدية بالنسبة لنا لغز محيّر نسجت خيوطه في خيالنا ووجداننا خيرة زوجة حمّة العكّوري بأحاديثها التي لا تنتهي عن قريبتها سعدية، تلك التي تعمل في الدّاموس مع الرّجال لاستخراج الفسفاط من جوف الجبل بمنجم المتلوي. وبقدر ما كان ذلك يثير فينا نحن الأطفال الإعجاب بهذه المرأة التي ليست كباقي النساء، فإنّ الرجال كانوا يبدون استهجانا لا يخلو من فضول، بينما كانت النسوة يندهشن من جرأة سعدية ويتبادلن الغمزات في صمت. خيرة المعروفة بشيء من البلاهة كانت تحبّ أن تغذّي لدى كلّ فئة ما رسمته من تصوّرات وأفكار عن سعدية. وتغرق في ضحك هستيري كاشفة عن ناب الفضة في الفك العلوي الأيسر من فمها كلّما همست في أذنها إحدى الجارات بسؤال عن سعدية حتى تنفلت منها ضرطة. لمّا أعلنت خيرة عن وصول سعدية، سعى الجميع إلى التعرّف على الضيفة والجلوس معها والتحدّث إليها، حتى طغت تلك الزيارة على باقي فعاليات حفل الختان. كانت سعدية كنجم يحضر ضيفا في مهرجان فنّي. وكان اهتمام الناس بها يربكها بقدر ما يسعدها.

بدت لي امرأة ودودة جدّا منذ اللحظة الأولى التي رأيتها فيها. وجه أسمر شاحب بوجنتين غائرتين وشفتين زرقاوين من كثرة التدخين. شعر قصير يغطّيه منديل مورّد ومشدود على طرف الجبين بعقدة إفريقية. كانت نحيفة وطويلة، مسربلة في فستان طويل أقرب إلى الجبّة. لم يكن في مظهرها ما يدلّ على أنوثة أو جمال. ولكنّها كانت جذّابة ساحرة بطريقتها في الكلام وبابتسامتها العفوية وبرائحة تبغها. وجدت نفسي خلال السهرة مسندا رأسي على ركبتها وهي تداعب شعري بيد ماسكة سيجارة وتترشف كأس شاي تمسكه باليد الأخرى. أعجبني منها كيف تستطيع أن تفتح خطين من التواصل مع الناس في نفس الوقت. تتبادل الحديث مع النسوة المتحلّقات حولها، دون أن يمنعها ذلك من الاستمرار في مداعبة شعري وأنا مستكين لها كقطّ وديع. كانت تتهجّى فروة رأسي بأصابعها فأحسّ كما لو أنّها تكتب لي رسالة تريدني أن أفكّ حروفها.

قامت أمّي تستحثّني النهوض كي نعود إلى منزلنا وقد شارفت السهرة على النهاية فتوسّلتها سعدية: "خلّيه يبات" وكم أحببت ذلك التّأييد من خيرة: "قول لعمّي عمارة راهو هزّه النوم، خفنا عليه من الهواء".

لمّا انصرف الجميع وكانت سعدية لا تزال تخلّل شعري بأصابعها وخدر النعاس بدأ يثقل جفنيّ، سمعت خيرة تسألها وهي منهمكة في تهيئة مكان النوم: "هيه، ثمّاشي حويجة؟ مازال ما سهّلش عليكم ربي إنت وعم إبراهيم بالضناية؟" لكنّ النوم غلبني قبل أن أسمع الجواب...

فتحت عيني في الصباح على أصابع سعدية وهي لا تزال تداعب فروة رأسي باعثة فيّ هذه المرة الحيوية والنشاط. ضمّتني إلى حضنها وهي تقول: "صباح الخير، من اليوم باش نستبناك، تمشي معايا للمتلوي وتولّي ولدي أنا وعمّك إبراهيم؟ راجلي أحسن فوّال في المتلوي بكلّها، طبّة السبيطار وجناير الكبانية ما يفطروا كان عندو". ثمّ دسّت في يدي نصف دينار وطلبت مني أن أشتري لها علبة سجائر وأحتفظ بالباقي. لا أذكر أنّني نعمت بمثل ذلك القدر من الحنان والسعادة في ما سبق من حياتي.

لمّا ربخ الحفل وتداخلت الزغاريد مع زكرة زرفة وطبلة سالم، نطّت سعدية ترقص رقصة العمّال. كانت قد تدبّرت أمرها في زي عامل منجمي كامل ووضعت خوذة على رأسها ومصباحا كربونيا على كتفها. فسح لها الناس حلبة الرقص فتخمّرت. كانت تحاكي في رقصتها حركات العامل في الداموس، وتضرب الأرض بقدمها اليمنى بإصرار. لم أدر كيف خطفتني من بين الأطفال وراحت ترقص بي وأنا في حضنها.

ترك رجوعها إلى المتلوي لديّ إحساسا باليتم والضياع، لم تلبث والدتي أن لاحظته فصارت تضرب يدا بيد قائلة: "السحّارة خطفتلي ولدي".

لم أفهم ردّة فعل أمّي التي بدت لي مبالغا فيها. ولكن لم تنته السنة الدراسية إلاّ وقد صدق حدس أمّي التي كان قلبها يحدّثها بأنّ سعدية دخلت حياتنا كي لا تخرج منها بعد ذلك أبدا. لمّا دخل سيدي ماسكا بجريدة الصباح في يد وبصندوق المشروبات الغازية في اليد الأخرى، فهمت عمّتي أنّ اسم أخي قد نزل في الجريدة ضمن قائمة الناجحين في مناظرة ختم المرحلة الابتدائية فولّعت الدنيا بزغرودة مجنونة هبّ على إثرها الجيران يباركون. رقص سيدي دون طبل ولا مزمار وهو يلوّح بالجريدة في يده. كان واضحا من إمالته لشاشيته وزمّه لشفته السفلى وإغماضه لعينيه أنّه يسمع أحلى موسيقى راقصة. لمّا جلس يردّ النفس قال له حمّة العكّوري: "إذا كان توجيهه للتعليم المهني فسيعيّن في المتلوي، أمّا إذا كان تعليما طويلا فسيكون في الرديف. المتلوي لا مبيت فيها للتلاميذ أمّا الرديف فتقبل التلامذة المقيمين". كانت وجهة أخي المتلوي حيث لا أقارب لنا أو معارف إلاّ سعدية زوجة عم إبراهيم أشهر فوّال في المتلوي. أرادتني سعدية ابنا لها فساقت لها الأقدار أخــي. ربّك لما يريد.


  • 2

   نشر في 08 فبراير 2021  وآخر تعديل بتاريخ 17 يونيو 2021 .

التعليقات

كانت ستكون أجمل فقط لو أنك تحاشيت تكرار الاستهلال باستخدام (لما)..
1
جلال الرويسي
شكرا جزيلا لتفاعلك وتنبيهي للأمر... أوافقك الرأي تماما
جلال الرويسي
تمّ التعديل عملا بملاحظتك الوجيهة... شكرا

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا