لا مكان للأمل - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

لا مكان للأمل

هكذا تجري الأقدار

  نشر في 24 فبراير 2019 .

"حتّام أحزان خيبتك؟ لأيّ الأوقات ستظل هكذا؟ انظر إلى ذلك الجدار المانع هناك .. أتذكر قصّته؟ أتذكرأنك دوماً ما كنت تحاكي الجميع عنه؟ أتذكر كيفشيّدته لسنواتٍ كي يحجب أحزانك من أن تصل إليك أو تستدل على وجودك؟ أترى كيف أمسى؟ جداراً مانعاً كما تمنيته؛ لكن لعرقلة الأفراح عن لحاقها بك.

لا زال ذهني عالقاً بالمرة الأخيرة التي رأيت فيها شيئـاً يستدعي السرور، كان يتسلق جدارك جاهداً ليعانقك وبواعث الشفقة تبدو عليه، لكنك أبيت.. وأبَتْ معك أحزانك التي حاصرتك ببناءك الذي شيّدته كما حاصرك المرض بفراشك، لُعِنَ الجميع".

بالكلمات تلك كان أنيني؛ لم أتفوه بأيّها لغلبة نحيب البكاء، فقط قلبي يرددها ويكرر فور الإنتهاء.

كنت أجلس القرفصاء أطالع بزوغ الشمس منتظراً نفاذ شعاعها عبر قضبان نافذة زنزانتي كما اعتدت في كلّ بكور، في الوقت الذي تأهّب البقية من السجناء فيه لممارسة التريض كما تجري عادات الصباح.

في ذلك اليوم لم أكن أهلاً لممارسة رياضتهم باعتباري أكثر إجرامـاً من الجميع؛ وعليــه كان السجّان يقرّ بحبسي منفرداً لشهرٍ فور أن ينقضي آخر، حتى بات الأمر كلّه اعتيادياً بالنسبة لي.

كان من المقرّر أن اليوم هو آخر أيام عقوبة سجني منفرداً؛ وفي تلك المرة كنت أكثر أملاً في أن تنتهي العقوبة على ما نُفّذ دون تجديد.

في السابق كنت قد قضيت ستة أشهر بلا انقطاعٍ منفرداً، كنت أنتظر من كل شهرٍ ليلة التمام؛ الليلة التي أحسبها الأخيرة، كنت أنتظر الفرج محدّقاً في الظلام آملاً في أن يطرق آذاني صرير مفتاح محبسي ويخرجني أحدهم من هنا .. من وحشتي المعتمة.

كل ثانيةٍ كانت تمر كانتّ ترتدي حُلّة توحي بأنها يوماً؛ نظارات لا تداري إلا أعين الشهور؛ وسيجارة تنفث عبرها دخان السنوات، أظنّ أنه في انقضاء كل ليلةٍ من هذا الطراز كان الناس في الخارج يتزوجون وينجبون أطفالاً وربما يشهدون تخرجهم الجامعي، بينما لا أزال قابعاً هنا كما أنا منشغلاً بعَدّ ثواني تلك الليلة مفعماً بالأمل كما لو كنت أتأهبّ لاستقبال مولودي الجديد.

في صباح غُرّة كل شهر كنت أتلقى لكماتٍ وصفعات جديدة، أرى بعيــداً طيف أحدهم؛ تدركني الإبتسامة التي لا تزورني في كل شهرٍ إلا مرّة كما لو كانت حيضاً، تدُبّ قدماه الأرض فيتزلزل لدبّته قلبي وتتسارع دقاته، تتقارب خطاه نحو زنزانتي تدريجياً لأري قلبي محلقاً بأرجاءها؛ لا أُرجّح سبباً لمجيئه إلا لأن يعلن انقضاء فترة الوحدة وانتهاء عقوبة حبسي الإنفرادي، لكنني في كل مرة أشبّع نفسي فيها بالآمال كنت أتلقي لكمة شهرٍ انفراديّ جديد؛ ليكُفّ قلبي الطائر عن التحليق ويعود لمحبسه خلف قضبان قفصي الصدري وأجالس الظلام من جديدٍ لشهرٍ آخر لا أدري أتستحق نهايته إرثها من الأمل كإخوتها أم أنها محرومة لعلّة قتل منتظرها؟

على الأرجح أن رفاقي في العنبر الجماعي قد انقضت مدتهم المحددة للسجن وتحرروا للأبد لمعانقة آمال العيش كالأطفال؛ أما أنا فلا أجالس إلا الظلام مترقباً شعاع بزوغ شمس كلّ بكور.

لا زالت تجري بمخيّلتي ذكرياتي منذ خمس سنوات .. كيف كنت أتلهب شوقاً لما تُكنّه لي الأيام فيما بعد، تدور في ذهني أحداثٌ عصفت ببرائتي، أحداث شقاء رحلة رحيلي عن موطني وما أن تطأ قدماي تلك الأرض حتى أجدني واحداً من سجنائها لسببٍ خفيّ لا أعلمه، على وجه العموم أعرف أنني أخطأت وأستحق العقوبة؛ لكن فيمَ أخطأت؟ على وجه التحديد لا أعرف .. ربما هكذا تجري الأقدار.

أذكر كيف كانت ابتساماتي ووجهي الطفولي الأبيض قبل التحاقي بهذا المكان الملئ بالحسرات الذي لا تُسمع فيه إلا سيمفونيات خيبات الأمل والأحزان، أذكر المرة الأخيرة التي نظرت فيها لوجهي في المرآة وأذكر نضارته؛ أناقته؛ نظرات الأمل التي تنبعث منه وابتسامات التفاؤل التي كانت تتصارع للحاق بما يضمره المستقبل، لم أكن على درايةٍ بأن القدر قد خبأ لي الآلام التي جعلتني أستقبل الأحداث بلا اعتراض.

في كلّ لحظةٍ كانت تمرّ كان شغفي للخلاص من تلك الوحشة في تزايد؛ وبالأخص حين راودني طيف أحد رفاق العنبر الجماعي ذات منامٍ تأويله على حد اعتقادي أنّ منيّته قد آن أوانها، بات قلبي منفطراً لما أظنه برفيقي؛ ناهيك عن عيناي اللتان قد جفّتا من فرط البكاء .. هكذا غمرني شوق العودة إلى عنبر الرفاق ولا حنين لغيره.

ترنّحت الأيام نحو انقضاءها، كانت تستشير سجّاني قبل أن تمر ويكأنها خُصّصت لتعذيبي.

شمسٌ تلتها شمسٌ؛ ثم أخرى .. حتى طرقت عتمة الليلة الأخيرة أبواب قلبي مجدداً، كنت في حيرةٍ كيف أستقبلها؟ هل تستحق أن أعبئ لها ثغري بابتسامة في ظل هيمنة العبوس على وجهي ضعيف الكيد؟ أم أنّها كالليالي سابقاتها جاءت لتضخّ الخيبات؟

مضتْ ليلة الأمل السابعة بثقلها دون أن تستريح أجفاني من التحديق بالفراغ المظلم محتضناً وسادة الأفكار الحزينة جليستي.

وفي الصباح تزلزل قلبي .. طيف أحدهم يقترب من بعيد؛ حلّق قلبي مرة أخرى بأرجاء العتمة، دبّت الأقدام الأرض في الطريق نحوي فزارني حيض الإبتسامة.

كما جرت العادة ظننته لم يأتِ هنا إلا لإعلان انقضاء فترات اليأس كما رجوته، فأنا للحق لم أكن طمعاً إلا بالتحرر من توحدي، أتعقل أن هناك زاهداً لا يرغب إلا في السجن مع الجميع؟

لا أعلم كيف أصبحت ملامح وجهي بعد كل ذلك الشقاء، أعتقد أن تجاعيد الشيخوخة قد بدت عليّ وصرت عجوزا كهلاً متهدماً رغم كونه لم يبلغ ثلاثينه بعد، حتى شعري الأنيق خالطه البياض في بادئ الأمر تدريجياً ثم شرع في السقوط حتى جاء اليوم الذي أتحسس في رأسي ولا أجده إلا فارغاً كمحبسي إن تحررت.

تشوّقت آذاني لصرير مفاتيح الأقفال؛ رفعت أكُفّ الضراعة داعياً أن لا تقع على مسامعي أصوات سواه .. لكن الأفكار تلك خُلقت للأوهام فقط لا لنحياها واقعاً.

هناك شهرٌ ثامنٌ لم أسجنه بعد؛ رمقني بما لا أستحق من الإحتقار ومن ثم لَكَمَ جناح القلب الطائر لكمة جديدة كسرته .. وعلى أثرها عاد لمحبسه خلف قضبان من العظام التي قتلتها آلام الوحدة، وعادت معه مقطوعات خيبات الأمل تُعزف من جديد.

أطلقتٌ العنان لعيناي في بكاءٍ طويل المدى تلاه نومٌ سباتٌ كمن لم يذق لذة المنام منذ دهور.

استيقظت بعد ساعاتٍ لآجد نفسي مستلقياً في فراشي أطالع الظلام؛ ومن المذياع بجواري عبر أثير الجزائر انبعثت أشجان (وردة) بكلماتها "أوقاتي بتحلوّ .. تحلوّ معاك".

القلب الطائر لم يُحلّق بعد، كُسرا جناحيه منذ سنواتٍ خمس .. المرض الخبيث لم يترك به إلا الندبات، سُجن مع الجميع حتى وصل مراحله المتقدمة؛ فشرع في العزلة في محبسه منفرداً.

ودّ لو شارك الجميع أفراحهم لكنّه لم يلق إلا شفقتهم؛ فبات ينشد الأحزان، شيّد بناءه المانع لأجل أن يحجب الأحزان كلها؛ فما كان من بناءه إلا أن صار محبساً خصوصياً يحتويه.

لم يبق منه إلا الجسد الهزيل الذي لا يغادر الفراش، وشعاع من الأمل نفذ من شمس الجزائر عبر مذياعه آملاً في تحلُو أوقاته .. لكنها ستحلو مع من؟ مع ذلك الداء الخبيث؟ على الأرجح أنه لن يضيف لأوقاته سوى مرارة الجرعة الكيميائية في بادئ كل شهر .. وأعتقد أن أقفال محبسه صدأتْ وحرمّت على آذانه صرير مفاتيحها إلى الأبد.

- تمّت -



   نشر في 24 فبراير 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا