مُعاناتنا الجميلةُ إلى نصفنا الآخر - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

مُعاناتنا الجميلةُ إلى نصفنا الآخر

نحِنُّ إلى وَقعٍ من الدلالِ نسكُن إليه فيستندُ علينا

  نشر في 27 نونبر 2019  وآخر تعديل بتاريخ 30 نونبر 2019 .

في هذا السِّن الفائر، رغبتنا ملحة إلى شريكِنا الملاك من الجنسِ الآخر، إلى من يحتضنُ أفراحنا ويحوي أحزاننا، إلى من يهتمُ فقط لوجودِنا، نحِنُّ إلى وَقعٍ من الدلالِ نسكُن إليه فيستندُ علينا؛ ليملأ حاجتنا إلى إظهارِ رجولتِنا وأنّ أحدهم يريد الإستنادَ علينا، في كل يومٍ وليلة لا نشعر بالنقصِ بقدرِ ما نشعرُ باحتياجنا إلى الاكتمالِ مع إحداهنّ، نرقُّ إلى نصفنا الآخر من المشاعرِ إلى ألمٍ يحركنا وبشرى تُسلّينا، إلى ليلٍ من الأسى المُتيّم يبثُ فينا العزم ونهارٍ من ابتسامتِها تُنسينا هموم الأمس، نحِنُّ إلى قطعةٍ منّا خُلقت لأجلنا وخُلقنا لأجلها تُخبر فينا حَراكَ دواخِلنا وعدم استقرارنا، فإذا ما آوينا إليها سَكَنّا وهدأت مشاعِلُنا، نشتاقُ إلى سُكْنِنا وسَكَنِنا وسَكينتِنا، نحتاجُ إلى الحب؛ فالنفسُ شحيحةٌ بدونِه، والقلبُ مكلومٌ إثر غيابه.



وبين كل هذه الرغبات الجامحة فقد اخترنا أن نؤجل خطواتنا إلى مِلئها، أو اختارنا القدر للإنتظار خلف أيدٍ فارعة وظروفٍ نافقة نسعى لسدّها لكي نبدأ خطواتنا، وإلى أن نصل إلى نُضجِ جيوبنا مِن اللازم، فإنّا قابعون بين هالاتِ المُعاناة، ولن تنتهي عند جيوبنا المعاناة ولكن تأتي معاناةٌ من نوعٍ آخر على اختلافِ مراحلنا السائرةِ بين أيّامِ عمرنا.


والمعاناةُ درجاتٌ وألوان، وخيرهم المعاناةُ الجميلةُ التي تبثُّ في النفسِ راحتها حين تأتي معها بالفضيلةِ، ولأجلِ تبسيط الأمور، الدينُ هو أحكم المناهج فَهمًا لطبيعةِ النفسِ البشريةِ، فمنْ فَهِم الدينَ فهمًا صحيحًا فقد عرِف طبيعة نفسِه ومطلبها أيًا كانت مرحلته، وفي روحِ الدينِ إجابةٌ شافيةٌ لسؤلِ النفسِ وتزكيتِها، وأحكامُ الدين وأوامِره تبعثُ النفسَ على الفضيلةِ مردودةً من رغباتنا وأهوائنا وشهواتنا، ومِن ثَم تبثُ الفضيلةُ في النفسِ راحتَها فوق كلّ ما يُتعِبها، فنرتاحُ مع المعاناة ونُعايشها اختيارًا وليس إكراهًا.


وهذه المعاناةُ الجميلةُ تتدرجُ تقدّمًا بالراحةِ مع الإيمانِ، إلى أن تصبح مُعاناةً مؤذية لو طاوعنا جِبلّتنا وفوارغ قلوبِنا، ونسيت في الفتنةِ نفسك اللوّامة، فتسقط أمام شهواتِك سقوطًا مُدوّيا تراه لذيذًا على قدرِ غفلتِك، تتأثرُ بمنْ حولك وما يسودُ في وقتٍ تزاحمت فيها الفتن، وعلى عكس ما يُردَّدُ داخلك من صدىً في الضمير يردّك إلى دينك تنقادُ على هوى نفسِك والسائد من الناس رغم العلم بأنك {إنْ تُطِع أكثر منْ في الأرضِ يُضلّوك عن سبيلِ اللّه}، أنظر لهذا هذا التساؤل الربّاني وحاول أن تجد له إجابةً في نفسِك

{أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} [العنكبوت : 2].


ولعل ما تجزمه مِن أنّ عائقك الوحيد أمام نصفك الآخر هو المال لهو أول عقباتِك وربّما أسهلها، فلا تدري لعلّ الله يُحدث بعد ذلك أمرًا، القضية ليست في وجود البلاءِ والمعاناة والخطر بل في مُعايشتها والرضى معها إزاء خُطًا نمشيها، فلن تنتهي البلاءاتُ عند عجزنا أو صبرنا؛ فإننا نحيا؛ لأننا نُعاني ونقطة.

هكذا أخبرتني الحياة، ‏إنما الصبر والعجز خيارانِ؛ هما لك لأجل واقعٍ في داخلك وليس للحياةِ ونواميسها، ودعني أُسهل عليك الأمر فهو كذلك: إمّا لا ترى سوى العجز والأذى والمعاناةِ أيامًا حولك بين أفراحِ الساعة أو ترى الله في نفسك التي بين جنبيك ولن تجد سوى الأُنس، والأنسُ ما هو إلا فرحٌ دائمٌ يهدأ بأماني الآخرة، مُصاحبةٌ تتعالى بهمْسِها فوق ضجيجِ كلّ المشقّات في الدنيا.


كل ما يدورُ داخلي من تشابكِ هذه الخواطر اليقينية ليست مجرد مواساةٍ أُعزّي بها نفسي، وإنما سبيلي أسيرُ بها إلى اللّه بهدايته وعونه، حاجتنا للزواجِ والحبِ ليست أرجى من حاجتنا إلى الصبر عليهما ونيل ثوابه توازيًا مع شرعِ الله وتحقيقه حين يأذن الله لنا ويحب، إلى أن يُريك الله في صبرك معه الحبَّ فيه، فما بعد اللهِ شيء، وكل حبٍّ دونه مردودٌ إليه نستمسِك به كي تستمرّ عيشتنا على مسلّماتِ الدنيا وأجبالِ طينتنا.


  • 5

  • عبدالرحمـٰن علوش
    طالب بكالوريوس بهندسة البترول والتعدين، وكاتب متطوع في منتدى إحياء للتنمية الأخلاقية والفكرية
   نشر في 27 نونبر 2019  وآخر تعديل بتاريخ 30 نونبر 2019 .

التعليقات

Menna Mohamed منذ 1 أسبوع
جميل المقال احسنت اسعدك الله في الدارين
1
Menna Mohamed
شكرا اتمني أن تشرفني بتعليقك علي الجزا الاول من روايتي ابي زيد السروجي
Ahmed Mahmoud منذ 2 أسبوع
مقال جميل و راقي جدا .... و وصفك للصبر على الفضيلة في انتظار نصفك الاخر بالمعاناة الجميلة لهو أروع وصف قرأته...
و من السبعة الذين يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله... شاب نشأ في طاعة الله....
توكل على الله فهو حسبك.
بارك الله فيك و في قلمك.
2
عبدالرحمـٰن علوش
أحسن الله إليك، وأعاننا وإياكم على طاعته

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا