كن معلمًا يُشار إليه بالبنان - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

كن معلمًا يُشار إليه بالبنان

إلى من بيده نهضة المجتمع

  نشر في 27 يونيو 2018 .

                       المعلم المتشدد




     هو المعلم المُفرط في تقصيه واستئثاره؛ من يحسب أن بين يديه ميزان ذهب!! إن كان ينقص طالبه رُبع درجة ليجتاز أَسقطهُ غير مكترثٍ، وواضع لعوائق جُمّة للحصول على الحاجيات؛ بينما يتستر بمبدأ حفظ الأمانات .

     هو المُتحذلق في اختيار أسئلة الاختبار، والمدار عنده حول الذاكرة وحدها أثناء الاستذكار؛ فلا يهمه مساعدة طلابه لخوض لُجّة الحياة والنجاح فيها، وكذا تحصيلهم للعلمِ عن طريق فهمهِ، وإدراك أبعاد مسائلهِ .

     إن تحيّر مرة في تقدير درجة لأحد طلابه، عادةً النقصان يميلُ إليه قلبه، ظانًا دليل صواب فعله انشراح صدره؛ ولم يدرك أن الشيطان قد تلبس فكره .

 يَقُولُ -صَلّى الله عَليهِ وَسَلَّم- فِى بَيْتِى هَذَا « اللَّهُمَّ مَنْ وَلِىَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِى شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ وَمَنْ وَلِىَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِى شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ ». (صحيح مسلم (1828).

                          المعلم المتساهل




     وتتعدد الأسباب الدافعة لتساهله، فقد يكون مغفلًا! أو أنه يريد أن يكون محبوبًا! أو قد يكون طيبًا بشكل ساذج بحيث لا يدرك المسؤولية التي وضعت بين يديه بحيث يساوي المستحق بغيره .

     وبالمناسبة، المساواة لا تقتضي العدل في كثير من الحالات، فمن المعلمين من يحرص أشد الحرص على أن يساوي الطلاب جميعًا، وهذا خاطئ، حيث لو افترضنا أن معلمًا لديه ثلاثة فصول، الأول ضعيف، والثاني متوسط، والثالث ممتاز؛ لا بد عليه أن يفضل الممتاز، فالمتوسط، فالضعيف، أي من ناحية تبسيط المهمات، وإعطاء المكافآت، الخ ...، ولا تثريب عليه، بل هو المطلوب .

     بدليل أن أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- فُضّلت على جميع الأمم، وهم بشر كما غيرهم، ولكن الفروق الجوهرية كامنة في عدة عوامل، منها: اختصاصها بالخيرية، وكذا عدم اجتماعها على الضلالة، وغير ذلك الكثير .

    ولا غرو ولا شك بأن هذا من أكمل العدل الذي يتصف به العليم الحكيم؛ فالله -سبحانه- عادل يحب من يتصف بهذه الصفة الحسنة .

قال ابن القيم -رحمه الله-: (ولما كان سبحانه هو الشكور على الحقيقة، كان أحب خلقه إليه من اتصف بصفة الشكر، كما أن أبغض خلقه إليه من عطلها، أو اتصف بضدها، وهذا شأن أسمائه الحسنى، أحب خلقه إليه من اتصف بموجبها، وأبغضهم إليه من اتصف بأضدادها، ولهذا يبغض الكافر والظالم والجاهل، والقاسي القلب والبخيل والجبان، والمهين واللئيم، وهو سبحانه جميل يحب الجمال، عليم يحب العلماء، رحيم يحب الراحمين، محسن يحب المحسنين، ستير يحب أهل الستر، قادر يلوم على العجز، والمؤمن القوي أحب إليه من المؤمن الضعيف، فهو عفو يحب العفو، وتر يحب الوتر، وكلما يحبه فهو من آثار أسمائه وصفته وموجبها، وكل ما يبغضه فهو مما يضادها وينافيها).

وأخيرًا اتضح بأن هذه ليست دعوى للتساهل، أو لإثارة التشدد كذلك، فما هي إذًا؟

ببساطة: التمسك بيما يسمى ب(التوسط)، وهو في أبسط دلالاته: العدالة .

وكي لا أكون أثقلت كاهلك بتهويل المسؤولية، حديثه -صلى الله عليه وسلم- سلوى لقلبك:

«إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ ، فَلَهُ أَجْرَانِ ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ ، فَلَهُ أَجْرٌ». (متفق عليه، البخاري(7352)، مسلم(1716) .

     ختامًا، حين يصعب عليك معرفة كيفية معاملة طلابك، أقصد تحديدًا عندما تجد صعوبة بالغة بحيث تصيبك الخيبة، وتحيطك الكآبة، ويحتويك الجهل الضائع. إياك إياك أنتستعمل مبدأ المحاولة والخطأ، فإنك قد تصيب، وهذا غير مضمون أبدًا، وقد تخطأ، ويكون خطأك كالوسمة على جبينك، فمن المعلوم بأن حتى طلاب المتوسطة لديهم تقارير مفصلة عنك، من تقييم امتيازك، انتهاءًا إلى طريقة مشيك، وهذه التقارير قد تتوارثها الأجيال فقد تضطر إلى الفرار بجلدك بصعوبة إلى موقع آخر؛ بحثًا عن الاحترام! ولهذا كن مذ أن تطأ قدماك أرض المدرسة، أو الجامعة، أو أيًا ما كان، أن تكون ذا مبادئ صارمة، واضحة، وتتسم بجميل الأخلاق، كأن تكون متواضعًا، مبتسمًا، معطاءًا، قارئًا، ومتعلمًا من أفضل المعلمين -صلى الله عليه وسلم-، وأجزم بأن التعلم من تعامله -صلى الله عليه وسلم- فقط كافٍ، بل هو التصرف المثالي ولا شيء من النظريات -سواءً القديمة أو الحديثة- يحيط بالإيجابيات بقدر إحاطة السنة وعمق رسالتها في التعليم، فهي إثرائية مقارنةً بها  . 


  • 8

  • لمى
    لا أريد تقييدك بتعبير معيّن لفهم شخصي وأسلوب كتابتي، على كل حال حاول أن تنظر إلي نظرة (عدالة) .
   نشر في 27 يونيو 2018 .

التعليقات

فعلا كثير لا يفرقون بين العدل و المساواة و مع هذا نتعلم من تجارب السابقين لرسم طريق المقبلين بارك الله فيك
2
لمى
أقدّر تعليقك، وسخائك، شكرًا أستاذنا الفاضل
Ahmed Tolba منذ 5 شهر
مازلت أتذكر من كان لديهم ضمير وقاموا بالتدريس بحق ومن كانوا بلا ضمير فالأوائل أتذكرهم بالخير والدعاء والأواخر أتذكر باللعنات والدعاء عليهم
1
لمى
رحم الله معلمًا ازدحمت كلماتنا في صدورنا أثناء دعاءنا له؛ فلم نملك غير قول (اللهم وفقه)
أما من لم يستحقوا هذه المهنة، فسامحهم الله وعسى ربنا يخلف على المجتمع من هم خيرًا منهم
أستاذ أحمد، لا تؤاخذهم بما فعلوا، لهم رب يحاسبهم،ولا يستحقون بأن تخصص من وقتك الثمين دعاءً عليهم، سامح واغفر فقد مضى الزمن، {فمن عفا وأصلح فأجره على الله} .
أسعدني وشرفني مرورك .
Ahmed Tolba
كما ندعو للصالح فيستحق من ظلمنا أن ندعو عليه ولا شك أن الله وحده هو من سيعاقبه أشد العقاب فى الآخره
لمى
المقابلة لا شيء فيها، ولا تثريب عليك بل كلامك منطقي، ولكن فتح باب الغفران لتحصيل الأجر لا شك أنه مطية كل مُتّجر
Ahmed Tolba
إن تابوا فمغفرة الله واسعه بلاشك لهم ولنا جميعا فكلنا مخطئون
لمى
شرفني مرورك أستاذ
Salsabil Djaou منذ 5 شهر
أظنه عتبا على معلمين بعد فترة امتحانات شاقة لمى ،موفقة في دراستك بإذن الله، في دراستي صادفت المعلم الرائع الذي تدمع عيني وأنا أدعو الله له ليجازيه عن تعبه كل خير ،و المعلم الذي انزعج جدا لتذكري ملامح وجهه ، التعليم مهنة سامية و شاقة ،و المعلم الحقيقي لا يكتفي فقط بتمكنه من اختصاصه بل يجب عليه تعلمه لطرق التعليم و معاملة الطلاب ،وكذلك نفسية الطلاب حسب سنهم ، فخلق جو ملائم يساعد على التحصيل ، رغم أني ضد فكرة تقليل إحترام المعلم لقلة كفاءته أو خبرته، و يوجد في المقابل من أحترمه جدا لأنه لم يختر التعليم يوم سنحت له الفرصة لإدراكه بأنه لا صبر له مع الطلاب ، موضوع شائك عكس ما يبدو ،اهلا بك لمى بعد طول غياب في مقال أثرى لغة ومحتوى ،دام قلمك تحياتي و تقديري.
3
لمى
أهلا وحُبًا بحبيبة قلبي سلسبيل
لا والله ليس عتبًا -وإن كان هذا بالفعل متوقعًا- بيد أني أردته بهذا الوقت قبل الشروع في الفصل القادم؛ لأن البداية هي الأساس لخلق المبادئ والالتزام بها .
مقالي ليس لأجل تجربة مريرة أمر بها بشكل متكرر، أحسبهُ رسالة إصلاحية؛ لعل وعسى أن يلين إثرها قلب المتشددين، ويقوى قلب المتساهلين .
نعم أتفق معك في كل حرف، شكرًا لإثرائك المقال، وإن كان لم يكن موجودًا من التعليق سوى اسمك الجميل لكان كافيًا، شكرًا جزيلًا لكلماتك العذبة، ورأيك الرشيد .
آمين القادم أفضل وأكثر عطاءً بإذن الله .
Salsabil Djaou
بالتوفيق ارجو لك عطلة مريحة ،اشكرك على ردك الجميل اسعدتني.
عمرو منذ 5 شهر
موضوع مهم خاصة في هذه الأيام التي صارت مهنة ( التدريس ) بالنسبة لكثير من المدرّسين مجرد بحث عن لقمة العيش دون الإهتمام بغرس مبادئ و أفكار طيبة في نفوس الطلاب . و أضيف إلى ما أشرتي إليه في ختام المقال أن من يتصدّى لمهنة التعليم لابد أن يؤهّل لنفسه لها أولاً بالدورات المتخصصة في التربية و التدريس حتى يكون مؤهلاً لحمل هذه الرسالة العظيمة .
مقال جميل , و لو وضعتي له مقدمة تمهّد الفكرة للقارئ سيزداد جمالاً .
عودة مباركة للكتابة . بالتوفيق و في إنتظار كتاباتك القادمة .
2
لمى
أهلًا وسهلًا أستاذ، أصبت وأشكرك على إضافتك التي أنارت مقالي، وزان إثرها .
بالنسبة للمقدمة، أحببت أن أدخل في صلب الموضوع حُبًا للتجديد، خصوصًا أن هذا الموضوع -المعلم- واضح ولطالما كتب لأجله آلاف وآلاف المقالات، فأنا فقط تناولته من زاوية معيّنة، وإن كان رأيك محل اهتمام أستاذ عمرو.
آمين، ولعلها أصبحت مباركة بالفعل بسبب مرورك وتوجيهك .
روحي لله أبثها
شكرا لك على الموضوع الجميل و المفيذ ♥

جزاك الله الف خير على كل ما تقدمه من مواضيع ♥

[بارك الله فيك على الموضوع القيم والمميز

وفي انتظار جديدك الأروع والمميز

لك مني أجمل التحيات

وكل التوفيق لك يا رب

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا