أبطال شكسبير أحياء يرزقون في غزة ! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

أبطال شكسبير أحياء يرزقون في غزة !

أبطال شكسبير أحياء يرزقون في غزة ، هنا في أرض التناقضات ، ستلمح أبطال تراجيديات شكسبير في وجوه وأزمنة أخرى!

  نشر في 01 مارس 2017 .

لم أكن أعلم أن مساقا أثناء دراستي الجامعية سيجعلني أدرك أن البقعة التي أسكن بها بقعة استثنائية ، تجمع الكثير الكثير من التناقضات والشواذ ، كلها اجتمعت هنا في غزة ، طلب منا المحاضر أن نعد مسرحية لنؤديها أمام أساتذة القسم ، فكرت كثيرا وأدركت أن واجبي الوطني يفرض علي أن أقدم شيئا لبقايا هذا الوطن المحطم ، طرحنا الكثير من الأفكار قبل أن تلمع فكرة غريبة بعض الشيء في ذهني ، فأنا طالما ما كنت أحب أن أربط الأدب الإنجليزي بكل أجناسه الأدبية بقضيتي ، كنت دوما أجعل اي متنفسا في نهاية مقالاتي لأربط شخصية أو حدثا أو فكرة بهذا الواقع المرير ، ولعلي لهذا السبب كنت أفضل قراءة التراجيديا على الكوميديا ، فهي تترك لي متنفسا أوسع لأكتب ، ولعلي أؤمن أن أذرف الدموع على عمل أدبي خير من أن اضحك !

قرأت شكسبير كثيرا ، حفظت عباراته وسونيتاته عن ظهر قلب ، أحببت أبطاله وتراجيدياته كثيرا ، فلقد كانت فكرة مسرحيتي العبقرية من هذا الغمار ، فكرت بأن أكتب مسرحية بأبطال شكسبيريين لكن بقالب وطني فلسطيني ، ولعل حجم المرارة والألم التي نعيشه هنا ترك لي متنفسا واسعا لأن أوظف أبطال تراجيدياته مجتمعين ، فهنا في غزة يا سيدي ماذا تستطيع أن ترى ؟ ترى كل ما تستطيع احتماله !

هنا في غزة أسهل ما تراه قلوب مكسورة ، حب روميو وجولييت المقتول تشهد عليه شوارع غزة وأزقتها ، حب قتلته رصاصة غادرة ، أو حب أسره الاحتلال في سجون الظلم والاستعباد ، أو حب قتلته عادات مريضة وتقاليد مجنونة ! 

وهنا في غزة ستلمس حزنا قد وسع المدى ، ستلمس حزن كورديليا على أبيها لير في عيون فتاة تجهزت منذ الفجر لزيارة والدها في سجن النقب ، وانتظرت ساعات على الحاجز ليخبرها جندي : لقد ألغيت الزيارة لهذا اليوم ، لتعود محتضنة خيبتها كخيبة كورديليا لوداع أبيها !

هل جربت من قبل أن تنتظر على حاجز لعين ساعتين يوميا لتصل إلى جامعتك ؟ هل تستطيع أن تستوعب أنك لاجئ في بلدك ؟ هل تستطيع أن تدرك أنك قد تهب حياتك ضريبة للانتظار على الحواجر كل يوم ليأتيك ذلك اليهودي شايلوك والابتسامة البلاستيكية مرسومة على وجهه قائلا : لن نمرر أحدا اليوم وعليكم أن تعودوا أدراجكم ! لتدرك بعد ساعات طويلة أنك كنت تنتظر في العدم !

 فتلتفت يمينا ويسارا لترى رجلا عجوزا سئم الانتظار وبدأ يلعن هذا الزمن ، ولترى امرأة قد جاءها المخاض على الحاجز ! فتحاول أن تتمالك نفسك من الغضب لأنك صدقني حينها ستجتاحك رغبة عارمة بتفجير نفسك بتلك النسخ من شايلوك اللعين، ستتمالك نفسك وتتراجع للخلف وتبتلع خيبتك وسط كل هذه الخيبات وتعود إلى الظلام حيث كنت !

وسط كل هذه الندبات والجروح ستجد هاملت ، شخصا مترددا مهزوزا لا يأبه بشيء ، متكالب على شعبه ، مندس بينهم ينشر الفتنة ، ولسان حال الشعب يقول لهم : يا صناع الفتن ، اتركوا هذا الوطن إن كنتم لا تستطيعون حمايته ! لقد سئمنا منكم ومن ضعفكم !  

ولعل الاحتلال هو ماكبث ، فماكبث الأسود يعيش في كل زمان ومكان ، فلقد تكالبوا علينا كلهم في غزة ، الاحتلال المتغطرس وصمت العرب المطبق حتى انقسام حكوماتنا ، كل هذه توحدت لتشكل جبهة ضد شعب بريء يقبع في غزة ، فكما لطخ ماكبث يديه بالدم ، لقد لطخت إسرائيل يديها بدماء الآلاف من الأبرياء في غزة على مر ثلاثة حروب طاحنة ، لتغدو بعدها غزة قبر مفتوح فهي لم تستطع احتضان أبنائها أحياء فاحتضنتهم أمواتا !

والعرب يا سيدي لطخوا أيديهم بالدم في قمة عربية عقدت في القاهرة على شرف حرب غزة ، فاجتمع المؤتمرون وألقوا كلمتين ثم عادوا إلى بيوتهم ! لقد لطخوا أيديهم قلوبهم بالدم ، فهم لا يستطيعون حتى الوقوف صفا واحدا وإعلان موقف عز وشرف !

غزة أرض المعجزات ، أرض العزة وأرض الكرامة ، غزة تاريخ أمة بأكملها ، غزة مسرح شكسبيري لأعظم التراجيديات ، وما غزة إلا ملحمة تراجيدية مريرة ، أبطال شكسبير ما زالوا أحياء هنا في غزة ، أحياء بصور وبوجوه أخرى ! 

وكما قال درويش : " ليست غزة أجمل المدن ..

ليس شاطئها أشد زرقة من شواطئ المدن العربية .

وليس برتقالها أجمل برتقال على حوض البحر الأبيض .

وليست غزة أغنى المدن ..

وليست أرقى المدن وليست أکبر المدن. ولکنها تعادل تاريخ أمة. لأنها أشد قبحاً في عيون الأعداء، وفقراً وبؤساً وشراسة. لأنها أشدنا قدرة على تعکير مزاج العدو وراحته، لأنها کابوسه، لأنها برتقال ملغوم، وأطفال بلا طفولة وشيوخ بلا شيخوخة، ونساء بلا رغبات، لأنها کذلك فهي أجملنا وأصفانا وأغنانا وأکثرنا جدارة بالحب."

غزة هي التاريخ والمجد ، غزة هي الأمل رغم الجراح ، غزة هي العنقاء التي لن تموت ، غزة ستحيا كل مرة من رمادها ، سيموت الموت وغزة لن تموت ، وإني أعشق اسمي وأنقم على النقطة التي فرقت بين اسمي واسم غزة!






  • 15

  • عزة أبو منديل
    عزَة [ بفتح العين وتشديد الزاي ، بنت الظبية ] فلسطينية أنا من غزة ، عشرون عاماً من الفرح ، أمنياتي بحجم السماء وأكبر ، لكن عند الله لاتخيب الأمنيات ، طالبة لغة إنجليزية وآدابها ، جامعة الأزهر [ أحمد مطر ،، غسان كنفاني ،، د ...
   نشر في 01 مارس 2017 .

التعليقات

اخر المقال يعادل امة بكاملها ,,, لكي التحية و الاجلال سيدتي الكريمة
0
عزة أبو منديل
شكرا عزيزي
MKHTAR JAMAL منذ 8 شهر
رائعة جدا مقالتك ياعزة يابنت غزة العزة ..
0
عزة أبو منديل
تسلم يا طيب
جميييل جدا يا عزة ..فكرة ابتكارية رائعة
1
عزة أبو منديل
تسلمي ❤❤
بسمة منذ 8 شهر
سررت كثيرا بطرحك ،
سلمت اناملك ي جميلتي .
0
عمرو يسري منذ 9 شهر
جميلة فكرة المزج بين شخصيات شكسبير و الواقع .
إستمتعت بالمقال :)
بالتوفيق .
1
عزة أبو منديل
شكرا لك صديقي

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا