التائه - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

التائه

  نشر في 13 أبريل 2015 .


الساعة الثانية تماما بعد الزوال، محطة سيارات الأجرة الكبيرة شبه فارغة ... سائقون يلهثون في المقاعد الخلفية لسياراتهم بعيون نصف مغمضة ... يتقدم عبد الله بخفة ورشاقة وابتسامة عريضة توشح وجهه الخمري. يسأل عن السيارة المؤدية إلى وجهته..

وصل إلى الحي الصناعي يتأمل المارة، اقترب من أحدهم بادله التحية ثم سأله عن العنوان المكتوب خلف بطاقة الزيارة، وجَّهه يمينا. قطع ما يربو المائة متر تقريبا ، أصوات قوية تصم الآذان، مال شمالا ليجد نفسه أمام باب حديدي ضخم، إنه نفس الباب الذي وُصف له من قبل .. اتصل بالفتاة مجددا ليخبرها أنه وصل، ردت عليه: انتظر قليلا ....

فجأة خرج الحارس ليصحبه إلى بناية زجاجية معزولة خلف البناية الضخمة التي تصدر منها أصوات مزعجة، دخل مذهولا يتفرس بعينيه الجاحظتين عمّالا ببدلات زرقاء، يتحركون في كل الاتجاهات. دخل رفقة الحارس، وإذا به يحس هدوءاً تاما، لا ضجيج يُسمع ولا صراخ ولا روائح تزكم الأنوف كما في الخارج، تقدم الحارس إلى الغرفة الثانية على اليسار؛ طرق الباب بلطف ثم غادر، دخل عبد الله ليجد نفسه أمام فاطمة، رحبت به ودعته للجلوس، أخبرته أنها تحدثت إلى " بّا علي"، وإذا بهذا الأخير يلج المكتب، بعد التحية والتعارف أخبره "الشاف باعلي" بأن عليه أن يحضر بعض الوثائق ويوقع عقد العمل، ثم انصرف.

خرج عبد الله بعد أن أنهى حديثه معها منتشياً باسماً. بساحة المعمل تأمل وجه السماء، بدا له عاريا إلا من أشعة مائلة نحو الشرق يعكسها زجاج البناية الكبيرة لتعود إلى السماء خطوطا متوازية يرى فيها أمله القادم ...

قصد الحي الشعبي لينعم بطبق من السمك المقلي عند "السبتي"، بدأ الظلام يضرب في عمق أزقة الحي..ترجل عبد الله إلى الشارع يلتفت يمينا وشمالا: كم تغري هذه المدينة الموحشة بالحياة، بالبقاء !..توجه إلى أقرب حانة شعبية. موسيقى بين الصخابة والهدوء، وزبائن كطيور البوم، جلس وحيدا، ثم طلب قنينتي جعة باردتين، وغير بعيد عنه، راقصة غانية تغريه بمزاجها المتعكر من فراغ جيوب الزبائن..تمر بجانبه وتلف بثوبها المشمر، تدور نصف دورة وتتفرس فيه بعينيها اللتين تقطران شراسة كلبؤة تنتظر الانقضاض على فريستها، فجأة تزأر وتعانقه..ثم تتركه لتعود نحو مصيدة العيون، لتلتف مرة أخرى على عمود الدوران. بقي هو في مكانه مذهولا برائحة عطرها..يمر ببصره على جسد اللبؤة الثائرة، ثم يلملم نفسه مبتسما للحياة.. ويرحل.



   نشر في 13 أبريل 2015 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا