علم الاجتماع الجديد - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

علم الاجتماع الجديد

و بزوغ نجم عالمات الاجتماع

  نشر في 19 فبراير 2017  وآخر تعديل بتاريخ 20 فبراير 2017 .

إنه من الضروري بمكان ، أن أنبه من جديد بأمر قد يختلط على البعض استيعابه بالشكل الصحيح ، و هو أن علم الاجتماع الجديد الذي وضعت له عالمة الاجتماع الامريكية "ميشيل باريت " خارطة طريق محددة المعالم هو علم اجتماع يرتبط بقضايا الوقت الحاضر ، فقد بدأت موجة ظهوره مع نهايات القَرْن الماضي الى يومنا الحاضر..

بعدما كان علم الاجتماع لسنوات طوال يدور في دائرة ( الذات / الموضوع ) أي (الفعل / البنية ) هذه الثنائيات التي كانت موضع سجال بين علم الاجتماع البنائي و علم الاجتماع التأويلي ، فعلم الاجتماع الجديد اليوم قد كسر هذا القيد ليضطلع بالدور الجديد في تفسير تلك الظواهر التي فرضت نفسها على الساحة بعيدا عن أحجية الذات و الموضوع .

ولقد ارتبط علم الاجتماع الجديد زمنيا بنهايات القرن العشرين لاسيما سنوات الثمانينيّات و التسعينيات منه الى غاية بدايات الألفية الثالثة التي نعيشها اليوم ، حيث عرفت تلك الفترة تغيرات عالمية جيو-سياسية و اقتصادية و ثقافية و اجتماعية و تكنولوجية و علمية غيرت من ملامح المرحلة الجديدة وهو الامر الذي جعل علم الاجتماع يهرع نحو الاهتمام بتلك التغيُّرات الجديدة بالدراسة و التحليل و لعل أن أنتوني جيدنز هو أبرز من قاد هذه المرحلة الجديدة من علم الاجتماع في بدايتها بمناداته بكسر تلك السجون النظرية ( اي علم الاجتماع البنائي و علم الاجتماع التأويلي و الصراع الدائر بينهما حول أسبقية الفعل أم البنية ) اظافة الى اخرين ممن نعدهم من العلماء اللذين نقدوا الحداثة و عكفوا على محاولة فهم و تنميط مجتمعات مابعد الحداثة مثل ألان توران ، جيفري ألكسندر ، نيكلاس لومان ، أولريش بيك و غيرهم ، و كل هؤلاء كتبوا و نادوا بالتوقف عن ترديد ما قاله الكلاسيكيون في الوقت الذي يشهد فيه العالم تغيرات جوهرية على المستويات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية ..

و لكن للأسف في الوقت الذي نجد فيه علماء الاجتماع اليوم يقرون و يعترفون بوجود علم اجتماع جديد و ينادون بضرورة الالتفاف حول قضاياه الجديدة إلا أن الكثيرون لا يزالون يرددون أطروحات لم تعد صالحة لتفسير واقع اليوم ، و يستوقفني هنا قول عالم الاجتماع الامريكي رائد الوظيفية الجديدة في أمريكا و هو خليفة بارسونز اليوم و مجدد الاتجاه الوظيفي في أمريكا " جيفري ألكسندر " اذ كتب يقول أن بارسونز قد انتصر تاريخيا إلا أنه حان الوقت لإعادة النظر في نظريته حتى توائم الواقع الامريكي الجديد ... فما بالك بأطروحات فيبر و دوركايم و كونت و التي دعا من جهته عالم الاجتماع الألماني و رائد الوظيفية الجديدة في المانيا "نيكلاس لومان" الى تجاوزها . خاصة و أن النظرية اليوم اصبحت تعددية مرنة و دينامية عكس النظرية بالامس و التي كانت شمولية . 

و هذا ليس معناه أن هذه الظواهر الاجتماعية التي انشغل بها علم الاجتماع الجديد اليوم هي وليدة اللحظة كما يضن البعض ، و إنما قد تكون ظواهر قديمة و لكن لم يضطلع علم الاجتماع بدراستها الدراسة الوافية ، أضف الى ذلك أن التغيرات المجتمعية اليوم سياسة و اقتصادا و ثقافة قد جعلت من ظواهر اجتماعية معينة تبرز بقوة فأصبحت تفرض نفسها بالقوة ذاتها على الساحة العلمية لدراستها و تفسيرها .. إظافة الى أن هناك ظواهر فعلا نعدها جديدة لارتباطها بمتغيرات جديدة ميزت مرحلة للحداثة المتأخرة ، فمثلا :

موضوع المخاطرة و الخطر ، من الأكيد أن الانسان منذ وجوده على وجه هذه البسيطة ( الأرض) و هو يتعامل مع المخاطر و الأخطار ، فهذا لا يختلف فيه اثنان ، إلا أن موضوع المخاطرة بات سمة مميزة لعالم اليوم ، فالحداثة الصناعية التي قامت على المخاطرة ، و إفرازاتها اليوم التي تشكل أخطارا على النظام الإيكولوجي البيئي لاسيما الافراد و هم اهم عنصر من عناصر هذا النظام ، كل ذلك بات موضوعا شغل بال الدارسين منذ نهايات الألفية الثانية الى حد اللحظة ، خاصة سنوات التسعينيات بعد الإقرار العالمي بضرورة إيجاد بدائل تنموية جديدة كالتنمية المستدامة ، و لذلك جاء ما يسمى ب علم اجتماع المخاطر الذي يدرس المخاطر و الأخطار الناجمة عن الحداثة و تداعياتها على المجتمع افرادا و جماعات ، و لقد برز في هذا الاتجاه عالم الاجتماع الألماني أولريش بيك ، و الانجليزي انتوني جدنز ، و الفرنسي دافيد لوبروتون و زميله باتريك بيريتي واتل ..الخ ، لازالوا لحد اليوم عاكفين على إرساء دعائم و تطوير علم اجتماع المخاطر .

أما موضوع الجسد ، كما اشرت في مقال سابق فهو ايضا كظاهرة موجود منذ القدم ، و التمثلات الجسدية موجودة منذ وجود التجمعات البشرية على اختلاف درجتها و قوة نفوذها ، إلا أن الجسد كموضوع للتحليل و الدراسة لم يكن من قبل ذَا أهمية و الدليل هو سيطرة الفلسفة سابقا لقرون على الساحة الفكريَّة و هي التي لطالما أعطت أهمية بالغة للروح على حساب الجسد . إلا أنه بعد الحرب العالمية خاصة مع نهايات القرن العشرين بدأت تبرز على الساحة تغيرات جمة أعطت للجسد مكانة بارزة ما جعلته محل اهتمام من طرف الباحثين كان من ابرزهم ميشيل فوكو ، و لعل من بين تلك التغيرات التي جعلت من موضوع الجسد محل اهتمامهم نجد :

-انتشار المثلية الجنسية بشكل لافت و صريح و مقنن ، و ما يوازيه من تمدد للحركة النسوية المدعمة لمطالب المثليين و المدافعة عن حقوقهم المزعومة .

-ميل الامم المتحدة لاستخدام مصطلح الجندر بدل النوع ، و هنا الجندر يشير في دلالته الى النوع الاجتماعي و ليس النوع البيولوجي . و هو ما يشير الى ان استخدام هذا المصطلح بدل النوع له مغزى محدد و هو القبول بالجنس الثالث بين الجنسين الذكر و الأنثى على اعتبار أن ما يفرق بين الأشخاص هو الدور الاجتماعي الذي يقدمونه و ليس نوعهم البيولوجي ! .

و هذا من شأنه أن يعيد صياغة الأسرة شكلا و مضمونا ! ، و هنا يظهر البعد السوسيولوجي للظاهرة حيث أن مجتمعا جديدا تظهر تجلياته أمامنا بكل بوضوح يلعب فيه الجسد دورا محوريا في تشكيل نمطا جديدا من الأسرة النووية ، و نرى بلدان كثيرة اليوم ممن أعطوا لهؤلاء حقوقا في الزواج و إقامة أسر و إنجاب أطفال بعد عمليات التحويل الجنسي أو استئجار  الرحم أو التبني أو غير ذلك و هو الأمر الذي يجعلنا نشهد مجتمعا جديدا يظهر فيه نمط جديد من الأسرة النووية سيكون بلا محالة له وقعه على طبيعة العلاقات الاسرية و الاجتماعية و مدى ثباتها او استمرارها .. هذا من جهة ، و من جهة اخرى يستوقفني ألان توران اذ يقول في معرض حديثه عن كتابه نهاية المجتمعات عام 2013 أن الاسرة اليوم قد تلاشت شيئا ما بسبب إنجاب الأطفال خارج إطار الزواج و خارج مجال الأسرة بشكل متزايد ينذر بالخطر على كيان الاسرة و وظيفتها اجتماعيا و بالتالي فإن العالم اليوم يشهد انماط جديدة من الاسرة لم تكن مؤسسة من قبل كما هي اليوم . و لهذا أقول سوسيولوجيا أن موضوع الجسد اليوم برز بقوة أكثر من اي فترة مضت إظافة الى انه كموضوع لم يتم اعطاءه الأهمية الكبرى سابقا كما هو الحال اليوم حيث أن واقع الحال أبلغ من المقال !  

اظافة الى تغيرات اخرى ليس المجال هنا لذكرها كلية إلا انني أود الإشارة من خلال ذلك أن مثل هذه الظواهر التي زادت حدتها في وقتنا الحاضر و انتشرت و اتسعت حتى باتت تنخر مجتمعاتنا لهو من الامر الذي جعل من علم الاجتماع ينحى منحى جديدا في التعامل مع ظاهرة الجسد و اعطاءه أهمية قصوى و ذلك لاهميته اساسا في الواقع المعاش ..

اذن ، الجديد هنا هو : توجه علم اجتماع بجدية نحو دراسة و تحليل ظاهرة الجسد و ليس الحديث عنه كموضوع فحسب ! ، لأن الحديث عن موضوع الجسد قد تم تناوله من قبل و الخوض فيه و لكن ليس بصفة معمقة ، و اليوم يصبح موضوع الجسد ذَا أهمية من الواقع السياسي و الثقافي ما جعل علم الاجتماع يعكف على إخضاعه كموضوع للدراسة العلمية و الخروج بنتائج ملموسة تفسر الظواهر الجسدانية .

و كذلك نجد موضوع العواطف ، فهو موضوع قديم مما لاشك في ذلك ، و لكن ما هو جديد فيه هو تناول المسألة بشكل معمق و موسع علميا وفق اتجاه يندرج ضمن المدرسة التفاعلية الرمزية حددته صاحبته و هي عالمة الاجتماع الامريكية ارلي رسل هوشيلد والتي أسست لهذا الاتجاه ( علم الاجتماع العواطف ) ، فإذا كان اصحاب التفاعلية الرمزية و غيرهم قد تناولوا مسالة العواطف مثل غوفمان الذي درس فقط عاطفتي الارتباك و الخجل ، إلا أن الجديد هو أن هوشيلد قد تعمقت في ذلك و انفردت بتاسيس اتجاه في ذلك تقام تحته دراسات ميدانية معمقة للبحث في مسألة سوسيولوجيا العواطف و هو بيت القصيد .

و بالعودة وفق هذه الأمثلة ، إلى البعد الزماني ، فإنني اقول ان علم الاجتماع الجديد بكل موضوعاته ( الهوية ، الثقافة ، العرق ، الجندر ، التعددية ، العنف و الاٍرهاب ، البيئة ، الجسدانية و الجنسانية ...الخ ) ، هو لم يأت بموضوعات جديدة كما يعتقد البعض ! ، و إنما هذه الموضوعات برزت بقوة مؤخرا على الساحة العالمية ما جعلها محل اهتمام علم الاجتماع بالدراسة العلمية و التحليل ، كالمشاكل البيئية مثلا ، والاٍرهاب الدولي ، التطرّف الديني ، المثلية الجنسية ، و البعد الثقافي - الهوياتي - العرقي للجماعات و الأقليات ..الخ

و هناك فروع اخرى كثيرة و مجالات شتى باتت اليوم تشغل بال السوسيولوجيين الجدد مقارنة بما كان سائدا بالأمس ، و مما لا ريب فيه أن سطوع موضوعات و نفوذها لهو مرتبط بالدرجة الاولى باتساع الظاهرة من جهة و نفوذها و كذا من جهة اخرى هو مرتبط ايضا بخلفيات سياسية و معطيات موجهة .

و أود الإشارة في الأخير أن علم الاجتماع الجديد قد ميزته موجة جديدة من عالمات اجتماع من الحركة النسوية داخل علم الاجتماع هن اليوم يمثلن وجوها بارزة في خارطة الطريق الجديدة لعلم الاجتماع اليوم أمثال ميشيل باريت ، باتريشيا هيل كولينز ، أرلي رسل هيوشيلد ، ماري ماكنتوش ، أوكلي ، ليز فوغل .. 

د/ لبنى لطيف 


  • 2

  • د/ لبنى لطيف
    الدكتورة لبنى لطيف استاذة محاضرة بجامعة الجزائر 2 متحصلة على شهادة دكتوراه علوم في علم الاجتماع التنمية باحثة و مفكرة ، و كاتبة ناقدة في علم الاجتماع و الفلسفة و الدين و الاعلام و السياسة
   نشر في 19 فبراير 2017  وآخر تعديل بتاريخ 20 فبراير 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا